القصير ... المدينة السورية التي أصبحت مواتا

جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

هناك مقولة شائعة عادة ما ترتبط بالحروب، تقول إنه للحفاظ على مدينة ما، يجب عليك تدميرها.

وكان ذلك هو قدر مدينة القصير.

فمنذ 18 شهرا وقبل أن تصبح ساحة للمعارك، كانت القصير مدينة حدودية تزدهر ببساتين الزيتون والمشمش المزهرة.

أما الآن، فيخبرنا مسؤولون أن ما لا يزيد عن 500 شخص هم من بقوا في هذه المدينة بعد أن تحولت إلى أنقاض.

ففي زيارتنا الثانية لها منذ سيطرة القوات الحكومية عليها في الساعات الأولى من يوم الأربعاء، وجدنا المدينة أهدأ مما كانت عليه حيث لم تعد هناك أي من مظاهر الاحتفال التي كانت موجودة في أعقاب المعركة على المدينة بين الطرفين.

كما شهدت الشوارع حركة أكبر، إلا أنها في الغالب تحركات لجنود إما داخل عربات النقل والدبابات، أو على ظهر الدراجات الهوائية أو البخارية.

وظهرت تلك العربات وهي محملة بفرش الأسرة وأجهزة التلفاز وأجهزة التبريد والأثاث، بينما كان الجنود ينتقلون من أحد المباني التي أصبحت حطاما إلى مبنى مجاور لجمع أكبر قدر يمكنهم حمله من تلك الأمتعة.

ولم نعثر في طريقنا إلا على عائلة واحدة عادت إلى منزلها بعد عام من هروبها من المدينة منذ استيلاء المعارضة عليها، إلا أنهم لم يعودوا يستطيعون تمييز ذلك المكان الذي كان يوما ما منزلا لهم.

فأماكن إطلاق الرصاص والشظايا تغطي الأجزاء المعدنية في المنزل، كما يمكنك رؤية الفتحات الناجمة عن القصف في الجدران والسقف إضافة إلى أشلاء القتلى التي كانت مبعثرة على الأرض.

قائمة فصائل الدم

وكان رب تلك العائلة، أبو سمر، ينقّب بين الركام حاملا في يده منظارا مقربا لإحدى البنادق وغلافا جلديا لحمل المسدس، وبعض المذكرات من بعض الدروس الدينية لأحدهم، إضافة إلى وحدة تحكم في ألعاب الفيديو.

وتبعثرت بعض القمصان التي تحمل شعار كتيبة الفاروق التابعة للجيش السوري الحر على أحد الكراسي.

وكانت هناك قائمة مكتوبة معلقة إلى أحد الجدران تبين فصائل دم المقاتلين في تلك المنطقة.

أما أم سمر فكانت تحزم بسرعة كل ما تعثر عليه من الممتلكات التي خلفتها عائلتها، بما في ذلك دمى الأطفال والأطباق الزجاجية التي لا تزال داخل الصناديق، إضافة إلى بعض الوسادات.

وعندما سألتها إذا ما كانت عائلتها ستعود للعيش هنا، أجابتني وهي تكفكف دموعها: "أبدا لن نعود!"

وبعد أن حملوا ما تبقى من أغراضهم التي استطاعوا جمعها، سرعان ما انطلقوا مبتعدين داخل إحدى السيارات في شوارع المدينة التي تحولت منازلها إلى انقاض كما هي حال منزلهم.

إلا أن الضرر الجسيم الذي لحق بالنسيج المجتمعي في تلك المدينة أبلغ بكثير من الضرر المادي الذي ألحق بها.

فعلى الجانب الآخر من المدينة، بالقرب من إحدى المستشفيات المدمرة التي لجأ إليها طرفا الصراع، سألنا مجموعة من الجنود عن الثمن الباهظ الذي دفعته المدينة.

ورد أحد الشباب ممن يؤدون الخدمة العسكرية إلا أنه كان يرتدي ثيابا مدنية "يؤلمني أن أرى هذه الأنقاض. فهذه المشفى قد كلفت الكثير لبنائها من الضرائب التي دفعتها عائلتي والعائلات الأخرى بالمدينة."

وقال جندي آخر "سيعود الناس مرة أخرى إلى المدينة، وأنا متأكد من أنها ستصبح مدينة أفضل، وأن الناس سيعيشون فيها حياة أكثر ازدهارا."

وألقى الجميع باللوم على الثوار في إحالة تلك المدينة إلى أرض مقفرة.

وقال جندي آخر"ذلك هو ما يسمونه الحرية."

وتزداد رحى الحرب في مدينة القصير –كما هي الحال في أغلب الأراضي السورية- على أساس سياسي وطائفي أيضا، حيث يبرهن ذلك الوجود البين لمقاتلي حزب الله الشيعي على الأراضي السورية ومشاركتهم في القتال إلى جانب القوات الحكومية.

فهم يتجولون بشكل علني في شوارع مدينة القصير، واقترب أحدهم منا وهو يلف رأسه بعصابة تميزها ألوان حزب الله الأصفر والأخضر، كما يلف رسغه بشريط آخر.

وعندما سألته عن المعركة الأخيرة، قال وبصوت تملأه الثقة إنها لم تكن صعبة مؤكدا التقارير التي كانت تشير إلى تدفق مقاتلي حزب الله إلى الأراضي السورية والخروج منها، والتحرك من خلال حدود المدينة التي تفصل الأراضي السورية عن الأراضي اللبنانية.

وعندما سألت الجنود السوريين عن رأيهم في الوجود المثير للجدل لمقاتلي حزب الله، رد أحدهم متسائلا: "لماذ لا ينبغي لهم القتال معنا؟! فالطرف الآخر يدخل إلى البلاد مقاتلين من ليبيا والسعودية وتونس وأفغانستان. إن نصف العالم يقاتل في سوريا."

وقد تصدرت مدينة القصير عناوين الأخبار حول العالم؛ فرغم إنها مدينة صغيرة إلا أن تمركزها في مفترق طرق استراتيجي جعل منها غنيمة ثمينة في معركة طاحنة.

أما من كانوا يعيشون فيها يوما ما، فقد تشتتوا في القرى المجاورة واستوطنوا المدارس والشوارع، بينما هرب آخرون عبر الحدود إلى الأراضي اللبنانية.

ومع أننا ما زلنا نجهل عدد من قتلوا خلال الأسابيع الثلاثة الماضية في تلك المعارك، إلا أننا رأينا أن هذه المدينة قد أصبحت مواتا.