في الاحتجاجات الاخيرة، صراع رؤى في تركيا

Image caption من بين الشعارات التي ترددت عاليا، شعار "نحن عسكر مصطفى كمال"

خلال الاحتجاجات التركية، رفع محتجون من اعمار مختلفة العلم التركي تتوسطه صورة مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال اتاتورك.

كما ان من بين الشعارات التي ترددت عاليا، شعار "نحن عسكر مصطفى كمال".

ليست تركيا في حرب. ولكن هؤلاء يصرحون عن موقفهم في صراع يجري على هوية البلاد.

تتعدد العوامل التي أسهمت في تفجير احتقان شريحة من الاتراك في الشارع، الا ان كثيرين يتحدثون عن قلق من الاتجاه الذي تسير به البلاد منذ وصول حزب العدالة والتنمية الى الحكم قبل عقد من الزمن.

نمط العيش

في عام ١٩٢٣ ، تأريخ تأسيس الجمهورية التركية، أرسى آتاتورك مبادئ الجمهورية، ومن بينها العلمانية.

لا يزال كثيرون يصفون أنفسهم اليوم بالكماليين، نسبة لمصطفى كمال.

"أن تكون كماليا هو أن تؤمن بإرث أتاتورك القائم على الديموقراطية والعلمانية وحكم القانون والعصرية. باختصار، هو أن تكون جزءا من الحضارة"، يقول فاروق لوغوغلو، أحد نواب البرلمان وعضو حزب الشعب الجمهوري، الحزب الذي أسسه آتاتورك.

يؤكد لوغوغلو بحزم أن إرث أتاتورك لا يزال حيا وراسخا، ولكن نبرته تصبح أقل حماسة عندما يقول إن "هذا الارث معرٌض للخطر".

"المحرك الرئيس لسياسات الحكومة الحالية ديني، بل طائفي. بدل الذهنية العلمانية، هم يحاولون إعادة صياغة المجتمع بأسره وفقا لمنطلقاتهم الدينية".

ليست ريبة العلمانيين من سياسات حزب العدالة والتنمية جديدة. ولكنها تعززت على ضوء قرارات اتخذتها الحكومة بشكل تدريجي منذ تولي الحزب ذي الصبغة الاسلامية الحكم.

قبل ثلاثة اعوام خلف قرار السماح بارتداء الحجاب في الجامعات ردود فعل واسعة في مجتمع لطالما اعتبر انه ليس للدين مساحة في الحياة العامة. اليوم تحوّل النقاش الى قانون حظر بيع الكحول بين الساعة العاشرة مساء والسادسة صباحا، ومنع شركات الكحول من رعاية ودعم نشاطات في البلاد.

القانون يحظر أيضا بيع الكحول على بعد مسافة مائة متر عن مدرسة أو مسجد.

لا يزال القانون بحاجة لتصديق رئيس الجمهورية عليه ليصبح نافذا، في وقت تسعى مجموعات لإثبات عدم دستوريته.

تقول الحكومة إن قرارها تنظيمي يهدف للحد من مخاطر الكحول، لا سيما لدى الشباب. لكن هذه الحجة لا تقنع العلمانيين الذين يتحدثون عن تطاول على حياتهم الشخصية وطريقة عيشهم..

هذه الحكومة تكشف يوما بعد يوم عن وجهها الحقيقي بعد أن خبأته لعشر سنوات"، تقول طالبة مشاركة في احتجاجات أنقرة.

"يريدون ان يتدخلوا بتفاصيل حياتنا الشخصية وان يملوا علينا نمط عيشنا، ولكننا سنقف لهم بالمرصاد".

حرب فكرية

كثير من الانتقادات والاتهامات التي توجه للحزب الحاكم تنطلق من تشكيك بنواياه وتخوٌف من طموح قادته، لا سيما وأن نتائج الانتخابات الثلاثة الماضية أعطته في كل مرة مزيدا من الدعم.

"ما يحصل من احتجاجات هو حرب فكرية بين العلمانيين والمتدينين"، بحسب جاهد توز، المحلل السياسي المقرٌب من حزب العدالة والتنمية.

في مكتب أحد نواب حزب العدالة والتنمية، حيث التقينا توز، ترتفع صورة أتاتورك. على حائط جانبي، صورة لرئيس الوزراء الحالي رجب طيب أردوغان. يتفق كثيرون على أن أردوغان هو القائد الاكثر تأثيرا في تركيا بعد اتاتورك. الا انه بحسب المتحمسين لاتاتورك، فان نقاط التباعد بين الشخصين أكثر بكثير من نقاط الإلتقاء بينهما.

ففي وقت كان أتاتورك مدافعا مستميتا عن العلمانية ويربط مناصروه بينها وبين مفهوم التطور والعصرية، يعرّف أردوغان عن نفسه كرئيس وزراء مسلم لدولة علمانية، وقد أعلن أنه يمكن للدول أن تكون علمانية وليس الأفراد.

يتحدث توز عن "ثورة صامتة" شهدتها تركيا في عام ٢٠٠٢ عندما وصل حزب العدالة والتنمية الى الحكم، ويشير الى التقدم الاقتصادي الكبير الذي شهدته تركيا في السنوات الأخيرة.

فقد تمكنت في غضون عشر سنوات من الانتقال الى المرتبة السادسة عشرة من بين اقتصادات العالم بعد ان كانت في المرتبة السادسة والعشرين في عام ٢٠٠٢.

كذلك أصبح الناتج المحلي الاجمالي للفرد عشرة آلاف دولار بعد أن كان ثلاثة آلاف وخمسمائة دولار للفرد قبل عقد من الزمن.

"المعارضون للحزب لا يريدون تطور تركيا بيد متدينين وكانوا ينتظرون فرصة للانقضاض عليهم وجاءتهم في هذه الاحتجاجات الأخيرة"، بحسب توزو.

"ما نحتاج اليه في تركيا اليوم هو ان نتحدث بصراحة حتى نفهم بعضنا بعضا ونبحث اكثر في قضية إرث أتاتورك أو الفكر العلماني لكي نتمكن من تجاوز مشكلاتنا".

يقر توزو بأنه منذ تأسيس الجمهورية التركية نشأ قطبان في البلاد، قطب من المتدينين وقطب من العلمانيين واليساريين وهؤلاء لم يتحاوروا بصراحة. "يجب ألا ننسى أيضا الدور الواضح للجيش الذي قام بانقلابات وتدخل لعقود في السياسة بحجة التخوف على العلمانية، وهو ما أسهم في عدم بحث القضية كما يِفترض".

تستعد تركيا منذ الآن للاحتفال بمئوية تأسيس الجمهورية. ومن بين أهداف حزب العدالة والتنمية للمناسبة، بناء مجتمع قوي.

في هذا الاطار، قد تكون الاحداث الاخيرة قد أظهرت ضرورة مناقشة قضايا بقيت مؤجلة طويلا، من بينها هوية تركيا والاتجاه الذي تسلكه بعد قرن من تأسيسها.