المساعدات الإيرانية للبنان لا تلغي الانقسامات بشأن سياساتها

حزب الله، إيران
Image caption تمثل ايران نقيض إسرائيل بالنسبة إلى جمهور حزب الله

ليست إيران حليفا عسكريا مهما لحزب الله الشيعي فحسب، وإنما هي ظهير مالي أيضا.

بالنسبة إلى جمهور حزب الله، فإن ايران تقف على نقيض إسرائيل. ففيما هدمت الأخيرة مرارا ممتلكات جماهير الحزب واحتلت أراضيهم، برزت ايران بوصفها ممولا أساسيا لمشاريع إعادة إعمار منازلهم وقراهم المتهدمة.

فإيران اليوم في قلب الصراع بين إسراييل وحزب الله، وقد استثمرت مبالغ طائلة لتثبيت موقعها ونفوذها.

إلا أنها لم تنجح في توسيع رقعة نفوذها المالي بالقدر ذاته خارج إطار المناطق الشيعية.

إعادة إعمار

صدر مؤخرا تقرير عن مجموعة الأزمات الدولية، بشأن أثر العقوبات الدولية على إيران.

يقول أحد معدي التقرير إنه لا دليل على أن تلك العقوبات أثرت على الدور الإقليمي لإيران.

كذلك، لا دليل على وجود أي دعم مالي إيراني واضح لحزب الله.

"ليس هناك جملة واحدة في الميزانية الإيرانية تتحدث عن مساعدات مالية أو دعم من هذا النوع لحزب الله"، حسب ما يقول علي واعظ، أحد معدي التقرير.

إلا أنه في مجال محدد، وهو إعادة الإعمار ومشاريع البنى التحتية، يبدو هذا الدعم واضحا ومباشرا.

فبعد سبعة أعوام على حرب يوليو/تموز بين حزب الله وإسرائيل والتي أدت إلى تدمير منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت، تغيّرت معالم المنطقة بشكل شبه كامل.

فقد ارتفعت مبان جديدة على أنقاض المباني المدمرة وأعيد بناء المنطقة، التي تٌعتبر إحدى معاقل حزب الله، حسب تصميم مدني حديث.

بحسب فرح، وهي من سكان المباني الجديدة، ما كانت الضاحية لتنهض من جديد لولا المساعدة الإيرانية "أشعر بامتنان كبير لإيران. فلولا مساهمات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لما كنا عدنا إلى منزلنا هذا".

كلّف إعادة بناء الضاحية نحو أربعمائة مليون دولار، بحسب حسن جشي، مدير مشروع "وعد" الذي أُنشأه حزب الله بعد حرب تموز بغرض إعادة إعمار الضاحية الجنوبية لبيروت.

تكفّلت إيران بنصف المبلغ، بحسب ما كشف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في أحد خطاباته بمناسبة إعادة إعمار المنطقة.

"نحن نعتبر أن مساهمتنا في إعادة الإعمار أساسية في دعمنا للمقاومة ضد إسرائيل في لبنان"، حسب ما يؤكد غضنفر ركن أبادي، السفير الإيراني لدى لبنان.

هوية مزدوجة

يظهر هذا الدعم جليا في جنوب لبنان أيضا حيث ساهمت إيران بشكل كبير في جهود إعادة إعمارالمنطقة من خلال ما يُعرف بـ"الهيئة الإيرانية للمساهمة في إعادة إعمار لبنان".

اختارت إيران، للتأكيد على نفوذها وعلى دورها في هذا المجال، بلدة مارون الراس الاستراتيجية والمطلة على إسرائيل لإنشاء "حديقة إيران".

تنقسم الحديقة إلى مناطق كل واحدة منها تحمل اسم محافظة إيرانية، كما أن الزائر، بغض النظر عن الاتجاه الذي يلتفت إليه، يرى صور زعماء إيرانيين دينيين وسياسيين.

تتصدر الحديقة على المدخل، صورة حسام خوش نوييس، المدير الراحل للهيئة الإيرانية.

قُتل الرجل في شباط/ فبراير الماضي وهو في طريقه من دمشق إلى بيروت، ليتضح بعد ذلك أنه مسؤول رفيع في الحرس الثوري الإيراني وأن اسمه الحقيقي هو حسن شاطري.

هذه الحادثة وما تكشف عنها أثارت شكوكا كبيرة بشأن طبيعة المهمة التي كان شاطري مكلفا بها.

"ايران للجميع"

إلا أن إيران تؤكد على أن مساعداتها للبنان لا تنضوي أبدا على أي بعد طائفي. فالسفير أبادي يصرّ على أن إيران تنطلق مما تعتبره رسالتها وهي "الوقوف إلى جانب المستضعفين والمظلومين أينما كانوا."

وأوضح قائلا إن "إيران تقف إلى جانب الجميع بصرف النظر عن دينهم أو طائفتهم أو توجهاتهم السياسية. ولذلك نحن لا ندعم المشاريع في منطقة بعينها ولكن في كل لبنان".

ليس لهذا الخطاب الصدى نفسه في أرجاء البلاد كلها. فقد قوبلت منحة إيرانية لبناء سد مخطط له في تنورين، شمالي لبنان، بردود فعل رافضة من قبل البعض.

جاءت المنحة في عام 2011 عن طريق وزير الطاقة والمياه، جبران باسيل، المنتمي إلى التيار الوطني الحر، وهو أحد أهم الاحزاب المسيحية في لبنان ومتحالف مع حزب الله.

وبالرغم من أن مجلس النواب وافق على المنحة، فإنه حتى الآن لم يبدأ العمل لتشييد السد وكثيرون يشككون أصلا في أن المشروع سينفذ بالأموال الايرانية.

يقول منير طربيه، رئيس بلدية تنورين "الهبة تضمنت شرط أن تقوم شركة إيرانية بأعمال البناء. إذا ما جاؤوا فسيقيمون هنا لفترة معينة يكونوا فيها قد انشأوا مجتمعهم الخاص في هذه البلدة المسيحية ونحن لا نريد لذلك أن يحصل".

يتهم طربيه إيران بأنها "تملك مشروعا للسيطرة على الجبال المسيحية بطرق سلمية إذا أمكن، لأنها تريد لبنان بديلا عن سوريا".

ولكن لا يتفق الجميع في تنورين مع هذا الرأي. بعض السكان يردّون ردود الفعل هذه إلى الخلافات الحزبية والمناطقية بين مختلف الأطراف في البلدة.

كما أنهم يشيرون إلى مشاريع أخرى في المنطقة نفذّت بتمويل خليجي دون أن تثير ردود فعل مشابهة.

يقول أحد السكان "ما يقولونه عن إيران محض وهم. يخيفون الناس من إيران لأغراض حزبية. لا أوافق أن لإيران غايات في لبنان. لا بل على العكس، أرى أنها تقوم بأشياء كثيرة جيدة للبلاد".

قد تسعى إيران لكسب عقول وقلوب مختلف الأطراف في لبنان. ولكن في ظل الانقسامات السياسية والطائفية الكثيرة في هذه البلاد، تعلم إيران جيدا أنها لن تلقى أذرعا مفتوحة لاستقبالها في كل مكان.

المزيد حول هذه القصة