الثورة المصرية تلهم شركات التكنولوجيا الناشئة

Image caption بدأت القصة عندما قطعت السلطات المصرية الاتصالات عن ملايين المحتجين في ميدان التحرير أثناء الثورة

أثبتت الثورة المصرية التي اندلعت عام 2011 أمرين شديدي الأهمية بالنسبة للشباب المصري.

ويتمثل الأمر الأول في أن القوى المتضافرة للجموع يمكنها أن تحقق أي شيء. أما الأمر الآخر فهو أن الطريق لتنشيط تلك الجموع يتطلب شبكات دقيقة من الاتصالات والتعاون فيما بينها.

وكما استطاعت الثورة في النهاية إسقاط نظام يبلغ عمره ثلاثين عاما، فقد أصبحت أيضا محفزة لحركة متنامية من الشركات التكنولوجية الناشئة في مصر.

فالكتلة الضخمة من الشباب الخريجين المتعلمين يعملون على تغيير مستقبل الأمة المصرية شيئا فشيئا من الناحية التكنولوجية لا من الناحية البنائية.

وللمحافظة منها على مبادئ الثورة، تلجأ العديد من تلك الشركات الناشئة إلى استخدام فكرة التعاون هذه إضافة إلى القوة الجماهيرية لحدوث ذلك.

شبكات محلية

وبالنسبة لشركة ناشئة واحدة على الأقل، بدأت القصة بين الملايين من المحتجين في ميدان التحرير في قلب العاصمة المصرية القاهرة.

حيث يسترجع محمد عمارة، الذي قضى سنوات في تصميم الرقاقات شبه الموصلة لشركات حول العالم، قائلا: "قامت الحكومة بقطع كل شبكات الاتصال والانترنت في مصر كلها."

وكان ذلك بمثابة تهديد لقدرة المنظمين على نشر المعلومات بصورة سريعة، الأمر الذي كان يعتبر العمود الفقري للثورة.

وأضاف عمارة: "لذا، بدأت أفكر في حل يمكن الناس أن يتواصلوا من خلاله."

وجاءت إجابته على ذلك متمثلة في تقنية الربط المعلوماتي الشبكي اللاسلكي قصير المدى، والذي يعرف بالبلوتوث، ويوجد في أغلب أجهزة المحمول والحاسب الآلي تقريبا.

وكما قال، فإن البلوتوث يمكّن جهاز الهاتف المحمول من الاتصال بجهاز أي شخص قريب منه من أي مكان، على العكس من البث اللاسلكي فائق الدقة والسرعة (الواي فاي)، الذي يعتمد على جهاز التسيير الشبكي (الراوتر).

وفي استخدام تقنية البلوتوث في التواصل مع الجموع، يأتي التحدي مضاعفا.

فالمدى الشبكي لتقنية البلوتوث يتراوح ما بين 10 إلى 20 مترا، كما أنه مصمم ليعمل بطريقة اتصال ثنائية يتعرف فيها جهازان على بعضهما البعض ثم يجري الاتصال بينهما.

لذا كان عليه أن يوجد طريقة لزيادة ذلك المدى حتى يغطي مساحة ميدان التحرير كله، التي تبلغ 75 ألف متر مربع، وينشئ شبكة من خلال ذلك.

وبعد مرور عامين على تلك الفكرة ، أسس عمارة شركته الناشئة "زون بي" ليكون عملها قائما على الفكرة نفسها، وهو إنشاء خوارزمية ذكية في تطبيق يتيح لأجهزة البلوتوث "ترحيل" المكالمة دون فك شفرتها.

ويمكن شراء ذلك المنتج بخمسة دولارات كجهاز مستقل يعمل على تمديد التغطية لمدى يزيد على 300 متر مربع، كما يمكن تحميله مباشرة داخل أجهزة المحمول المزودة بخاصية البلوتوث.

كما تعمل شركة "زون بي" أيضا على عمل تطبيق يتيح للمستخدمين إجراء مكالمات مجانية باستخدام الشبكة حيث يمكن لتلك الخدمة أن تحل محل الشبكات المحلية كهواتف المكاتب الداخلية والأجهزة اللاسلكية، بل وحتى الاستخدامات العسكرية.

كما قد يساعد ذلك التطبيق أيضا على إيجاد حل للمشكلة في زيادة التحميل الشبكي، وذلك مثلما يحدث في الأماكن شديد الازدحام.

وقال عمارة إن ما يقرب من ثلاثة إلى أربعة في المئة من مكالمات الهواتف المحمولة تكون بين أناس قريبين جغرافيا من بعضهم البعض، كما كان هو الحال على سبيل المثال في ميدان التحرير.

وأضاف عمارة أنه يمكن إجراء تلك المكالمات الهاتفية من خلال شبكة محلية إذا ما كان تطبيق شركته مثبتا على جهاز المحمول، وكان ذلك المحمول متصلا سواء بشبكة واي فاي أو غيرها من الشبكات، الأمر الذي سيجنب شركات الاتصالات إنفاق مليارات الدولارات في الاستثمار في مشاريع بنيتها التحتية.

وتعتبر زون بي واحدة من بين الأمثلة العديدة التي تدلل على ظهور ثقافة العمل الحر تلك في مصر.

كما أن التفاؤل الذي أعقب الثورة أسهم في ظهورموجة من المهندسين والمبرمجين الموهوبين في مجال التكنولوجيا، الذين عقدوا العزم على وضع القاهرة على الخريطة كمركز للتكنولوجيا.

وقال أحمد الألفي، المدير التنفيذي لشركة "سواري فينتشرز": "لدينا واحدة من أفضل مجموعات المهندسين والموهوبين في مجال تطوير أجهزة المحمول إلا أنه ينقصنا الجانب العملي والتسويق لما يقومون به."

وتعتبر شركة "إنستاباغ"، التي أنشأها خريجان من جامعة القاهرة في الثانية والعشرين من عمرهما، شركة ناشئة أخرى تقوم على التعاون الشبكي.

ويحتاج مطوروا تلك التطبيقات أن يستقبلوا التعليقات عليها، إلا أن تقارير المشكلات تلك غالبا ما يعتبرها المستخدمون أمرا مزعجا، ولا يقوم أحد في الحقيقة بإرسال رسائل إلكترونية أو ترك تعليق على صفحة الإعلام الاجتماعي الخاصة بتطبيقات تلك الشركات.

وعن طريق سطر كودي واحد وخلال أقل من دقيقة، يمكن للخاصية التي تتيحها شركة إنستاباغ لإرسال تقارير عن مشكلات التطبيقات أن تضاف إلى أي تطبيق من تلك التطبيقات، وهو نموذج لجمع التعليقات يجري تنشيطه بكل بساطة عن طريق هزّ جهاز التليفون المحمول.

وقال معتز سليمان، أحد الشركاء: "أول شيء تقوم به إذا ما أثار غضبك تطبيق ما على جهازك؟ إنك تقوم بهزه كرد فعل تلقائي طبيعي."

ومن ثم، تقوم شركة إنستاباغ تلقائيا بالتقاط صورة للشاشة، وتسجيل معلومة حول جهاز المحمول والملفات المكتوبة التي تظهر لمطوري البرامج حالة التطبيق.

ويمكن للمستخدمين أن يقوموا بالرسم على الشاشة والتعليق، أو إرسالها مباشرة إلى مطور التطبيق، دون الحاجة إلى الخروج خارج التطبيق نفسه.

كما يمكن للمطورين بعد ذلك أن يدخلوا إلى التقرير الكامل عن أخطاء التطبيق من خلال نظام إدارة المحتوى.

وقال داني أرناؤوط، وهو مطور برامج وعضو في الفريق التعليمي بشركة ريفينديرليتش، منصة الخدمات التعليمية لتطوير نظام تشغيل "آي أو اس آبل"، إن تطبيق إنستاباغ سمتاز بقدر كبير من البساطة، ويتميز بحل مشكلة ضخمة في عالم التطوير البرمجي.

وأضاف: "إنه يتيح بالفعل تعاونا كبيرا بين المطورين والمستخدمين. واليوم أصبح إرسال تقارير عن مشكلات البرامج أمرا مسليا."

التعلم معا

بل إن الشركات الناشئة التي تعمل في هذا المجال تذهب إلى ما هو أبعد من حل مشكلات التطبيقات وإيصال الثوار ببعضهم البعض.

وقال مصطفى فرحات، وهو شريك في شركة "نفهم" الناشئة التي تهدف إلى بناء أكبر منصة عربية شبكية للتعليم عبر الفيديو، إن الفجوة التعليمية في البلاد تزداد عاما إثر الآخر.

وأضاف: "لدينا 18 مليون طالب حاليا، فنحن نعاني بالفعل من الزيادة في عدد السكان. وبحلول عام 2017، سنواجه نقصا في 700 ألف مقعد."

وبما أن التعليم الشبكي في الغرب ينمو بصورة سريعة، فإن تلك المنصات ليست متاحة باللغة العربية. وفي الحقيقة، فإن واحدا في المئة فقط من المحتوى الشبكي هو باللغة العربية، ويستفيد منه ما يربو على 300 مليون مستخدم من أهل اللغة.

وتقوم شركة "نفهم" على نموذج تعليمي جديد لتعليم الجماهير، يقوم بدمج الطلبة من خلال تشجيعهم على تسجيل الدروس المصورة بأنفسهم ورفعها على شبكة الانترنت.

وقال فرحات: "لا نريد أن تكون العملية التعليمية معتمدة على اتجاه واحد. فنحن نريد أن يشارك فيها الناس بأنفسهم من خلال نشرهم لمقاطع الفيديو."

وتجري مراجعة تلك المقاطع وربطها بالمنهج التعليمي المصري العام، كما يجري تصنفيها بالمرحلة والموضوع وتاريخ النشر.

ويحصل الطلبة على نقاط نتيجة لمشاركاتهم، كما يتنافسون في كل شهر لربح جوائز تتضمن حواسيب أندرويد لوحية وكاميرات رقمية وكاميرات شبكية، وكل ذلك سيساعد على رفع جودة مقاطع الفيديو التي يقدمونها.

وقال فرحات إن المشروع الذي سيحصل على عائداته من الإعلانات، سيعمل على رفع العبء عن كواهل العائلات المصرية التي تنفق سنويا ما يتراوح بين مليارين إلى ثلاثة مليارات دولارات على الدروس الخصوصية لأبنائها.

وخلال ثلاثة شهور فقط، قام الطلبة برفع ألف مقطع فيديو تعليمي من بين ستة آلاف مقطع على الموقع.

ويبدو أن ذلك العقل الجمعي هو الذي يدفع الشركات الناشئة الثقافية المصرية للعمل والظهور على الساحة.