مصر: ديمقراطية رئاسية بلا رئيس

نحت لمرسي
Image caption تمثال رملي للرئيس المصري المعزول محمد مرسي

قبيل ما يربو على عامين، انتهى عهد الرئيس المصري السابق حسني مبارك بعد أن اجتاحت موجات من الاحتجاجات شوارع القاهرة لتطيح به بعيدا عن سدة الحكم في مصر.

وأصبح ميدان التحرير ما بين عشية وضحاها أيقونة معروفة بين الميادين في العالم شأنه في ذلك شأن ميدان ترافلغار بلندن أو تايمز سكوير في نيويورك، أو ساحة "تيان آن مين" في بكين.

وكان بإمكاننا أن ندرك أن عهد مبارك قد شارف على نهايته بعد أن اختفت قوات الأمن من شوارع المدينة لتتركها للجان الأمنية الشعبية تحميها بكل ما لديها من أسلحة، بدءا من عصي وحتى المسدسات الشخصية.

وكان من الواضح أن حالة الانفلات الأمني تلك لن تستمر كثيرا.

أما ما حدث خلال هذا الأسبوع، وبعد عزل الرئيس المصري محمد مرسي المنتخب ديمقراطيا عن منصبه وألقاء القبض عليه من قبل قيادات الجيش، كان من الممكن ملاحظة هذا التواجد الأمني المكثف لقوات الجيش والشرطة في شوارع القاهرة وحولها.

ديمقراطية بلا رئيس

عند مرورنا إلى جانب إحدى السفارات الأجنبية الواقعة في إحدى ضواحي القاهرة، كان هناك شرطيان يقفان في الشارع خارج مبنى السفارة وهما يتراقصان في بهجة، وهو ما لا يمكنك تخيل حدوثه مع من يحملون بنادق الكلاشينكوف.

ومرة أخرى، وجدت مصر نفسها في حالة أقرب إلى التناقض، حيث إن البلاد تشهد الآن حالة من الديمقراطية الرئاسية التي تفتقد الرئيس.

فالشرطة فرحة بما حدث، حيث إن الرئيس المعزول محمد مرسي جاء من صفوف جماعة الإخوان المسلمين، تلك الحركة الإسلامية التي يبلغ عمرها 85 عاما، والتي كان أفراد قوات الأمن دائما يلقنون أثناء تدريباتهم أنها منظمة تخريبية.

فقد كان أولئك الأفراد من الشرطة يتراقصون ابتهاجا منهم بما قد يرونه نوعا من عودتهم إلى خدمتهم الطبيعية. فبدلا من تلقيهم الأوامر من أعضاء الجماعة، أصبحوا الآن يحتجزونهم.

وراجت أقاويل، جرى التأكد منها فيما بعد، أن مرسي وعددا من مستشاريه قد ألقي القبض عليهم، فضلا عن مصادرة هاتفه المحمول، ولم تعد زوجته قادرة على الإتصال به.

حراس الإرادة الشعبية

Image caption إنضم بعض رجال الشرطة المصرية الى المتظاهرين في ميدان التحرير.

ولم يكن مرسي يتمتع بشعبية أو قبول بين المصريين، كما لم تكن لديه القدرة للسيطرة على المشكلات الصعبة التي تواجهها البلاد من فقر وبطالة.

وعلى الرغم من أن الكثير من المصريين لن يحزنوا على رحيله، إلا أنهم لم يرتاحوا للطريقة التي رحل بها.

أما مؤيدو جنرالات الجيش فينظرون إليهم على أنهم حراس للإرادة الشعبية، يتمتعون بحق فوق دستوري للتدخل في أوقات الأزمات.

كما يقولون إنهم ينفذون الإرادة الشعبية، كما عبرت عنها في الأيام الأخيرة المسيرات التي خرجت فيها جماهير الشعب مناوئةً لمرسي.

بل إنهم قد توصلوا لوحدهم إلى القناعة التي يرون فيها أن تلك الاحتجاجات تفوق إرادة الشعب الذي خرج العام الماضي ليعبر عن رأيه من خلال صناديق الاقتراع.

ويبرز سؤال مهم وخطير للغاية على الساحة السياسية المصرية، وهو ماذا إذا أثمرت الانتخابات المبكرة عن فوز مرشح لجماعة الإخوان المسلمين؟

ليس ذلك بعيد المنال، فعلى الرغم من تضرر جماعة الإخوان من فترة تولي مرسي مقاليد السلطة إلا أنها مازالت القوة الأفضل تنظيما في البلاد. فالطريقة التي عوملوا بها ستعزز مشاعر الغضب إلى جانب الرغبة الجامحة للفوز في إدارة حملاتهم الانتخابية.

فهل يمكن لرئيس إسلامي ثان أن يخطوا خطوات الرئيس الأول على الرغم من إصرار الجنرالات على عدم صلاحيته لحكم البلاد؟

زعيم المستقبل

يعرب أنصار مرسي عن غضبهم حيال الطريقة التي عومل بها (مرسي).

فهم يعتبرون ذلك انقلابا عسكريا صريحا على الرغم من نعومته إلى حد ما.

وهم يعتقدون أن الغرب سعيد بخلع رجل عن السلطة لطالما لم يشعروا معه براحة بطبيعة الحال.

ففي واشنطن ولندن وباريس ربما تراودهم آمال التعامل مع زعيم في المستقبل يتسم بالمرونة من حيث تناول القضايا بالغة الأهمية مثل قضية سوريا.

إن الرسالة التي يبعثها أنصار مرسي بسيطة ومفادها أن الانقلاب العسكري شئ بغيض حتى وإن كان موجها لشخص لا تكن له حبا على نحو خاص.

كما سيعتمد الكثيرون حاليا على سرعة تحرك مصر تجاه انتخابات جديدة وقدر ما ستتمتع به من حرية ونزاهة، فضلا عن قدر احترام الجيش لنتائج تلك الانتخابات.

لدى الجيش المصري مصالح اقتصادية كبيرة تكفل له حمايتها بل وتجعله يمارس السلطة بما يضمن عدم المساس بها.

كما أن الحالة المزاجية في الشوارع هنا قد تتسم بالاضطراب.

ولا أحد ينكر أن حشودا كبيرة هنا احتفلت بقرار عزل الجيش لمرسي من السلطة، على الرغم من أن المرة الاخيرة التي خرجت فيها الحشود أمام جنرالات الجيش في القاهرة كانت تطالبهم بتسليم السلطة لإدارة مدنية.

لا أحد يعتقد على الإطلاق أنه بإمكان بلد كبير كهذا البلد أن ينتقل من الحكم الاستبدادي إلى الديمقراطية بدون مشاكل، غير أن هذا الانتقال المضطرب هو أسوأ مشهد يبرز على الساحة. وفي جميع الاحيان تتفاقم مشكلات الفقر.

كما يصبح الأمر بالغ الاضطراب عندما يجري تناول السياسات في جزء منها في اجتماعات خاصة بين الجنرالات وتناول جزء الآخر في اجتماعات عامة.

المزيد حول هذه القصة