المهاجرون الإثيوبيون وممارسات التعذيب والاغتصاب في اليمن

Image caption خمسة مهاجرين فيما يعرف بـ"معسكر التعذيب" في مدينة حرض اليمنية

على الرغم من أنها لم تتجاوز سن السابعة عشرة، إلا أن إفتا واجهت وحشية منقطعة النظير.

وتمكنت تلك المراهقة الإثيوبية من النجاة من الاستغلال والغش في رحلة بحرية أثناء تهريبها عبر البحر الأحمر.

إلا أنها اختطفت عند وصولها إلى اليمن واقتديت تحت تهديد السلاح إلى منزل مبني من الطين.

وقالت "كانوا يعذبون البنات الأخريات أمام عيني، وكانوا يضربوننا ويغتصبوننا تحت تهديد السلاح، لقد كنت مذعورة."

وتعتبر إفتا واحدة من بين 80 ألف مهاجر إثيوبي ممن يقومون بهذه الرحلة الخطيرة كل عام، أملا منهم في الحصول على عمل في المملكة العربية السعودية، ويتمكنوا من إرسال بعض الأموال إلى عائلاتهم في إثيوبيا.

إلا أنهم يكونون عرضة للاستغلال من قبل العصابات الإجرامية أثناء مرورهم في رحلة يبلغ طولها 500 كيلو متر داخل الأراضي اليمنية نحو الحدود السعودية.

"يغتصبون ويحرقون"

احتجزت إفتا لثلاثة أشهر داخل ما يعرف بـ"مخيمات التعذيب"، وكانت تشعر بالحرج الشديد من أن تطلب من والديها أن يدفعوا لها المال لإطلاق سراحها، لذا فإنها كانت تتعرض للاغتصاب كل يوم.

Image caption هافتون ايكار هاجر من اثيوبيا لليمن متوجها الى السعودية للحصول على عمل إلا أنه وقع في يدي عصابات تجار البشر

وبعد أن أصيبت بالإعياء وتأكد مختطفوها أنه لن يستطيع أحد أن يدفع لها أية فدية، قاموا بإلقائها في الطريق.

والآن، يتم الاعتناء بها داخل مركز للاجئين تديره المنظمة الدولية للهجرة ويقع في مدينة حرض اليمنية الحدودية، إلا أن آلام تلك التجربة القاسية لا تزال تلاحقها.

وقالت إفتا: "يتم اغتصاب النساء وإحراق الرجال، إنهم يكسرون العظام، ويقتلعون العيون، ويقومون بكل ما يخطر على بالك، لقد رأيت ذلك بأم عيني."

وكان غالبية الإثيوبيين الذين قابلناهم قادمين من إقليم التيغراي شمالي إثيوبيا، حيث عبروا الجبال والحدود إلى جيبوتي، ثم دفعوا الأموال إلى المهربين حتى يعبروا بهم البحر الأحمر من مضيق باب المندب.

وكانت تأتيهم أخبار المحن التي تنتظرهم، حيث يتعرض الآلاف للتعذيب والاستغلال الجنسي من قبل تجار البشر.

وإذا ما تمكنوا من الوصول إلى مدينة حرض، فإن العديد منهم يلقون حتفهم وهم يحاولون التسلل عبر الحدود شديدة التحصين إلى داخل الأراضي السعودية.

ولا يستطيع صالح صبري، وهو متعهد دفن الموتى في تلك المنطقة، أن يتذكر عدد من ماتوا من أولئك المتسللين الذين أشرف هو على دفنهم.

وقال: "تلقى البعض منهم طلقات نارية، بينما شنق البعض الآخر، أو تلقى ضربا مبرحا حتى الموت. فكل هؤلاء ماتوا لأسباب غير طبيعية."

داخل "معسكر التعذيب"

ولقرون، كانت مدينة حرض تزدهر من تجارة السلاح وتهريب المخدرات. أما الآن، فإن البضاعة الرائجة تتمثل في تجارة البشر.

من جانبها، قالت جمعية "أطباء بلا حدود" الخيرية إن هناك ما يقرب من 200 معسكر تعذيب في هذه المنطقة لوحدها.

أما نحن، فأصبحنا أول فريق صحفي يتمكن من دخول واحد من تلك المعسكرات، وذلك بعد أن قطع أحد القضاة المحليين لنا وعودا بالخروج الآمن من هناك، ورافقنا أحد الجنود من حراس ذلك القاضي لتأميننا.

Image caption مهاجرون اثيوبيون ينامون في مدينة حرض

وركبنا السيارة التي قطعت بنا الكثبان الرملية للوصول إلى ذلك المنزل المبني من قوالب الطين، والذي يقع على أطراف المدينة.

ومع دخولنا إلى هناك، رأينا خمسة من أولئك المهاجرين يجلسون على الأرض، ويقوم شخصان مسلحان على حراستهم.

وسألناهم ما إذا كانوا قد تعرضوا لأية إساءات، ليجيبنا أحدهم "خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، هددونا بأن سنتعرض للضرب إذا لم تدفع عائلاتنا."

ثم وقعت أنظارنا على إحدى الغرف في نهاية المعسكر، ليخبرنا مرافقنا أن النساء يتم اقتيادهن إليها. وعندما طلبنا الدخول، قال لنا الجندي المرافق أن ما يحدث داخل جدران تلك الغرفة قد يكون أمرا غير مقبول.

ولم يكن مسموحا لنا الطرق على الأبواب المغلقة، إلا أنه كان هناك زوجان من الأحذية عند الباب.

وما لبث أن خرج أحد الرجال يحمل مسدسا، وهو ما جعلنا ندرك أنه ليس إلا صاحب ذلك المعسكر.

وعندما سألناه ما إذا كانت هناك ممارسات للتعذيب داخل المعسكر، نفى ذلك وقال إنه أمر ممنوع في المكان.

وأضاف "لو كنا نحتجز أولئك المهاجرين قسرا، لكنت ستجد العديد منهم هنا. إنهم يأتون إلى هنا برغبتهم."

وعندما سألناه إذا ما كان ذلك المعسكر يضم سيدات محتجزات، أجاب "لا يوجد نساء في هذه المزرعة."

وبعد أن غادرنا ذلك المعسكر، قمنا بزيارة رجل شرطة محلي برتبة كبيرة وأخبرناه بما رأيناه داخل ذلك المعسكر. لنعلم في اليوم التالي أنه جرى إطلاق سراح كل المهاجرين المحتجزين من ذلك المعسكر.

أما المنظمة الدولية للهجرة فتقول إنها تتعامل مع هذه "الأزمة الإنسانية العالمية".

إلا أن اليمن تفتقر إلى الإمكانيات التي من شأنها إيجاد حل لهذه المشكلة. كما أنها تعمل في الوقت نفسه على مجابهة نوعين من التمرد الذين تسببا في تشريد عشرات الآلاف من اليمنيين إلى جانب 200 ألف لاجئ صومالي في الجنوب.

وبين هذا وذاك، تسرح عصابات المختطفين ومرتكبي التعذيب للقيام بأي شيء تريده.

إلا أن العديد من المهاجرين الإثيوبيين يقولون إن الجيش اليمني متواطئ مع تلك العصابات.

وقالت إفتا إن الرجال الذين اختطفوها كانوا يرتدون زيا عسكريا.

وتابعت "كان ذلك هو ما جعلنا ننصاع لأوامرهم، ولم نكن نتخيل أن يعاملونا بتلك القسوة."

وذكرت أن أولئك الجنود اليمنيين كانوا هم أنفسهم من قاموا باغتصابها في "معسكر التعذيب".

وكانت لأسماء، وهي في السادية عشرة من عمرها، رواية مماثلة. حيث كانت قد قاربت على اجتياز الحرس اليمني والعبور إلى الأراضي السعودية.

وقالت "إلا أن الجيش اليمني ألقى القبض علينا في اللحظة الأخيرة، ثم باعونا لمعسكر التعذيب."

وتعرضت أسماء للاغتصاب ثلاث مرات يوميا على مدار شهرين، ولم تخرج إلا بعد أن شعر واحد ممن كانوا قد ألقوا القبض عليها بالشفقة تجاهها.

وهي تقيم حاليا في مركز اللاجئين في مدينة حرض.

وعندما تقدمنا بطلب لإجراء مقابلة مع الحكومة اليمنية لنتحدث فيه عن معاملة المهاجرين، قوبل طلبنا بالرفض.

أما صالح صبري متعهد الدفن فقد تعود على القيام بعمله دون انتظار الدعم من الحكومة.

وقال "لدي 40 جثة داخل المشرحة التي لا تضم سوى ستة أدراج لحفظ الجثامين."

لذا فإنه يتابع غسل الجثث وتحضيرها بالطريقة التقليدية.

وتابع "إنني مسؤول عن هذه المشرحة، لذا علي أن أهتم بأولئك المساكين."

المزيد حول هذه القصة