البحرين تسعى لاستعادة مسارها الاقتصادي

البحرين
Image caption بدأت في البحرين مؤخرا حركة تمرد مماثلة لما حدث في مصر.

يربض مرفأ البحرين المالي، الذي يعد معلما من معالم البلاد، على منطقة شاطئية في العاصمة المنامة، ويطاول السماء بناطحاتيه ويتلألأ في طقسها الحار.

ويعتبر المرفأ المالي انطلاقة تهدف إلى وضع البلاد في صفوف الدول الرئيسية في المنطقة التي تضم قطاعات مصرفية بمليارات الدولارات.

بدأ المشروع في عام 2004 واكتمل بعد خمس سنوات من تدشينه، وهو مشروع أثار جدلا منذ بدايته، إذ بلغت تكلفته 1.5 مليار دولار، على أرض يقال إن الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، رئيس الوزراء، يمتلكها.

ويعد الشيخ خليفة من أقدم رؤساء الوزراء الذين خدموا في هذا المنصب في العالم، إذ إنه تولى مهامه دون انتخاب منذ عام 1971.

وفي مقابل تخصيص الأرض، تحددت حصة رئيس الوزراء من أسهم مشروع المرفأ المالي البحريني بـ50 في المئة من الأسهم، كما أصبح لديه كامل السيطرة على المشروع في عام 2010.

ويلوح في الأفق من بعيد برجا المشروع على نحو يبعث الطمأنينة بأن الاقتصاد البحريني مازال قويا، على الرغم من حالة الاضطراب والاحتجاجات العنيفة التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عامين.

لكن المظهر قد يبدو خادعا، فبين البرجين يوجد مركز للتسوق يضم بين جنباته سوقا صغيرا ومقهى، وهما كل ما يزاول من نشاط في المكان.

كما أن البرجين خاليان في معظمهما، وقال رجل أعمال بارز في المنامة لبي بي سي "هناك سوء تقدير في أسعار الإيجارات كما أنها لا تخضع لتعديلات تتمشى مع الواقع".

ووصف المشروع بأنه مكان "يصدأ فيه الحديد وتتلف فيه البنايات الأسمنتية. إنها فضيحة وطنية".

كان من الممكن ألا يكون المرفأ سيئا، لقد بدأ نشاطه في الوقت الذي حدثت فيه الفقاعة العقارية في منطقة الخليج عام 2008.

تراجع السياحة

وفي فبراير/شباط عام 2011 احتل آلاف المتظاهرين السلميين دوار (ساحة) اللؤلؤة، أحد المعالم البارزة في المنامة، مطالبين بإصلاحات ديمقراطية ونهاية التمييز.

كان جميع المحتجين، من الشيعة نظرا لأن البلد يغلب على سكانه الشيعة الذين يشكون منذ فترة طويلة من معاملة غير عادلة على يد حكام البلد الذين ينتمون إلى الطائفة السنية، عائلة آل خليفة الحاكمة.

واستطاعت قوات الأمن إخلاء الاحتجاجات من دوار اللؤلؤة بالقوة، وخلال الأشهر اللاحقة، سقط ما يربو على 50 قتيلا، بينهم خمسة من رجال الشرطة. كما اعتقلت السلطات مئات الشيعة فضلا عن تسريح الآلاف تعسفيا من وظائفهم، وضرب ثلاثة على الأقل على نحو أفضى إلى موتهم في السجون.

ووسط ادعاءات بأن الشرطة تتصرف بوحشية، إلى جانب ممارسة التعذيب في مراكز الاعتقال، ألغي سباق السيارات الشهير (فورميولا 1) في البحرين لدواع أمنية.

وتأثر قطاع السياحة في البحرين بعد أن كان دوما يتسم بالانتعاش في ظل مجتمع وصف بالانفتاح والتسامح. كما تضررت الشركات الكبيرة والصغيرة بفعل إجراءات تسريح العمالة والاحتجاجات في الشوارع.

وبدأت أجهزة الأمن، في جهود ترمي إلى احتواء الخسائر كان من بينها حظر تنظيم المسيرات الاحتجاجية في المنامة، تستهدف النشطاء السياسيين والمعارضين والزج بهم في السجون مع فرض الأحكام العرفية.

جاء ذلك بالتزامن مع إجراءات للشرطة كان من بينها إطلاق الغاز المسيل للدموع دون تمييز على قرى شيعية.

وعاد سباق (فورميولا 1) عام 2012، لكن قطاع السياحة سجل زيادة متواضعة مع توافد معظم الزائرين من السعودية المجاورة وهي، على نقيض الوضع في البحرين، تتمسك بتطبيق شرائع دينية صارمة تحظر بيع الخمور ولا تسمح بوجود دور عرض سينمائية.

وعلى الرغم من طول فترة التعثر الاقتصادي واستمرار أعمال العنف في القرى إلى جانب الاحتجاجات السلمية، تصر الحكومة البحرينية على تنفيذ سلسلة من الإصلاحات الكبيرة في جهاز الشرطة، لكن النقاد يقولون إن عنف الشرطة لا ينتهي.

كما تعثرت جهود حوار يهدف إلى التوصل إلى تسوية للأزمة، إذ تقول المعارضة إن أسرة آل خليفة الحاكمة لا تعتزم إجراء إصلاحات جادة.

ومع عدم بزوغ أي حل سياسي في الأفق، تتزايد حدة الغضب لدى الشيعة بما يعزز هجماتهم، حيث يجري إغلاق الطرق الرئيسية على نحو شبه يومي وحرق إطارات السيارات.

وعندما تصل الشرطة يبدأ رشقها بزجاجات المولوتوف وضربها بقذائف من بنادق محلية الصنع، وترد الشرطة بإطلاق الغاز المسيل للدموع والطلقات المطاطية والحية.

وبالنسبة للمواطن البحريني العادي والمغتربين في البلاد، تمثل تجربة الانحصار بين مثيري الشغب وقوات الأمن تجربة مروعة.

تضرر الشركات الصغيرة

تنحي الشركات الصغيرة باللائمة على الاضطرابات المستمرة وما ينتج عن ذلك من تراجع حاد. ويقول أحد أصحاب مراكز خدمة إصلاح السيارات إنه خسر من 40 إلى 50 في المئة من دخله خلال العامين الماضيين.

وقال لبي بي سي إن الكثير من الشركات الصغيرة والمتوسطة تعاني من نفس المأزق.

لكن الشركات التي يملكها بحرينيون ليست هي فقط التي تشعر بالمعاناة، فهناك شركات صغيرة عانت من الاشتباكات المستمرة بين الشرطة والمحتجين.

وقالت بيتسي ماثيسون، أمينة عامة اتحاد جمعيات الجاليات في البحرين، إن "الكثير من الشركات الأجنبية تضررت".

وقالت إن هذه هي السمة الخاصة في القرى الشيعية، وأضافت أن "الشركات الآسيوية الضعيفة تواجه تهديدات وتتعرض لاعتداءات" على يد المحتجين الذين يلجؤون إلى العنف".

واستطاعت وزارة الداخلية على مدار عامين تجنيد مسلمين سنة من باكستان ومناطق أخرى للخدمة في صفوف شرطة مكافحة الشغب.

ومن بينهم هؤلاء المجندون المستأجرون ضباط يواجهون تهم ممارسة التعذيب الذي أفضى إلى مقتل معتقلين من المحتجين الشيعة. بينما وجهت اتهامات لآخرين بضرب المحتجين في الشوارع والزنازين.

وأثار ذلك حفيظة الآخرين وجعل الأبرياء من الآسيويين مستهدفين.

وتقول ماثيسون إنها متفائلة "إذا توقفت أعمال العنف، فسينتعش الاقتصاد".

وعلى نقيض ما تقوله المعارضة، تعتقد ماثيسون أن الملك حمد بن عيسى آل خليفة يسعى لإيجاد حلول، وأضافت "لقد اعتذر عما حدث (عام 2011)، إنه جاد بشأن الإصلاحات، لكن الأشياء لا تحدث بين عشية وضحاها".

بعض البشائر

هناك علامات تشير إلى أنه على الرغم من استمرار الاضطرابات، فإن الاقتصاد قد تحسن، إذ سجل إجمالي الناتج المحلي في الربع الأول من عام 2013 زيادة بلغت 2.5 في المئة، وفضل كبير في ذلك يرجع إلى زيادة إنتاج النفط.

وعلى الرغم من اتسام الاقتصاد البحريني بالتنوع، مقارنة بسائر دول الخليج الأخرى، فهي تشابه تلك الدول من حيث الاعتماد بشدة على قطاع الهيدروكربون. ويسهم النفط بربع اقتصاد البلاد البالغ 30 مليار دولار.

كما خفضت شركة" ممتلكات" البحرينية، وهي صندوق سيادي، خسائرها من 717 مليون دولار عام 2011 إلى 482 مليون دولار عام 2012.

وقال روبرت ايني، رئيس اتحاد البنوك في البحرين، لبي بي سي إنه على الرغم من وجود تراجع في بعض القطاعات المصرفية، فإن القطاع بشكل عام قوي.

وقال ايني، وهو أمريكي يعيش في البحرين منذ ثلاثين عاما، إن البنوك في البحرين تعيش حالة جيدة لأن البنك المركزي البحريني يتحلى "باليقظة الكبيرة".

طريق وعر

ومازالت البحرين تواجه رحلة طويلة لتحقيق الانتعاش الاقتصادي الكامل، وتعد شركة "طيران الخليج" خير مثال على وعورة هذه الرحلة.

تعتبر شركة "طيران الخليج" من أقدم شركات الطيران في الشرق الأوسط، لكنها فقدت البساط من تحت أقدامها أمام شركات منافسة في الخليج هي "الاتحاد" و"القطرية". كما جاءت الضربة القاسمة من إغلاق سوقها الإيراني الذي كان يسهم بنحو 30 في المئة من العوائد.

حدث ذلك بسبب اتهام حكام البلاد إيران بالضلوع في مساندة الاضطرابات التي عصفت بالبحرين منذ مطلع عام 2011.

وقال موظف في الشركة، طلب عدم ذكر اسمه، إن شركة الطيران تتكبد حاليا خسائر فادحة بقيمة 583 مليون دولار سنويا.

واستشهد بقرارات الإدارة السيئة والتدخل السياسي كأسباب وراء ضعف شركة "طيران الخليج".

وقال "البحرين عبارة عن جزيرة. ويجب أن تربطنا شركة طيران الخليج بالعالم. وبدلا من ذلك نشهد إغلاق الطرق، ونخسر ما يزيد على 25 في المئة من القوة العاملة، وهذا وضع سييء للغاية".

ومثلها مثل دول الخليج الأخرى، ربما تنتشل عوائد الهيدروكربون البحرين من كبوتها.

وبفضل تكنولوجيات الحفر الجديدة، أعيد تفعيل حقول النفط التي سبق أن أغلقت. كما توجد محادثات بشأن وجود حقل غاز أكبر مقارنة بما في جارتها قطر التي أصبحت بفضل احتياطات الغاز الهائلة لديها من أكبر دول العالم ثراء من حيث الدخل على مستوى الفرد في العالم.

ومازال الاقتصاد المتعثر في البحرين لا ينتظر زيادة عوائد الهيدروكربون، بقدر ما تنتظر الشركات أولا إنهاء الاضطرابات.

المزيد حول هذه القصة