تحديات المشهد الإعلامي في مصر بعد 30 يونيو

Image caption استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق متظاهرين حاولوا اقتحام بوابات مدينة الإنتاج الإعلامي

عبر شاشة قناة "أون تي" الفضائية الخاصة في مصر، تُعزَف الموسيقى التي تنذر بالشؤم في خلفية مقطع للفيديو يصور المخيم الذي يقيمه المعتصمون المؤيدون للرئيس المصري المعزول محمد مرسي في العاصمة المصرية القاهرة.

ولم تلتقط صور ذلك المقطع من داخل مخيم الاعتصام، بل التقطت من أسطح المباني القريبة منه.

وتحدث يوسف الحسيني، وهو أحد مقدمي البرامج التلفزيونية في القناة، واصفا أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الذين نظموا تلك التظاهرة بالـ "الكاذبين" و"المجرمين"، وبأنهم "عصابة من القتلة الذين يجب شنقهم".

وعندما تنتقل إلى قناة أخرى، وهي قناة أوربيت، نجد عمرو أديب وهو أحد المذيعين المشهورين في تقديم البرامج يهاجم الإخوان المسلمين أيضا، واصفا أتباعها بـ "الخرفان"، وبأنها "تدفع لهم الأموال ويقدم لهم الطعام للبقاء في الشارع".

وبعد الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي، عكس الخطاب الإعلامي في مصر حالة الانقسام السياسي الشديد التي تشهدها البلاد بل وأسهم في تأجيج مشاعر الكراهية بحسب رؤية البعض.

ومن قسم الاستماع لوسائل الإعلام في مكتب بي بي سي في القاهرة، كانت إنجي غنام تتابع نشرات الأخبار اليومية والبرامج الحوارية منذ خروج المظاهرات الحاشدة التي أفضت إلى عزل القوات المسلحة لمرسي من منصبه الشهر الماضي.

وقالت غنام: "سرعان ما تحولت وسائل الإعلام الرسمية والخاصة بشكل جوهري نحو دعم الجيش، ليبرز ذلك في رد فعلها في دعم بيان المجلس العسكري الذي جرت إذاعته والابتهاج به، إلى جانب تبنيها نبرة وطنية عالية."

وتابعت: "بل حتى إن بعض وسائل الإعلام تلك كانت تبث شعارا مكتوبا فيه: "مع الجيش ضد الإرهاب!". ولم أر أو أسمع أيا من الأصوات المؤيدة لجماعة الإخوان المسلمين على أي من تلك القنوات منذ الثالث من يوليو/تموز."

"مشهد فوضوي"

وفي أعقاب التدخل العسكري، سرعان ما أُغلقت عدة قنوات دينية واحتجز صحفيوها بشكل مؤقت، إلا أن ذلك لم يسكت تلك القنوات بشكل كامل.

وفي هذا السياق، جرى تجهيز مركز إعلامي بالقرب من مسجد رابعة العدوية والاعتصام الذي يقيمه أنصار مرسي، فيما يكتب صحفيو قناة الإخوان المسلمين "مصر 25" الأخبار لقناتهم التي أطلقت من جديد تحت اسم "أحرار 25"

ولم يعلق شريف منصور مذيع تلك القناة على كيفية تمكنها من البث، إلا أنه أكد على أن المراسلين مصممون على توصيل رؤيتهم للأحداث.

وقال منصور: "عدنا مرة أخرى بموارد محدودة. حيث كان فريقنا مصمما على الاستمرار حتى وإن اضطررنا للنوم لساعات قليلة. وكنا نتوجه من المظاهرات مباشرة للظهور على الهواء دون أن نقوم بتحضير ملابسنا."

وتابع قائلا: "لدينا إصرار كبير على تغطية الحقائق ليس لمصر فحسب، بل للمنطقة العربية والعالم كله، حتى يعلم الجميع أن ما يحدث هنا هي ثورة سلمية بحق."

ومع انخفاض درجات الحرارة في المساء، يتوجه الشباب المصري للجلوس على المقاهي المنتشرة في الشارع متناولين بعض المشروبات المثلجة، وبالطبع فإنهم يناقشون الأحداث الأخيرة التي تمر بها البلاد.

وقد أخبرني العديد منهم بأنهم مصابون بخيبة أمل من الإعلام المحلي.

وقالت لينا: "أعتقد أنه من الصعب جدا النظر إلى ما يحدث بطريقة متوازنة، فهم يقدمون وجهات نظر مختلفة. وذلك ما يجعلني أثق في روايات أصدقائي بشكل أكبر، ويجعلني ألجأ إليهم كنوع من نظام تنقية للأخبار."

وأضافت صديقتها: "تناقض القنوات بعضها البعض، بل إنها تبدو وكأنها تعرض رأيها بدلا من تقديم الأخبار، وهو ما يجعلك لا تستطيع الوثوق بها."

وفي بعض الأحيان، يتحول انعدام الثقة ذلك إلى عنف.

ففي الأسبوع الماضي، استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريق جموع المتظاهرين من الإسلاميين الغاضبين الذين حاولوا اقتحام بوابات مدينة الإنتاج الإعلامي في السادس من أكتوبر التي تبث منها معظم القنوات الخاصة.

وخلال الأيام الأخيرة لمرسي، حاولت حكومته إغلاق عدد من القنوات التي تتبنى الاتجاه المناهض لجماعة الإخوان المسلمين التي كان الرئيس المعزول يتهم بالانحياز لها، بما فيها قناة النهار.

وقال عمرو الكحكي، رئيس شبكة قنوات النهار: "لقد نما هذا النوع من الاستقطاب نتيجة للاستقطاب الذي تشهده الساحة السياسية."

وتابع الكحكي قائلا: "لا أعلم طبيعة السياسات التحريرية للقنوات الأخرى، إلا أننا كنا على اتصال مع الإسلاميين في محاولة لتغطية مظاهراتهم، وفي كل مرة نرسل فيها طاقم تصويرنا إلى هناك، يتم التعدي عليه."

وقال: "كانوا يظهرون عبر الهاتف وعلى الشاشات في الاستديو حتى ما بعد الرابع من يوليو/تموز، بعد عزل مرسي إلا أنهم اتخذوا موقفا بعد ذلك بعدم الحديث إلينا.

ويقول الكحكي، الذي عمل في السابق لدى هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي وقناة الجزيرة الإنجليزية، إن مصر بحاجة إلى تدريب إعلامي أكثر حرفية وقانون مستقل لبث الأخبار.

وعلق قائلا: "إن هذا المشهد الفوضوي لا يساعد أحدا."

أما الآن، فإن الأوضاع هادئة في محيط مدينة الإنتاج الإعلامي، إلا أن هناك إجراءات أمنية متخذة في هذه الأوقات التي يشوبها التوتر حيث نصب سياج من الأسلاك الشائكة حول مدخل المدينة، بينما يقف جندي إلى جانب إحدى عربات نقل الجنود على الجهة المقابلة، ويجري التحقق من هويات الداخلين بشكل دقيق عند البوابة.

ويبدو أن الإعلام سيبقى لفترة في الخط الأول من الصراع السياسي في مصر.

المزيد حول هذه القصة