كيف تأثرت بعثات الأمم المتحدة جراء هجوم بغداد

Image caption الهجوم الشديد في بغداد 2003 أذهل الأمم المتحدة

تعرض مقر الأمم المتحدة في بغداد لهجوم مباغت قبل عشر سنوات، اعتبر نقطة تحول في تاريخ المنظمة.

وحدا هذا الهجوم بكافة وكالات الإغاثة الإنسانية لتغيير طريقة عملها في أرجاء العالم.

في ذلك المساء، كان المئات من عمال الإغاثة داخل مكاتب الأمم المتحدة الكائنة في فندق القناة. ومن بينهم ديفيد نابارو الذي كان يعمل في ذلك الوقت لصالح منظمة الصحة العالمية.

يتذكر نابارو "كنت مع زملائي ضمن تدريب لوضع أسس مستقبل الخدمة الصحية في العراق. كان الموضوع في مراحله الأولى ولكن كنا متحمسين جدا."

Image caption سيرجيو فييرا دي ميللو عمل في الأمم المتحدة لمدة 34 عاما

ويردف "كان لدينا اجتماع مع (رئيس بعثة الأمم المتحدة) سيرجيو فييرا دي ميللو، وكنا ننتظر في الطابق السفلي للقائه. وفجأة انقلب كل شيء رأسا على عقب. سمعنا ضوضاء غير عادية وشعرنا باهتزاز ثم انهار السقف الذي كان فوقنا وانطفأت الأنوار. ثم خيم الصمت على المكان".

"لن تعود الأمور لسابق عهدها"

وقتل في ذلك التفجير اثنان وعشرون شخصا معظمهم من عمال الإغاثة الذين ذهبوا لبغداد للمساعدة في إعادة إعمار العراق بعيد الإطاحة بصدام حسين.

وكان السيد فييرا دي ميللو من بين القتلى، وكان الرجل يحظى بالتوقير لما قضاه من عمره في خدمة العمل الإنساني كما أن زملاءه يكنون له قدرا كبيرا من المحبة.

ولدى تسلمه مهام عمله، واجه دي ميللو بصراحة احتمالات وجود حالة من الامتعاض في العراق إزاء وجود الأمم المتحدة بسبب التدخل العسكري الأمريكي، حيث قال إن تم اجتياح البرازيل (وطنه) فلسوف تنتابه مشاعر الغضب أيضا.

وبعد التفجير، أشارت أصابع الاتهام إلى متمردين إسلاميين يقودهم ابو مصعب الزرقاوي، وهو متشدد قتل في غارة أمريكية في وقت لاحق.

وتوقع نابارو على الفور أن تأثيرا هائلا سيطرأ على عمل الأمم المتحدة.

ويوضح "إن أول ما فعلته بعد التفجير الذي أوقعني أرضا كان النهوض والتحقق من أني ومن كانوا معي في الغرفة على قيد الحياة، ساد شعور بأن الأمور لن تعود كسابق عهدها".

Image caption قافلة للصليب الأحمر الدولي في أفغانستان

وبعد يوم واحد فقط من التفجير تعهد الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كوفي أنان بمواصلة العمل في العراق وأشاد بما قدمه دي ميللو وفريقه وأضاف "إن أقل ما ندين به إليهم هو أن نطمئنهم بأن موتهم لن يذهب سدى".

ولكن، وإثر تفجير آخر وقع بعد عدة أسابيع، سحبت الأمم المتحدة بعثتها من العراق نهائيا ولم تعد لبضع سنوات.

ويعتقد البعض، مثل كريغ مخيبر رئيس المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، أن المثل العليا على الأرجح قتلت في فندق القناة جنبا إلى جنب بعض زملائه.

ويوضح "أمضيت عامين في قطاع غزة وكنت أتحرك بحرية، وقد استمتعت بالعمل هناك. كانت حمايتي تتمثل في احتضان المجتمع الذي يستقبل الأمم المتحدة بكل ترحاب".

واستطرد "كنا نظن أن العلم الأزرق يحمينا. كما تحمينا سمعة الأمم المتحدة كمنظمة محايدة تقدم المساعدات الإنسانية، والتعاون والتنمية ولكني أعتقد أن بغداد غيرت تفكيرنا في ذلك اليوم".

استهداف المساعدات

بدت محاولة فهم السبب وراء تعمد استهداف الأمم المتحدة في بغداد سهلا في أول الأمر.

كان العراق قد تعرض لعقوبات الأمم المتحدة بموافقة مجلس الأمن لعدة سنوات. وقد ترتب على هذه العقوبات عجز في بعض السلع الأساسية ما أدى إلى استياء عام بين السكان.

Image caption الصليب الأمر يقدم مساعداته لضحايا الحرب في سوريا

وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة أدانت الغزو الذي تم بقيادة الولايات المتحدة معتبرة إياه إجراء غير قانوني إلا أن وصول مئات من موظفي الأمم المتحدة بعد أسبوع فقط من وصول القوات الأمريكية أظهر الجانبين وكأنهما يعملان معا.

ويعلم الكثير من العراقيين ما يجري في أفغانستان، حيث اعتادت الولايات المتحدة توزيع المساعدات بينما كانت في ذات الوقت تلقي القبض على من تشتبه في انتمائه لحركة طالبان.

وكانت وكالات إغاثة، مثل أطباء بلا حدود، التي عملت هي الأخرى في أفغانستان، قد احتجت على "تقاطع الخطوط" بين العمل الإنساني والعسكري. وقد غضبت تلك الوكالات جراء تصريح صحفي لوزير الخارجية الأمريكي آنذاك كولن باول والذي أشار فيه إلى أن "وكالات الإغاثة الإنسانية جزء هام من فريقنا القتالي".

وفي العراق، لم تكن الأمم المتحدة وحدها المستهدفة.

فبعد شهرين فقط من تفجير فندق القناة، تعرضت مكاتب اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تحظى باحترام في كافة أرجاء العالم للاستهداف أيضا.

ويعتبر بيير كراهنبول مدير عمليات اللجنة الدولية للصليب الأحمر هذا المشهد نقطة تحول كبرى.

وقال "تلقيت مكالمة هاتفية مباشرة من فريق عملنا في بغداد بتعرض مقرنا لهجوم بسيارة مفخخة. كان من الواضح أننا نتعامل مع نقلة كبيرة فيما يتعلق بالأمن".

وفي الأعوام اللاحقة، تعرض عمال اللجنة الدولية للصليب الأحمر لهجمات في باكستان وأفغانستان، وهو ما أثار محورا آخر يستدعي القلق وهو الهجمات على عمال الصحة.

يقول السيد كراهنبول "كنا نعتقد أن الأطباء أبعد ما يكونون عن هذه التهديدات وأن المستشفيات ستحظى بالاحترام. ولكن ما حدث العكس تماما وقد جرت وقائع في اليمن وسوريا، لم تكن ناجمة عن الوقوع في مرمى النيران المتبادلة. لقد كانت تمثل استهدافا متعمدا لمنشآت الرعاية الصحية".

تعزيز إجراءات الأمن

أدى استهداف عمال الإغاثة إلى زيادة كبيرة في أعباء تأمين المنظمات الإنسانية. وعمدت العديد من الوكالات إلى تعيين حراس مسلحين. ولكن هذا الاتجاه نادرا ما لجأت إليه اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

لم يعد بمقدور عمال الإغاثة التنقل وحدهم، حيث طلبت شركات التأمين أن تتألف القوافل من ثلاث مركبات على الأقل يفضل أن تكون مصفحة قبل أن توافق على التأمين لعمال الإغاثة في تلك المناطق التي توصف بأنها بيئة معادية.

وكبدت كل تلك الإجراءات وكالات الإغاثة أعباء إضافية كانت في الماضي توجه مباشرة نحو الأعمال الإنسانية. وقد أدت هذه الإجراءات أيضا إلى إذابة الفوارق بين العاملين في المجالين العسكري والإنساني، حسبما قال رئيس المفوضية السامية لشؤون اللاجئين اكبر منمينشيوغلو.

ويضيف "لقد اعتدنا على أن تكون الفروق واضحة بين العمل الأمني والإنساني".

وأضاف "لا وجود لهذه الفروق الآن. لقد أصبحت باهتة جدا، فلدى الجانبين الآن مركبات مدرعة وأجهزة لاسلكي وسترات واقية من الرصاص وخوذات. البعض ينظر إلى ذلك باعتباره عسكرة للمساعدات الإنسانية وهذه مشكلة كبيرة."

ويرى منمينشيوغلو، الذي عمل في أصعب بيئات العالم مثل أفغانستان والسودان أن العنصر الأهم في العمل الإنساني مفقود حاليا.

وأردف "علينا أن نعمل مع متلقي المساعدات، مع الناس. علينا أن نتمكن من أن نمشي بينهم ومشاهدة أوضاعهم. لا يمكننا التعرف على كل هذه التفاصيل مالم تتمكن من المشي بين الناس والملاحظة والحديث لهم والإصغاء إليهم. ولم يعد باستطاعتنا فعل هذا "

التركيز على المحلية

بعض عمال الإغاثة، مثل نابارو، يعتقدون بأن العودة إلى الأيام الخوالي ضرب من ضروب المستحيل. وهو يعتقد أن نهاية الحرب الباردة وانتشار الصراعات الصغيرة التي تتقاتل فيها الكثير من الجماعات غير التابعة للدولة أدت إلى تعرض المنظمات الإنسانية والدولية لمخاطر أكبر.

ولكنه في ذات الوقت يعتقد أن بعض التغيرات المصاحبة لهذا كانت إيجابية.

يقول نابارو "كان لي الشرف في أن أتمكن من الذهاب لمناطق الحرب وأن يسمح لي بالمرور ولقاء الناس وسماعهم ومحاولة تقديم العون لهم".

ولكنه أضاف بأن زيادة الدعم المقدم لعمال الإغاثة في حالات الصراع يمثل إضافة جيدة.

ويضيف:"تسعى الأمم المتحدة لتعزيز قدرات موظفيها من مواطني الدول، حيث أنهم الأفضل لخدمة بني أوطانهم. إن هذا هو الاتجاه الذي رأيته على مدار السنوات العشر الماضية وأعتقد أنه فكرة جيدة".

ويستدرك "لكن علينا أن ندرك أنه لا أحد يمكن اعتباره محايدا في ظل موجات الأعمال العدائية الحالية. إنني أشعر شخصيا بالأسف لأن الفرصة الذهبية التي كانت متوافرة في الماضي لم تعد متاحة الآن. أعتقد أن بعض المناهج الجديدة أفضل على المدى الطويل".

المزيد حول هذه القصة