حديقة غيزي: رمز حركة معارضة جديدة في تركيا

Image caption لا توجد حاليا خيام ولا بطاطين أو لافتات ومنشورات في غيزي

في عصر يوم مشمس من أغسطس / آب، تفيأت ظلال الأشجار وأنا أتابع العمال يعتنون بالأزهار حول النافورة المركزية في حديقة غيزي التركية.

واستلقى كلب هارب من حرارة إسطنبول بخمول فوق العشب، بينما كان يتجول بالمنطقة رجال ونساء، بعضهم اصطحب معه الأطفال.

هذه صورة بعيدة كل البعد عما كانت عليه حديقة غيزي في أوائل يونيو/حزيران الماضي، حين احتلها محتجين مناهضين للحكومة.

الآن لا توجد خيام ولا بطاطين أو لافتات ومنشورات.

ولا أثر أيضا لقنابل الغاز التي كانت الشرطة تلقيها حتى تجبر المتظاهرين على الخروج خلال الاشتباكات التي دارت رحاها حول الحديقة.

تبدو الحديقة بديعة.

ها هي ثمار البرتقال بدأت في البزوغ من أغصان أشجار غرست حديثا لتحف بصورة منظمة الحديقة التي كانت حتى وقت قريب منسية لا تحظى بالعناية الكافية.

وبالرغم من عمليات التنظيف، ما تزال بعض آثار الاضطرابات باقية.

هذا غرافيتي مطبوع على الجدار كتب عليه باللون الأحمر "رشوا علينا"، وتحت العبارة رسم قناع غاز، وإلى جانبه كتب أيضا "شهداء الثورة خالدون".

"قد يبدو هذا المتنزه بديعا بالنسبة للبعض"، هذا ما قالته هازال، البالغة من العمر ثلاثين عاما والتي تدرس للحصول على الدكتوراه من واحدة من أعرق جامعات إسطنبول. لكن استدركت: "أما بالنسبة لي فلم أعد أعتبره متنزهي".

وأشارت هازال إلى المكان الذي اعتادت أن تقف فيه حينما أمضت أكثر من أسبوعين معتصمة فيه ليلا ونهارا.

وقالت: "لم يكن هناك دولة ولا حكومة ولا شرطة. كانت هذه أروع تجربة في حياتي".

كنا نجلس على سور عند مدخل الحديقة، وإلى جوارنا جلس رجلان في منتصف العمر التفتا إلينا فور استخراجي معدات التسجيل.

هازال متأكدة من أنهما رجلا شرطة يرتديان ملابس مدنية.

وقالت إنها "لم يحاولا حتى إخفاء هويتيهما...إنهما يريدان إزعاجنا".

المثليون

Image caption غرافيتي مطبوع على الجدار كتب عليه باللون الأحمر "رشوا علينا"،

ومع هذا، يبدو أن مظاهر الحياة الطبيعية عادت كما كانت. المثليون في إسطنبول قاب قوسين أو أدنى. ولذلك لم أفاجأ كثيرا حينما أخذ شاب يرتدي قميصا ضيقا يحدّق في وجهي على نحو متواصل. بل وبعدما مرّ من أمامي التفت مجددا موجها نظراته إلي.

قد يكون أيضا من عناصر الشرطة، بحسب ما ذكرته هازال، فهناك الكثير من رجال الشرطة يحومون في المنطقة. ولكن من الأسرار المعروفة في إسطنبول أن حديقة غيزي مكان التلاقي المفضل للرجال المثليين، وعلى الأخص بعد أن يسدل الليل أستاره.

ويقول فولكان، الذي شارك في احتجاجات غيزي "أنا مثليّ، وهذا المكان هو الذي أفضل أن ألتقي فيه بالناس. ساعدتني هذه الحديقة في أن أعبر عن ذاتي. لقد ساهمت شبكة الإنترنت بالطبع في إتاحة هذا مؤخرا. ولكني ما زلت في حاجة إلى هذه الحديقة".

وتابع "إنها مساحة عامة.. لا بد وأن تظل ملكا للشعب".

وإلى جانب كون فولكان مثليا فهو أيضا اشتراكي التوجه. إنه يحمل صفتان لا تتسقان مع توجه الحكومة التركية الحالية التي يرأسها رجب طيب أردوغان.

كان أحد وزراء الحكومة قد وصف المثلية الجنسية بالكارثة. ويمضي حزب العدالة والتنمية الحاكم بقوة على طريق تنفيذ برنامج خصخصة يعتمد على بيع الأصول المملوكة للقطاع العام للقطاع الخاص.

وكانت غيزي محورا لواحد من المشروعات ذات الريادة في هذا المضمار. ولكنها الآن مثار نزاع قضائي في المحاكم التي ستقرر ما إذا كانت ستبقى حديقة أم أن أرضها يمكن أن تستغل لإنشاء مشاريع تنموية. ولربما تمسي مركزا للتسوق، كما اقترحت الحكومة في بداية الأزمة.

الاحتجاجات

وشهدت غيزي الشرارة الأولى للاحتجاجات، التي بدأها متظاهرون من المهندسين المدنيين ودعاة الحفاظ على البيئة بغية حماية أشجار الحديقة. ولكن سرعان ما جذبت الاحتجاجات مجموعة متنوعة من المحتجين الذين لم يعودوا مفتونين بالحكومة الإسلامية المحافظة أو سياساتها الداعمة للسوق الحر، أو كلا الأمرين معا.

يقول فولكان: "كان الأمر بمثابة تغيير لقواعد اللعبة بالنسبة لنا كمثليين. ففي الأيام التي تلت فض الشرطة اعتصام المحتجين نظمنا المسيرة السنوية لمثليي الجنس في إسطنبول. ولأول مرة تلقى المسيرة ترحيبا من ذلك العدد الكبير من حشود الداعمين والمهنئين".

ويبدو أن محتجي غيزي تمكنوا إعادة النظر في الكثير من الأحكام المسبقة التي كانوا يصدرونها على بعضهم. فباتحادهم ضد عدو مشترك، تمكنوا من تشكيل تحالف غير مألوف.

التقيت احسان الياجيك، وهو الزعيم الروحي للمسلمين المناهضين للرأسمالية، وهي تمثل مجموعة بارزة أخرى من المجموعات المؤلفة لاحتجاجات غيزي. وكان اللقاء في حي الفاتح معقل المتدينين في المدينة، وهو حي يؤيد غالبية سكانه الحكومة.

ولكن الياجيك وأتباعه وجهوا نقدا لاذعا لأردوغان وحكومته. وفي الحقيقة فإن رئيس الوزراء يقاضي عالم الدين بسبب تدوينة كتب فيها ما اعتبره أردوغان إهانة شخصية على تويتر.

ولا يبدي الياجيك اندهاشا من هذا السلوك ويقول: "أنت تنتقد القادة، هذا هو الطبيعي. ربما تكون عباراتي قاسية ولكني أعتقد أن الحكومة تبيع البلاد ليثرى بعض الناس. إنها لا تمثل الروح الحقيقية للإسلام".

ولكن ما هي الروح الحقيقية للإسلام؟ وجهت له السؤال. فأجاب من فوره "العدالة الاجتماعية أن تتخذ جانب الفقراء والمستضعفين".

سألته إن كان من بين المستضعفين مثليو الجنس أيضا فقال: "ليس من حقي أن أحكم على اختيارات الناس الشخصية. حينما كنا نصلي الجمعة في حديقة غيزي تحت المطر كان مثليو الجنس يحملون لنا المظلات لوقايتننا من المياه".

وحفاظا على "روح غيزي"، بحسب الياجيك، فقد بدأت منظمة المسلمين المناهضين للرأسمالية في توزيع وجبات الإفطار المجانية طوال شهر رمضان الماضي.

وربما تكون "روح غيزي" علامة على اقتراب نهاية الصلاحية للمواقف القديمة.

معارضة الحكومة

ليس بهذه السرعة، بحسب الصحفي والشاعر والروائي الماركسي روني مارغوليس، الذي شارك في احتجاجات غيزي.

ويقول "أنا متأكد من أن هناك الكثير من المسلمين الذين يعتبرون أولئك الناس مثيري شغب". وهو يعتقد أن هذا الاعتقاد ساد بسبب تنوع المتظاهرين واختلاف خلفياتهم الثقافية.

ويوضح: "حدث هذا بسبب مشاركة عدد كبير من الحركات. كانت هناك أجواء ملموسة من التضامن والتعاضد في الحديقة. الجميع كان يناضل ضد الشرطة يدا بيد".

ويعتبر كثيرون أن كسر قبضة حكومة حزب العدالة والتنمية مهمة صعبة بكل الحسابات. فرجب طيب أردوغان ما يزال السياسي الأكثر شعبية في البلاد حيث فاز بثلاث انتصارات انتخابية.

وفي الجولة الأخيرة من الانتخابات حصل على ما يقرب من خمسين بالمائة من أصوات الناخبين. واتهمه معارضوه بأنه موال جدا رجال الأعمال. ولكن في المقابل فإن الناتج المحلي الإجمالي لتركيا تضاعف ثلاث مرات في عهده.

أما المعارضة العلمانية في البرلمان فهي ضعيفة ومنقسمة.

ولكن، هل يمكن أن تشكل حديقة غيزي في المستقبل قوة سياسية أكثر انسجاما وذات مصداقية بالشكل الذي يمكنها من تحدي أردوغان؟

لا أحد يمكن التأكيد على هذا.

لكن لا زالت الاحتجاجات تمثل خطوة هامة بالنسبة لمارغوليس.

"تم كسر حاجز الخوف. لم يعد الشعب يشعر بالخوف من رذاذ الفلفل وخراطيم المياه بعد الآن. الحياة ستكون أصعب قليلا على الحكومة من الآن فصاعدا. إنني واثق من هذا".

هل هذا انتصار؟ ربما لا يكون انتصارا كاملا. ولكن المسيرات واللقاءات في الشوارع بدأت تظهر في كافة أرجاء إسطنبول، ويعتقد المتظاهرون أن صوتهم الآن مسموع بعد فترة هدوء طويلة.

المزيد حول هذه القصة