الأزمة السورية:أمريكا وفرنسا يداويان جراح حرب العراق

Image caption تمسك أوباما وهولاند بخيار استخدام القوة ضد سوريا

تقترب كل يوم إمكانية قيادة الولايات المتحدة و فرنسا لعمل عسكري ضد سوريا، وهو إذا ما حدث سيشكل تحولا آخر في علاقة طويلة ومعقدة بين البلدين.

كان باراك أوباما وفرانسوا هولاند الزعيمين الوحيدين في اجتماع قمة مجموعة العشرين في موسكو اللذين عبرا عن تمسكهما باستخدام القوة ضد سوريا.

وقد صنعا تحالفا غير متوقع بشأن الرغبة في توجيه ضربة عسكرية لسوريا، وذلك مقارنة بالخلاف الشهير بينهما بشأن توجيه ضربة للعراق منذ عشر سنوات، عندما أصبحت قوائم الطعام الأمريكية لا تضم البطاطا المقلية لأنها تحمل اسم "فرينش فرايز" - التي تشير فيها كلمة "فرينش" إلى فرنسا- وكذلك جاء النبيذ الفرنسي في ذيل قائمة المبيعات في أمريكا في ذلك الوقت.

لكن يوجد تناظر بين موقف الرئيسين وحظوظهما المشتركة حاليا وما حدث سابقا، فلولا فرنسا لربما كان جورج واشنطن مجرد اسم اليوم يعرفه طلاب التاريخ المتحمسون فقط.

ففي عام 1778، عقدت أمة وليدة تدعى الولايات المتحدة الأمريكية أول تحالف خارجي لها، وهو ما اعتبره العديد من الخبراء نقطة تحول قي مسار حربها من أجل الاستقلال مع بريطانيا.

وقد وقع المعاهدة في باريس بنيامين فرانكلين المعروف بولعه بفرنسا، وهو ما كان بمثابة اعتراف من فرنسا بالولايات المتحدة الأمريكية كدولة ذات سيادة والتزام بالدفاع عنها كحليف جديد. وقد أدى ذلك عمليا إلى إدخال فرنسا كطرف في الحرب ضد عدوها التقليدي بريطانيا.

وقال غريغوري أوروين، أستاذ التاريخ بجامعة تمبل في فلادلفيا: "كان هذا أول تحالف رسمي للولايات المتحدة، وكانت هذه معاهدة للتحالف وللصداقة أيضا، وهي التي ربما صنعت الفرق بين النصر والهزيمة."

وأضاف: "كان الفرنسيون يقدمون بالفعل مساعدات خفية للأمريكيين، بالإضافة إلى شحن الأسلحة والذخائر عن طريق شركات تتخذ واجهة تجارية، لكن بمجرد دخول الحرب، غيرت فرنسا آلية عملها تماما لأن بريطانيا لم تعد قادرة على الاعتماد على سيطرتها البحرية."

ويدرس كل أمريكي ذلك الانتصار الشهير في مدينة يورك تاون وبطولات ذلك الرجل الفرنسي الشجاع الماركيز دي لافاييت، وهو الشاب المثالي الذي التحق بالأمريكان حتى قبل أن تشارك بلاده في هذه الحرب.

لكن هناك فرنسيا آخر، وهو الكونت روشامبو، الذي يعد بطلا فرنسيا حقيقيا، كما يقول أوروين، والذي كان يشغل منصب قائد القوات الفرنسية الذي كان له التأثير الحاسم في تحقيق النصر لصالح واشنطن في يورك تاون.

لكن الصداقة بين البلدين لم تدم طويلا، حيث توقعت فرنسا مساعدة الأمريكان لها في حروبها التي تلت الثورة الفرنسية، لكن واشنطن كانت ترفض أن تنجر في صراع أوروبي في تلك الفترة واختارت الحياد، وقد تجاهلت شروط المعاهدة بشكل أدى إلى وجود ما يشبه الحرب بين البلدين.

Image caption كان تمثال الحرية هدية من "الشعب الفرنسي" عام 1886

لكن أساطير لافاييت حفظت على حجر أثري في عام 1824 عندما تم تغيير اسم الحديقة المجاورة للبيت الأبيض من الجهة الشمالية إلى ميدان لافاييت، وذلك في مدينة صممها معماري فرنسي آخر هو بيير لوينفان.

كما خُلدت ذكرى لافاييت مرة أخرى خلال الحرب العالمية الأولى، حينما سارت القوات الأمريكية في عرض عسكري في شوارع باريس في عيد الاستقلال الأمريكي عام 1917 وتوقفت عند قبره، حيث دفن وفقا لرغبته في تربة جلبت من الولايات المتحدة. وكانت صيحة "لافاييت! نحن هنا" في باريس ترمز إلى تسديد دولة لدين عليها بعد 140 عاما.

وبعد ذلك، أصبح تمثال الحرية وبشكل سريع أحد معالم مدينة نيويورك الأكثر مشاهدة هناك، وكان ذلك التمثال هدية من "الشعب الفرنسي" عام 1886 والتي كانت تعبر عن القيم المشتركة بين البلدين.

وقدمت الحرب العالمية الثانية في القرن العشرين فرصة أخرى للجنود الأمريكيين للترحيب بهم على الأراضي الفرنسية، ففي منطقة نورماندي الفرنسية لا تزال الأعلام الأمريكية ترى وهي ترفرف أعلى المنازل في الذكرى السنوية ليوم المعركة.

لكن هناك اعتقاد دائم بين بعض الأمريكيين بأن الفرنسيين كانوا على استعداد أن يستسلموا دون قتال، وهو الشعور الذي دخل الثقافة الشعبية الأمريكية في حلقات مسلسل عائلة سمبسون ‏عام 1995 والذي جسد الفرنسيين في صورة "قرود مستسلمة تأكل الجبن".

كما شاعت العبارة أكثر من ذلك عشية حرب العراق، حينما رفضت فرنسا دعم غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة، مما أثار رد فعل غاضب تجاه كل ما هو فرنسي في الولايات المتحدة.

وجاء الموقف الأكثر تميزا في التعبير عن ذلك عندما غير مطعم في نورث كارولينا قائمة المأكولات لديه، وذلك قبل أن يغلق أبوابه مؤخرا، ليحذف منها البطاطا المقلية التي تحمل اسم "فرينش فرايز" ويضع مكانها اسم "فريدوم فرايز" التي تعني بطاطا الحرية. وسار آخرون على نفس النهج، ومن بينهم المطعم الموجود في مجلس النواب الأمريكي.

كما أصبحت الطائرات الرئاسية من تقدم بطاطا "الحرية" بدلا من البطاطا المقلية التي تحمل كلمة فرينش أيضا.

لكن سرعان ما عاد الاسم التقليدي للبطاطا المقلية مجددا لقوائم الطعام، بعد أن شعر العديد من الأمريكيين بالحرج لما خلفه ذلك من عناوين في الصحف في جميع أنحاء العالم.

ويقول الكاتب الأمريكي ستيف سميث: "كان موضوع العراق مثيرا للسخرية فيما يمكن اعتباره استجابة منطقية من قبل الحكومة الفرنسية والشعب الفرنسي."

وقد انخفضت السياحة الأمريكية إلى فرنسا إما بسبب غضب الأمريكيين من الفرنسيين أو شعورهم بالحرج من الموقف الفرنسي، حتى أن بعض الأمريكيين الذين زاروا فرنسا تظاهروا بأنهم كنديون.

وأضاف سميث: "كان هناك تراجع كبير في قطاع الأعمال، وانخفض عدد الجولات السياحية إلى فرنسا وتراجعت كذلك مبيعات كتب الإرشاد السياحي المعروضة، رغم أن سوق السياحة تعافى بعد ذلك في السنوات اللاحقة."

وقال سميث إنه يعتقد أن الأمريكيين يحبون فرنسا، لكنهم لا يفهمون الفرنسيين حقا، وأضاف: "هناك خلاف جوهري في طريقة النظر إلى الأمور، فالذي يحرك الفرنسيين ليس حجم المال الذي يمكنك الحصول عليه، ولكن نوع الطعام على قائمة العشاء مثلا، أو الكتب التي تقرأها الآن."

وسوف يسأل الأمريكيون في البداية حول عملك الذي تقوم به من أجل كسب لقمة العيش، لكن الفرنسيين لن يسألوا عن ذلك، كما يقول سميث.

و يشاع بين الأمريكيين أن الفرنسيين كسالى، وذلك لأن الفرنسيين بطبيعتهم أكثر تقديرا لأوقات الفراغ من الأمريكيين.

وتحدث وزير الخارجية الأمريكي جون كيري باعتزاز عن "أقدم حليف" للشعب الأمريكي، كما تحدث باللغة الفرنسية عندما كان في باريس وتطرق للحديث حول قضية العمل العسكري في سوريا.

وقال محلل أمني في واشنطن مؤخرا: "نحن هنا جميعا نتعلم اللغة الفرنسية، ونقول تحيا فرنسا، فهذا هو الجديد في الأمر."

ويقول سميث إن التقارب بين الزعيمين الأمريكي والفرنسي بشأن سوريا سيمثل أهمية فيما يتعلق بالإدراك الشعبي لدى الأمريكيين، لأن الأميركيين يحبون أن يقف أشخاض آخرون إلى جانبهم.