عودة الاطفال للمدارس تحيي الامل في نفوس اللاجئين السوريين

في مدرسة المثنى بن حارثة في مدينة اربد، يحاول التلاميذ بصعوبة انشاد النشيد الوطني الاردني الذي تصدح الحانه من خلال مكبرات الصوت قبل بدء الفصول الدراسية.

الاغلبية الساحقة من تلاميذ المدرسة لاجئون سوريون قدموا حديثا للاقامة في هذه المدينة الواقعة شمالي الاردن.

جاء الكثير منهم من مدينة درعا السورية التي لا تبعد عن اربد الا بمسافة 25 كيلومترا، وهي المدينة التي شهدت انطلاقة الثورة السورية منذ سنتين ونصف.

ولم يتلق هؤلاء الاطفال اي تعليم منذ ذلك الحين.

قالت لي احدى الامهات "لقد منعنا اطفالنا من الذهاب الى المدارس حتى قبل اغلاقها، فقد كنا خائفين من الوضع الامني. لم اكن اتحمل غياب اطفالي عن نظري والقتال يدور حولنا."

في ساحة المدرسة، كان المدير يصدر اوامره للتلاميذ برفع اذرعهم الى اعلى والمسير، وكان يبدو على التلاميذ انهم يتمتعون بهذه التمارين التي تعلمهم معنى الانضباط.

وعندما يدق الجرس، يدخل التلاميذ صفوفهم ويبدأ الدرس الاول.

تتبعت التلميذ طرق بطاحي ذا الـ 12 عاما والذي سجل في المدرسة منذ يوم واحد فقط.

يقول طارق "تمتعت جدا بدرسي الاول، انا سعيد، إذ ان الدرس لم يكن صعبا."

ولكن طارق، ككثير من الاولاد في هذه المدرسة، متأخر بمرحلتين دراسيتين عن اقرانه.

ويقول مدير تربية محافظة اربد عويد الصقور "لهذا السبب قررنا اعطاء التلاميذ دروسا اضافية في الجزء الاول من السنة الدراسية. نريد ان ننعش ذاكرة التلاميذ، ولذا نركز على المهارات والمعارف الاساسية."

مدارس مزدوجة

في اربد الآن عشرة آلاف تلميذ سوري يدرسون في عشر مدارس حكومية، وثمة خطط لفتح خمس مدارس اخرى.

ومن اجل استيعاب هذه الاعداد، تقرر العمل بنظام مزدوج في المدارس، إذ يداوم التلاميذ الاردنيون من الصباح الى الظهر، ثم يأتي دور السوريين.

وتعاني مدارس اربد في الوقت الراهن من الازدحام، إذ يتراوح عدد التلاميذ في الصف الواحد بين الـ 50 والـ 60، مما يولد ضغطا على المدرسين والموارد المحدودة المتوفرة للمدارس.

وتوفر وكالة الطفولة التابعة للامم المتحدة يونيسيف مساعدات مالية للسلطات الاردنية لتمكينها من دفع اجور المدرسين وتكاليف المدارس الادارية، كما توفر الكتب والحقائب للتلاميذ السوريين.

كما باشرت يونيسيف حملة في اماكن تواجد اللاجئين السوريين مع بدء الموسم الدراسي تحمل عنوان "العودة الى المدارس."

ويقول توبي فريكر، المسؤول في يونيسيف في الاردن، "بعض الاسر لا ترى سببا لاعادة اطفالها الى المدارس لأنها تعتقد ان وجودها في الاردن مؤقت، بينما تعاني بعض الاسر من ضائقة مادية مما يجبر الاطفال على العمل."

ويضيف "تتوجه فرقنا الى اماكن اقامة اللاجئين للتحدث الى الاهل. بعض الاهل لايعرفون ان من حقهم تسجيل ابنائهم في المدارس الاردنية."

وفعلا، فبينما يوجد في الاردن الآن نحو 180 الف لاجئ تبلغ اعمارهم اعمار الدراسة، لم يسجل منهم في المدارس سوى 50 الفا.

ولكن في مخيم الزعتري للاجئين، ازدادت نسبة التسجيل بشكل ملحوظ هذه السنة، إذ بلغت نصف الاطفال الـ 30 الفا الموجودون في المعسكر.

تقول ام رانيا "لدي طفلتين تبلغان من العمر العاشرة والثامنة، وكانتا تواجهان صعوبة في الذهاب الى المدرسة بسبب بعد المسافة وبرودة الجو والفيضان. اما الآن فقد افتتحت مدرسة جديدة وجيدة على مقربة منا، وابنتاي تذهبان اليها وهما متفوقتان في دراستهما."

أمل

عند نهاية اليوم المدرسي في مخيم الزعتري، يمكن مشاهدة الاطفال وهم في طريق عودتهم الى الخيام التي يسكنون فيها ممسكين يكتبهم المدرسية.

وتولي المنظمات غير الحكومية اولوية للخدمات التعليمية من اجل توفير اماكن آمنة للاطفال وجعلهم يشعرون بشئ من الحياة الطبيعية.

وفي احدى رياض الاطفال التي تديرها جمعية "انقذوا الطفولة Save the Children" الخيرية، بلغ فرح الاولاد والبنات بالحقائب الجديدة التي منحوا اياها (والتي تحمل على الظهر) حدا بحيث يصرون على حملها على ظهورهم حتى اثناء الفصول.

وقال لي احد موظفي الروضة إن الاطفال ليس لديهم اي شيء بعد تركهم سوريا ولذا فهم يتمسكون بما يمنح لهم.

ويعاني العديد من الاطفال مما شاهدوه في الحرب، وفعلا عندما اجهشت طفلة بالبكاء عندما اقتربنا من طاولتها قالت المدرسة إنها "تخاف جدا من الغرباء."

كما يعاني الكثير من الاطفال من التبول الليلي والكوابيس، بينما يظهر البعض استهتارا وعدوانية قد يحار الوالدين والمدرسين في كيفية التعامل معها.

وتقول الامم المتحدة إن من بين مليوني لاجيء سوري في مختلف دول الشرق الاوسط ههناك حوالي مليون طفل.

وهذا العدد الهائل يثير القلق ازاء التأثيرات المحتملة للحرب الاهلية على جيل كامل من السوريين.

ولكن العودة للمدارس قد توفر املا.

خارج مكتب مدير المدرسة في اربد، قابلت محمد البالغ من العمر 18 عاما وتعرفت عليه فورا، إذ كنت قد قابلته اثناء زيارتي الاولى لمخيم الزعتري قبل عام واحد.

وكان محمد مصابا بحروق شديدة في وجهه جراء انفجار، وقدم الى الاردن للعلاج.

ويواجه محمد صعوبة في التسجيل في المدرسة نظرا لفقدان سجلاته الدراسية، ولكنه يقول "اريد الحصول على شهادة الثانوية العامة. ففي المستقبل عندما تنتهي هذه الازمة، ساحتاج الى تلك الشهادة من اجل دخول الجامعة او الحصول على وظيفة جيدة."