معاناة أطفال جراء تفجير مدرسة سورية بقنابل تشبه النابلم

سهام
Image caption سهام كانت في حصة لدراسة الرياضيات عندما وقع الهجوم

تمكن فريق عمل برنامج "بانوراما" بهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" من التقاط صور لهجوم بقنابل تشبه النابلم على مدرسة في سوريا. والآن عادت بي بي سي لتبحث عن حقيقة ما حدث للأطفال الذين كانوا يعانون من حروق مروعة.

سافرنا إلى سوريا لتصوير طبيبتين بريطانيتين من مؤسسة "هاند إن هاند" الخيرية البريطانية، حيث كانا يعملان في سوريا لتوفير الرعاية الصحية في المناطق التي تعاني من نقص في الخدمات الصحية في البلاد.

وزار الطبيبان البريطانيان أحد المستشفيات في محافظة حلب، أقامته المؤسسة الخيرية البريطانية لتوفير الرعاية الصحية العامة، لكن في أجواء الحرب، يصبح ذلك المستشفى المكان المحتمل لاستقبال الجرحى الذين يحملون إليه من ضحايا الصراع الدائر هناك.

وفي غضون ساعة من وصولنا إلى هناك، استقبلنا أول إشارة لما هو متوقع أن يصل إلينا، حيث وصل طفل رضيع يبلغ من العمر سبعة أشهر، وكان وجهه ذو اللون الأحمر مليئا بالقرح والبقع المحترقة.

وكان والده أيضا يعاني من الحروق ويجلس يائسا على نقالة المرضى وهو يحمل ابنه، بينما هرع الأطباء للمساعدة.

قنابل تشبه النابلم

وكان الأطباء البريطانيون يسمعون شائعات تفيد بأن هناك المزيد من الحالات في طريقها إلى المستشفى. وبعد فترة وجيزة، هرع بعشرت من المصابين إلى المستشفى على نقالات المرضى وهم يعانون من حروق تشبه الحروق الناجمة عن استخدام قنابل النابلم، وكان أغلبهم من المراهقين.

كانت ملابسهم محترقة، وأجسادهم متفحمة، وفي بعض الحالات كان شعر رأسهم قد ذاب.

وتشوهت وجوههم بشدة، وظهرت قُرح ضخمة على أجسادهم، وكانوا يتحركون ببطئ وهم يتلوون من الألم، وتعلو ملامحهم الصدمة والآلام، وكانت رائحة أجسادهم المحترقة تملأ أرجاء المكان.

وفي غضون دقائق، عج المستشفى بالمصابين، وبدأت الطبيبتان البريطانيتان رولا هالام، وصالحة أحسام في معالجتهم.

لم تكن هناك إصابات ناجمة عن شظايا، أو فقدان لأجزاء من الجسد، وهي الآثار المعتادة لأغلب الهجمات التي تستخدم فيها القنابل.

لم نعرف بالتأكيد ما الذي كانت تحتويه القذائف المستخدمة في الهجوم، لكنها تسببت في حروق مروعة تتوافق مع الآثار الناجمة عن استخدام قذائف حارقة تحتوي على مواد تشبه النابلم أو مادة الثيرميت.

وقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش لحقوق الإنسان استخدام قنابل مماثلة في أماكن أخرى في سوريا.

أجواء من الخوف

وأسفر كل ذلك عن أجواء من الخوف، حيث وقع ذلك الحادث بعد أيام قليلة من الهجوم الكيماوي على الأحياء الشرقية من دمشق والذي أدى إلى مقتل المئات من الأشخاص، وتسبب في فزع الكثيرين من أن يكون نفس الشيء قد حدث هنا أيضا.

وامتلأت الأسرة القليلة في غرفة الطوارئ بالمستشفى بشكل سريع، وكان العديد من المراهقين يتلوون من الألم على أرضية المستشفى.

واستخدم الأطباء أنواعا من الكريمات الطبية لعلاج حروق المصابين، بينما استمر جلب المزيد من المصابين إلى المستشفى.

Image caption المستشفى الميداني امتلأ لآخره بالمصابين في الهجوم

وخارج فناء المستشفى، تعرض الحشد للرش من صهريج للمياه، ولذا استطاعوا أن ينظفوا أنفسهم حيث كان يخشون من من احتمال أن يكون هذا هجوم كيمياوي.

وكافح الآباء والأمهات الذين يتوقون بشدة لمعرفة أخبار ذويهم من أجل الدخول إلى المستشفى، وهم يلعنون رئيسهم بشار الأسد.

وصف شهود عيان الأمر ذاته، حيث تحدثوا عن طائرة مقاتلة تحلق على ارتفاع منخفض، وكانت على ما يبدو تبحث عن أهداف، وكان حشد كبير قد تجمع في المدرسة التي سقطت فيها القنبلة الحارقة.

وتعاني سهام كنبري ذات الثمان سنوات من حروق مروعة في معظم أجزاء جسدها.

كانت سهام في حصة للرياضيات حينما وقع الانفجار الذي حطم النافذة.

أحمد يرتعش

أحمد درويش البالغ من العمر 13 عاما أحد أصغر ضحايا هذا التفجير.

وحينما وصل أحمد إلى المستشفى كان يرتعش بصورة مستمرة، وكان جناح الطوارئ مليئا عن آخره، وطلب منه الانتظار في الاستراحة.

وصفت الدكتورة صالحة المشهد، وقالت "من بين جميع مناطق الحروب التي زرتها من قبل، فإن اليوم كان الأسوأ بفارق كبير".

أدخل 30 مريضا إلى المستشفى في ذلك اليوم، ومعظمهم كانوا يعانون من حروق بنسبة 50 في المئة، وهو ما يعني أن فرص نجاتهم كانت أقل من النصف.

تطلبت حالة المصابين إدخالهم إلى غرف العناية المركزة، لكن لم يتوفر أي منها في المستشفى الميداني في حلب.

وبحلول الظلام، بدأت حالة الفوضى بعد نقل المصابين سريعا عبر الحدود إلى تركيا لتلقي العلاج، وبعضهم توفي في الطريق.

وقالت الدكتورة رولا "أعتقدت أن الأمر لن ينتهي مطلقا، لقد فقدنا شابا خلال نقله إلى بلدة باب الهوى‎، كان يعاني من حروق كبيرة من الدرجة الثالثة".

وأضافت "حاولنا إعادة الاستقرار إلى حالته ونقله في أسرع وقت، لكننا لم نتمكن من إنقاذه، لم أر مطلقا حرقا بهذا السوء".

"أعتقد أن وجهه لن يغيب عن مخيلتي لفترة طويلة جدا".

Image caption كان هناك أطفال في فناء المدرسة عندما وقع الهجوم

بعد يومين من الهجوم، توجهنا إلى المدرسة، وكانت واحدة من المدارس القليلة التي لا تزال مفتوحة في هذا الجزء من شمال سوريا، لكن الفصول كانت خالية حينما زرنا المدرسة.

تشير الرائحة المنبعثة من المشهد والحطام الموجود من آثار التفجير إلى أنه كان جراء قنبلة حارقة، وهي ليست سلاحا كيماويا بل تقليدي.

حظرت 100 دولة استخدام هذا النوع من القنابل ضد مدنيين، لكن سوريا لم توقع على هذه الاتفاقية.

كانت الرائحة في الهواء تزكم الأنوف جراء كل ما تم إسقاطه هذا اليوم، ومن الصعب تصور أو وصف أهوال ما فعله الطيار.

قال مدير المدرسة إنه شعر بأنه عاجز عن التصرف، وكان خائفا جدا من الكشف عن اسمه.

وأضاف "أسوأ شيء في الحياة هو أن يموت شخص أمام أعيننا".

وتابع "الناس يحترقون أمامك، الناس يموتون، الناس يهرعون، لكن إلى أين سيهرعون. الناس ليسوا آمنين في أي مكان، هذا هو مصير الشعب السوري".

لقي عشرة أطفال حتفهم في الهجوم، وترك العديد وهم يكافحون من أجل النجاة من الحروق المروعة.

"دعونا نطوي هذه الصفحة"

زرنا أحمد في مستشفى تركي بعد أسابيع قليلة من الحادث، ويعاني أحمد الذي يوصف بأنه صبي مجتهد ذو وجه مبتسم من حروق في جسمه نسبتها 40 في المئة.

وقال "إنني أعاني الكثير من الألم. كان لدي ارتفاع في درجة الحرارة طوال ليلة أمس، هناك ألم في رقبتي وكتفي".

وتساءل "لماذا ينفذون هذا التفجير ضدنا ونحن في المدرسة، لماذا؟"

في المرة الأخيرة التي رأينا فيها سهام في مستشفى حلب، كانت تصرخ من الألم. وهي موجودة حاليا في أحد أجنحة المستشفى بجانب أحمد في تركيا. أخبرتنا في هذا اليوم الذي زرناها فيه أنها لا تزال تشعر وكأن جسمها يحترق.

كانت في السنة الأخيرة بالمدرسة، وتعاني سهام التي وصفت بأنها واحدة من أذكى الطلاب في فصلها من حروق بنسبة 70 في المئة.

وقالت "دعينا نطوي هذه الصفحة الآن. نريد أن نجد مخرجا، لدينا كل ما يكفينا".

ومع تراجع حدة الجدل بشأن الأسلحة الكيماوية، فإن أنظار العالم ستتحول مرة أخرى بعيدا عن سوريا. لكن بالنسبة لأولئك الذين تمزقت حياتهم بسبب الحرب، فإن المعاناة ستستمر.

المزيد حول هذه القصة