العراق .. أزمة أمنية بلا نهاية

العراق
Image caption 5740 مدنيا قتلوا في العراق منذ يناير/كانون الثاني الماضي.

انفجار خمس عشرة سيارة مفخخة في عاصمة أي دولة يوم الاثنين ومقتل العشرات من مرتادي أحد المطاعم، قد يكون حدثا غير مسبوق.

إلا أنه وفي العراق، أصبح ذلك أمرا اعتياديا، فذلك يعتبر التفجير الثامن والثلاثين من بين التفجيرات الضخمة التي شهدتها البلاد خلال الاثني عشر شهرا الماضية.

ومع استمرار هذه الأزمة الأمنية العميقة لعشرة أعوام في البلاد، يجدر بنا أن ننظر في العوامل التي تساعد في استمرار ذلك الصراع والأطراف التي تلجأ إلى العنف وتقوض الجهود اليومية التي تقوم بها القوات الأمنية العراقية.

تسارع حركة القاعدة

في البداية، يرى البعض أن العراق يواجه أزمتين أمنيتين تتداخلان مع بعضهما البعض على الرغم من كونهما منفصلتين.

ويفرّق الخبراء ما بين "تيار القاعدة" المسؤول عن تنفيذ الهجمات التي تخلف وراءها أعدادا كبيرة من الضحايا، وبين ما قد يعرف بـ "أعمال التمرد الطبيعية" التي تنفذها خلايا مسلحة سنية وشيعية على المستوى المحلي.

تولي وسائل الإعلام العالمية الاهتمام الأكبر إلى الهجمات من النوع الأول، لأن ذلك النوع من الهجمات التفجيرية المتزامنة يكون له تأثير واضح يفرض نفسه على الساحة ويحظى بالاهتمام، وهو ما يهدف إليه أتباع تنظيم القاعدة على المستوى المحلي.

هناك أيضا تسارع في تواتر الهجمات الضخمة التي يشنها تنظيم دولة الإسلام في العراق والشام وغيرها من التنظيمات الأخرى التابعة لتنظيم القاعدة.

ففي عام 2010، والذي شهد أقل نشاط لتنظيم القاعدة في العراق، انخفض معدل التفجيرات بالسيارات المفخخة إلى 10 تفجيرات فقط في الشهر، ولم يقع سوى هجومين أو ثلاثة من تلك الهجمات المتزامنة في مواقع مختلفة خلال ذلك العام.

Image caption كثيرا ما تحدث تفجيرات متزامنة بسيارات مفخخة في العراق

أما منذ بداية عام 2013 وحتى الآن، وصل معدل تفجيرات السيارات المفخخة في العراق إلى 68 تفجيرا في الشهر، مع وقوع هجوم واحد بتفجيرات متزامنة كل عشرة أيام.

وتقول منظمة الأمم المتحدة إن 5740 مدنيا قتلوا في العراق منذ يناير/كانون الثاني، ويعتبر هذا ضعف العدد الذي رصدته المنظمة في تقاريرها لعام 2010.

جماعات محلية

ومع ما يبدو من تدهور في الأوضاع، فإن أهم المؤشرات التي ينبغي التركيز عليها هي تلك التي تتعلق بالهجمات الأصغر حجما والتي ينفذها مسلحون ينادون بالقومية أو العرقية، وأغلب أولئك من أفراد الجيش السابقين أو أعضاء الميليشيات الذين كانوا خلال عقد من الزمن يدافعون عن بلادهم ضد من يغزونها.

كما يتمتع مقاتلو المجموعات المتمردة الرئيسية "بالاحترافية" من بينهم الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة والحركة النقشبندية البعثية، إلى جانب المسلحين الشيعة من عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله التي تلقى دعما من إيران.

وتعتبر عضوية تلك المجموعات هي المصدر الرئيسي لدخل أفرادها، كما أن مستويات نشاطها يرتبط بتوجيهات منظري هذه الجماعات ومموليها والمروجين لها.

كما أن التوترات الطائفية التي تشهدها المنطقة، وخاصة الأزمة في سوريا، والسياسات المحلية في العراق عملت على وجود بعض المحركين من خلف الستار ممن يعملون على تعزيز وجود الجماعات المسلحة المحلية.

ومع تزايد معدلات الهجمات التي تشنها تلك الجماعات، فإنها ليست بمعدلات سريعة كعمليات تيار القاعدة.

وخلال تراجع معدلات أعمال العنف في أوائل عام 2011، شهد العراق معدلات تقارب 300 حادثة أمنية كبيرة في الشهر. أما في عام 2013، فمن المعتاد أن يتخطى المعدل الشهري لتلك الحوادث الأمنية ألفا ومئتي حادثة.

إلا أن تلك المعدلات لا تزال منخفضة مقارنة بالمعدلات التي شهدتها أيام ما يشبه الحرب الأهلية في أواخر عام 2006 وأوائل عام 2007، وكانت تتجاوز ستة آلاف حادثة كل شهر.

ويشير ذلك إلى أن العنف في العراق يبقى محصورا بشكل كبير حول الهجمات التي تشنها الخلايا المسلحة الصغيرة، فيما ينأى العامة بأنفسهم عن تلك الصراعات. كما يظل العنف بين المدنيين والعنف الطائفي أمرا نادر الحدوث بشكل نسبي.

هجمات انتقامية

فهل ستبقى تلك الأوضاع كما هي؟

Image caption الحملات الأمنية ضد الجماعات المسلحة لم تستطع وقف التفجيرات

فقد بدأت الهجمات المركزة التي تشنها القاعدة والمجازر الطائفية في البلاد تختبر صبر الشيعة، وهو ما أدى إلى تزايد ظهور الدلائل على وقوع هجمات انتقامية تستهدف المساجد السنية والدعاة والمدنيين.

في بغداد، معقل التوتر الطائفي في البلاد، تتواطأ قوات الأمن، التي يهيمن عليها الشيعة، مع الجماعات الأقل بروزا التي تنفذ أعمالا انتقامية مثل عصائب أهل الحق وأتباع الزعيم الشيعي الديني المتشدد مقتدى الصدر.

وبالنسبة للعديد من السنة في بغداد، يبدو أن قوات الأمن العراقية هي الميليشيا الشيعية الأخطر التي تعمل على تكديس السنة في أحياء سكنية وتجعلهم عرضة لممارسات تعسفية من الشرطة وعزل اقتصادي.

كما تتسارع وتيرة الهجمات الطائفية أيضا على الأقلية السنية في البصرة، وهي المحافظة الغنية بالنفط التي تقع في أقصى الجنوب من العراق.

خلال الشهر الماضي، لقي ما يقرب من 20 سنيا حتفهم، وتركت بعض جثث هؤلاء وبجانبها مذكرات تشير إلى أنهم قتلوا ردا على تزايد أعداد التفجيرات التي يشنها تنظيم القاعدة في البصرة.

قوات أمن منهكة

Image caption التوتر بين السنة والشيعة كان يدفع بالعراق نحو حافة الهاوية عامي 2007/2006

ويعمد المدنيون إلى قتل بعضهم البعض في حال ما إذا شعروا بأن قوات الأمن لا تستطيع حمايتهم، وهو ما يعكس حقيقة أن قوات الأمن العراقية قد ثبت عجزها عن الحد من العنف سواء من تيار القاعدة أو المسلحين المحليين.

وتفتقر قوات مكافحة الإرهاب العراقية المنهَكة إلى العدد الكافي من الأفراد بين صفوفها، كما تعاني الأنشطة الخاصة بتمويلها وقيادتها تعقيدات نتيجة للبيروقراطية والتناحر السياسي، ولا يمكنها امتلاك نفس الموارد الاستخباراتية والطيران الهائلة التي وظفتها الولايات المتحدة في حربها الناجحة ضد تنظيم القاعدة في العراق خلال الفترة من 2006 إلى 2010.

وفشلت بغداد وواشنطن في اغتنام الفرص للتعاون على مكافحة الإرهاب منذ انسحاب القوات الأمريكية عام 2011.

وتتجاهل قوات الأمن العراقية بشكل كامل تقريبا المعادلة الناجحة لمكافحة الإرهاب بين المدنيين والتي خرجت بها قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة، وذلك بدلا من الرجوع إلى التكتيكات التقليدية كعمليات الاعتقال والعقاب الجماعي.

وفي خارج المدن، لا يمكن للجيش العراقي أن يكمل سلسلة العمليات المستمرة، فإمكانياته اللوجيستية آخذة في الانهيار، كما أثبتت إمكانياته في الطيران والاستخبارات وجود قصور في تغطية المساحات الريفية الشاسعة.

ومع التخلص من كم كبير من الخبرات العسكرية التي كانت في عهد الرئيس العراقي السابق صدام حسين والنظام البعثي، فإن الجيش العراقي الجديد الذي أنشئ منذ عام 2003 ويضم مليونا من المجندين لم تكن لديه القوة المؤسسية الكافية لتحمل أعباء ما بعد انسحاب القوات الأمريكية.

إلا أن الأمر الأكثر أهمية يتمثل في أن الحملة العسكرية للقضاء على التمرد في العراق آخذة في الانجراف بعيدا عن الجهود السياسية التي تسود الموقف.

كما أنه لا توجد هيئات أو شخصيات عراقية ملهمة على غرار شخصية الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا ممن تكون لديهم القدرة على التعامل مع تاريخ البلاد المرير من الديكتاتورية وعدم المساواة.

وإذا ما استمر العراق في ذلك الاتجاه، قد تصل الأوضاع إلى مرحلة انهيار ليس على غرار أزمة 2006-2007، بل ستصل الحياة في البلاد إلى طريق مسدود تماما.

المزيد حول هذه القصة