هجرة السوريين إلى "شواطئ آمنة" في رحلة الموت

بعد فقدان الأمل بأن الحرب في سوريا ستتوقف في وقت قريب، يركب اللاجئون السوريون البحر في مصر بقوارب صيد في رحلات غير مأمونة وغير مضمونة النتائج، مخاطرين بحياتهم وأموالهم بهدف الوصول إلى شواطئ أوروبا لطلب اللجوء. هنا تقرير كتبه لبي بي سي من الاسكندرية الصحفي عبد الحميد قباني:

Image caption قارب للمهاجرين في رحلة مضنية

صبغ السوري خلدون، البالغ من العمر 27 عاما، خصلة من شعره باللون الأشقر ليعطي نفسه منظراً أقرب إلى الأوروبي، محاولاً أن يستعد ويشعر بتفاؤل في رحلته إلى أوروبا مع أنه لا يملك في حقيبة سفره السوداء إلاّ قميصاً وأقراصاً لمعالجة دوار البحر وعلب سجائر.

"أشعر بأني مسافر إلى الحي المجاور،" يقول خلدون الذي يصف مغادرة بلده قبل تسعة أشهر بأنها أول سفرة له خارج سوريا، خشية استدعائه لخدمة الاحتياط قائلاً: "أنا لم آت إلى مصر لرؤية الأهرامات".

باع خلدون كل شيء لتأمين تكاليف الهروب التي تختلف "حسب الزبون"، فقد دفع خلدون 3400 دولار أمريكي للمهربين.

بانتظار المهرب

وبينما تضرب أمواج البحر المتوسط ساحل مدينة الإسكندرية، يجلس خلدون بصحبة ابن عمته الذي يساويه عمراً في مقهى على طريق الكورنيش يحتسي فنجان القهوة ويدخن بلا توقف منتظراً "الدكتور"، وهو الاسم المستعار لرئيس شبكة التهريب.

وبعد انتظار دام لأكثر من ساعة ونصف، وصل الدكتور، حليق الذقن، نحيل الجسم متوسط الطول يناهز الأربعين سنة، ودخل مبتسما بدور بائعٍ جوال لقطع كهربائية.

من الصعب أن تتصور أنه المهرب الذي ينظم رحلات التهريب، إلاّ أن هذه الرحلة التي ينظمها الدكتور إلى ايطاليا رقمها 37، هي الأولى لهذا الأسبوع، ما يفسر انشغاله، حيث يقول "إنّي أجمع العائلات (المغادرة) وأنتم شباب يمكنكم أن تنتظروا". لم يكن هناك الكثير من الحديث الدائر بين السوريين طالبي اللجوء والمهرب حيث أن الهاتف المحمول لهذا الأخير لا يتوقف عن الرنين.

"تأمين المستقبل"

Image caption تزايد عدد السوريين الراغبين في الهجرة من شواطئ مصر بعد الاجراءات الأمنية التي أعقبت عزل مرسي

الساعة تقترب من منتصف الليل ولا يبدو أن شيئأ سيحدث. قال الدكتور إن "كل شيء يمكن أن يتغير في لحظة، لقد تلقينا معلومات تتوجب تأخير الرحلة حتى الصباح الباكر".

لكن خلدون وعلى الرغم من أنه ترك عائلته في القاهرة، يبدو مرتاحا لخطة الهجرة متأملاً في مستقبل أفضل موضحاً أن حجم الأزمة في سوريا أكبر من الشعور بالأسف على ترك والديه وراءه، ويبرّر موقفه بالقول: "لقد فقدت بلدك وكل شيء لديك، في حين يأتيك شخص [المهرب] ليؤمن مستقبلك و مستقبل أطفالك أيضاً".

وتزايد عدد السوريين الذي يرغبون بمغادرة مصر مع ازدياد أوضاع اللاجئين السوريين سواء من خلال الإجراءات الأمنية التي اتخذتها السلطات المصرية بعد عزل الرئيس محمد مرسي في 3 يوليو / تموز الماضي.

وجاءت الإجراءات على خلفية اتهامات للسوريين بمشاركتهم في الاحتجاجات المؤيدة لمرسي فضلاً عن اتهامهم بالقيام بأعمال عنف، مما عرضهم لاعتقالات وتسفير قسري.

وقد وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش الانتهاكات في حق السوريين في تقرير نشرته في 25 يوليو/ تموز الماضي، مطالبة السلطات المصرية بـ "التوقف عن احتجاز السوريين تعسفياً والتهديد بترحيلهم بإجراءات موجزة لا تراعي التدابير القانونية الواجبة وعلى السلطات الإفراج عن السوريين المحتجزين ما لم يتم اتهامهم فوراً بجرائم تستحق المحاسبة، وعدم ترحيل السوريين من حاملي تأشيرات الدخول أو طالبي اللجوء بدون مراجعة محايدة لطلبات اللجوء الخاصة بهم".

يذكر أنه يقيم في مصر أكثر من مئة ألف لاجئ سوري مسجل لدى مكاتب مفوضية الأمم المتحدة بينما تظهر إحصائيات الحكومة المصرية أن العدد يبلغ حوالي 300 ألف.

وشرحت لاجئة سورية، فضلت عدم الكشف عن اسمها، بعض المعاناة "أول ما أتينا كانت المعاملة جيدة وكان يوجد الكثير من التسهيلات في مصر، أما الآن فقد تغيرت المعاملة، حيث يقول لنا بعض المصريين: لم يستقبلكم أحد ونحن استقبلناكم.... لقد ظلمونا فقد جئنا هاربين من العنف وأنا كنت من بين الهاربين خوفا على بناتهم الشابات من الاغتصاب".

وأضافت اللاجئة وهي أم لأربعة: " أتمنى أن أعود إلى بلدي وأجلس في بيتي ولكن متى؟ ".

وصل المهرب أخيراً إلى المقهى مع دخول ساعات الصباح الأولى وأومأ لخلدون وابن عمته بالخروج وراءه. وفي شارع جانبي ضيق مظلم كانت تقف سيارة فان بيضاء فيها عدد من العائلات. والتفت "الدكتور" مخاطبا المرافقين: "يمكنك أن تودعهم هنا، " مضيفا "لا أحد غير المهاجر يستطيع أن يأتي إلى المركب."

في خلال نصف ساعة وصل خلدون وابن عمته إلى الميناء، وصعدوا إلى القارب غير المخصص لنقل البشر ليجدوا حوالي 70 سوريا وفلسطينيا بينهم نساء وأطفال على متنه. وحين الانطلاق، طُلب من جميع الركاب إطفاء هواتفهم النقالة حتى الوصول إلى "برّ الأمان" وهو ما يفسر بقاء خلدون وابن عمته لأكثر من ساعة ونصف خارج التغطية في البحر فور المغادرة.

الهجرة للسويد

مع فرض قيود صارمة على منح تأشيرات سفر للسوريين إلى الاتحاد الأوروبي، يلجأ السوريون للمهربين الذين بدورهم يستغلون أوضاع السوريين الإنسانية للحصول على منافع مالية ضخمة مما عرّض الكثير من السوريين للاعتقال في الميناء من قبل السلطات المصرية وترحيل الكثير منهم خارج مصر.

ويسعى معظم طالبي اللجوء السوريين للوصول إلى السويد لما تقدمه من منافع وتسهيلات. فالسويد هي أول دولة في الاتحاد الأوروبي تمنح الإقامة الدائمة للاجئين السوريين.

Image caption التهريب هو الطريقة الوحيدة أمام المهاجرين

تبين الإحصاءات الصادرة عن مجلس الهجرة السويدي أن عدد طالبي اللجوء ازداد بنسبة 15 بالمائة خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي. الغالبية العظمى من طالبي اللجوء لا تزال تأتي من سوريا. وحسب إحصائيات المجلس وصل حوالي سبعة آلاف لاجئ سوري إلى السويد خلال العام الجاري حتى نهاية شهر آب أغسطس.

وصل خلدون وابن عمته إلى السويد بعد رحلة استمرت ستة أيام في البحر المتوسط وخمسة أيام عبر أوروبا، محفوفة بالمخاطر حيث كاد قاربهم أن يغرق قبل الوصول إلى شواطئ إيطاليا بما يقارب التسع ساعات وتم إنقاذهم من قبل خفر السواحل الإيطالي.

يقول خلدون إنه رأى الموت بعينيه "ونطق بالشهادة" في لحظة كانت الأمواج تتلاعب بالقارب الذي بدأ يدخله بعض المياه. لم تكن الظروف في القارب كما وصفها المهرب، ويقول خلدون ان تجربته أشبه بـ "رحلة الموت".

المزيد حول هذه القصة