مائة امرأة: يوميات طالبتين عربيتين في بريطانيا

كيف تعيش الطالبات العربيات في دولة غربية؟ كيف تتعامل هؤلاء الطالبات مع اوضاع اجتماعية وثقافية تختلف، في كثير من الاحيان، عما اعتدن عليه في المجتمعات العربية؟ ما هي تجارب هؤلاء الطالبات، وما هي نظرتهن للحياة في الغرب؟

بي بي سي العربية تعرض لجمهورها يوميات طالبتين عربيتين في بريطانيا، وذلك ضمن تغطيتها لموسم "مائة امرأة يغيرن العالم"، والذي تنظمه البي بي سي طوال شهر أكتوبر/تشرين الاول.

عهد محمد الجرف - السعودية

الاثنين 28 اكتوبر/تشرين الاول

وقد جاء ذلك اليوم الأخير، الذي غادرت فيه من منزل العائلة التي سكنت معها تسعة أشهر، خلال فترة دراستي للغة في مدينة بورتسموث سابقاً قبل إنتقالي للعيش والدراسة في مدينة "كوفنتري".

كان ذلك اليوم الذي ذرفت فيه الدموع وأنا أودع "أنجيليتا" صاحبة المنزل التي أصحبت صديقة مقربة بالنسبة إلي، ولاتزال كلماتها لي عند خروجي عالقة في أذني، حين قالت:" عهد إبقي معنا ولا ترحلي"!!

كان لا بد من الرحيل، إذ شاء القدر أن يكون قبولي الجامعي في مدينة أخرى تبعد ثلاثة ساعات عن مدينة بورتسموث الساحيلة.

وبخوضي تجربة العيش مع عائلة أجنبية، أستطيع القول أنه نجاح آخر. هو نجاح في التعايش مع أناس يختلفون عني في الدين والعادات والتقاليد، وبالرغم من ذلك تعايشنا مع بعضنا، لدرجة أنني أصحبت كجزء منهم، أقاسمهم أفراحهم وأتراحهم وكأني فرد من تلك العائلة الصغيرة، المتكونة من أم وأب وإبن وإبنة فقط.

والطريف أن الأب كان يعمل معظم السنة في الولايات المتحدة، والإبن كان شبه مطرود من المنزل، فلم يبقى في العائلة سواي أنا والأم وإبنتها.

بعد توديعي لـ "أنجيليتا" توجهت إلى محطة الباصات حتى أركب الباص الذي سيأخذني إلى مدينة جديدة لا أعرف فيها أحداً سوى فتاة سعودية حصلت على رقمها من أخي، إذ كانت أخت لصديق له هناك. كان الحزن يعتريني ذلك اليوم بسبب مغادرة المكان الذي تعودت عليه، والخوف كان متوجساً في نفسي لما هو آتٍ في المدينة "كوفنتري"، التي أصبحت الأحب إلى قلبي اليوم.

وكما يقال التفكير بالسلبية يجلب الحظ السيء، وهذا ماحدث معي للأسف إذ كانت نسبة الحزن والطاقة السلبية في داخلي عالية في ذلك الوقت، وعليه وجدت الباص الذي كان من المفترض أن يقلني إلى "كوفنتري" قد غادر قبل خمسة دقائق من وصولي!! وما زاد من صعوبة الأمر علي حملي لأغراض ثقيلة لا أعلم إلى اليوم كيف تنقلت بها وحدي! إذ أنه ولسوء حظي

عندها كان أخي وإبن خالتي في السعودية ولم يعودا إلى بريطانيا بعد حتى أطلب منهم المساعدة في نقل أغراضي.

وقفت حينها وأنا أمسك دموعي بقوة، وفجأة رآني سائق باص آخر ونادى علي، طرت من الفرح حينها، إذ شعرت أن الله إستجاب دعائي وأرسل إلي من يساعدني. سألني السائق: ماذا بك؟ قلت له ماحصل، فعرض علي أن يأخذني في باصه المتوجه إلى مدينة "لندن"، وأن أركب بعدها من هناك باصاً آخر إلى "كوفنتري"، وأخبرني أنه لن يدعني أدفع تذكرة جديدة بل سيحسب لي تذكرة الباص الذي فاتني. وافقت على الفور وأنا أرى بصيص أمل في ذلك اليوم الذي كان مليئاً بالأمور المحبطة.

وصلت بعدها فعلاً إلى لندن، وكنت أشعر وكأنني أجر نفسي جراً، كانت المسافة مابين موقف الباص الذي ترجلنا منه والمحطة قصيرة جداً، ولكني شعرت وكأنها بطول الدهر لثقل ما أحمل من أغراض مزقت كفوفي، وكلما شعرت بالألم أوشك على البكاء لكن سرعان ما أتمالك نفسي وأحدثها بأن تكون قوية وصبورة، إنتظرت بعدها في المحطة حوالي الساعتين إلى أن جاء موعد الباص الذي سيأخذني إلى "كوفنتري".

وقبل وصول الباص بقليل، وقع نظري على امرأة من أصل افريقي تجلس بجانبي، وسرعان ماحدقت إلي وسألتني عن وجهتي! جاوبتها، فقالت: أها جميل، أتعلمين أني أرى وجهاً للملائكة في وجهك!!

ذهلت حقاً بما قالت لي وشعرت بالخوف قليلاً منها، جاوبتها لم أفهم! فإبتسمت لي وقالت: غير مهم إنسي ماقلته لك. حدثت نفسي حينها بأنه علي مغادرة المقعد، وهذا مافعلته على الفور إذ أعتذرت منها سريعاً وأني مضطرت للمغاردة لأركب الباص الذي سيصل في أي دقيقة، إذ شعرت حينها أن مسلسل الأحداث السلبية والغريبة في ذلك اليوم لن ينتهي.

وفي نهاية ذلك اليوم الطويل، لم آخذ نفساً عميقاً ومريحاً إلا عند وصولي إلى مدينة "كوفنتري" بعد عناء.

الاثنين 21 أكتوبر/تشرين الاول

ذات مساء وصلني إعلان عن طريق موقع التواصل الإجتماعي "فيس بوك" من بعض الزميلات لي في بريطانيا، وكان عن إقامة مجلس أدبي صغير في لندن، أطلقوا عليه إسم "قهوة حرف". وفي هذه القهوة يتم إختيار أحدى كلمات اللغة العربية، ويتشارك الحضور خلال الأمسية بأي مقطع شعري، أو قصة قصيرة تتعلق بالكلمة التي تم إختيارها مسبقاً. ووقع الإختيار حينها على كلمة "الذكرى" لتكون محور نقاش القهوة.

لبيت رغبة المنظمين حينها، وبدأت بالتفكير في قصة قصيرة تعكس معنى "الذكرى" عندي، خصوصاً، وأن حياتنا كلها عبارة عن ذكريات سواء كانت جميلة أو حزينة.

وفعلاً ذهبنا ذلك المساء أنا وإحدى صديقاتي للأمسية الثانية من "قهوة حرف"، وأنا أحمل في رأسي قصة قصيرة، تعكس معنى عميق للذكرى عندي.

إستمتعنا حقاً خلال حضورنا لتلك الأمسية، إذ حضرها الكاتب السعودي، والذي يدرس في بريطانيا، فائق منيف، صاحب كتاب "العاطلون عن الحب ينامون مبكراً"، الى جانب شاعرة كويتية أتحفتنا بأبيات قصائدها تلك الليلة، وهي الشاعرة دلال البارود.

وقبل نهاية الأمسية بقليل جاء دوري حتى أشارك بما في جعبتي لهم عن الذكرى، وبدأت فعلاً بسرد قصتي الحزينة عن "الذكرى"، لأجد مشاعر الحزن القديمة تعود مجدداً، لأتذكر نفسي تلك الطفلة التي لم تتجاوز الاربعة عشر عاماً تفاجأ بصدمة موت صديقة طفولتها.

تذكرت تلك الليالي التي كنت أتسآل فيها عن صديقتي التي لم تتصل بي منذ مدة، لأكتشف بعدها أن والدتي أخفت عني خبر موتها، ولم أعلم بذلك إلا بعد إسبوعين من الحادث الأليم الذي تعرضت له صديقتي!!

ساد الهدوء على الحضور الذين كانوا ينصتون الى قصتي، ورأيت في وجوههم نظرات رحمة لتلك الطفلة التي أصبحت كبيرة أمامهم الآن، وباتت تلك الذكرى خالدة في حياتها.

إنتهت بعدها تلك الأمسية الجميلة، التي تعملت منها الكثير عن لغتنا العربية بإستماعي لجميع من حضر، وحان بعدها وقت الرجوع الى مدينتي "كوفنتري" التي ادرس واعيش بها، والتي تبعد عن لندن حوالي الساعة والعشرة دقائق بالقطار السريع.

إتجهنا مسرعين أنا وصديقتي الى محطة القطار دون أن نأكل أي شيء لعجلتنا، ولخوفنا أن يفوتنا القطار القادم، وفي تلك اللحظة لم ندرك أننا كنا مقبلين على مغامرة لم تكن في الحسبان، لتلبث "ذكرى" لنا اليوم هي الأخرى.

ركبنا القطار وكل شيء كان طبيعي جداً، وفجأة بعد مرور نصف ساعة توقف القطار بعد أن تقلصت سرعته بشكل كبير وكأنه إصطدم في شيء ما، إنطفت بعدها الأنوار وأصبح كل من في القطار في ذهول مما حدث.

وماهي إلا دقائق حتى تم الإعلان عن إصطدام القطار بجسد آدمي، وإرتفعت أصوات الركاب ردا على ما سمعوا، وطُلب منا البقاء في أماكننا حتى تصل الشرطة للتحقيق في الحادثة، التي لم يعرف بعد إذا كانت إنتحارا، أم أنه تم دفع الرجل أسفل سكة القطار لتكون بذلك جريمة قتل عمد.

تم إحتجازنا في القطار تلك الليلة حوالي خمس ساعات، مرت علينا وكأنها خمس سنوات لشدة الملل والجوع، فلم يكن في القطار حينها إلا القهوة وبعض قطع الشوكولاتة، والتي تم توزيعها علينا مجاناً من قبل عاملي القطار حتى يخففوا من غضب ركاب القطار لإحتجازهم لمدة طويلة.

وما إن أشارت الساعة الى الواحدة صباحاً بعد منتصف الليل حتى بدأ القطار في التحرك، وتعالت أصوات الركاب من شدة الفرح. تم إنزالنا بعدها في المدينة التالية حتى نكمل مشوارنا عن طريق حافلات وفرها لنا عملاء من شركة القطار الذي نركبه، وبعد ساعتين وصلنا أخيراً الى مدينة "كوفنتري" بعد عناء طويل، لتلبث تلك الليلة "ذكرى" لاتُنسى في ذاكرتنا.

الجمعة 18 اكتوبر/تشرين الاول

Image caption عهد الجرف طالبة دكتوراه تقسم وقتها بين دراستها ونشاطاتها الطلابية

السنوات التي قضيتها حتى الآن في بريطانيا غيرت أمورا كثيرة في حياتي. فقد زادت من طموحي وإصراري على تحقيق أحلامي، وفتحت لي مجال رؤية أوسع لمستقبلي. عرفتني على أناس لم أكن أحلم يوماُ باللقاء بهم، تعلمت منهم وتعلموا مني، تبادلنا الخبرات والثقافات، وجمعتنا أمور كثيرة، أهمها نبذنا لكل أشكال العنصرية والطائفية التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية.

بالنسبة لحياتي في بريطانيا، فأنا أذهب بشكل يومي للجامعة خصوصاً في الصباح حتى الظهيرة، حيث لدي مكتبي الخاص الذي يجمعني مع طلاب آخرين يدرسون درجة الدكتوراه، علماً بأنني طالبة سعودية مبتعثة، وأحضر الدكتوراه في تخصص "البيانات المخفية في الصور".

أحيانا أرجع للجامعة ليلاً اذا كان لدي أمور دارسية يجب إنجازها، ولكن في الغالب ماأعمل في المساء على بعض النشاطات الطلابية الأخرى، فأنا أعمل مع صحيفة إلكترونية تهتم بنشر أخبار المبتعثين السعوديين حول العالم. أحاول تقسيم وقتي ليلاً لكتابة بعض الأخبار عنهم، ومشاركة مقالات الكتاب منهم لدينا، وهكذا.

أقوم كذلك من فترة لأخرى بعمل بعض النشاطات الأخرى التطوعية، كتنظيم بعض الدورات في المدينة التي أدرس فيها، أو أن أشارك في تنظيم بعض الأنشطة الطلابية التي تقيمها أندية الطلبة السعوديين في بريطانيا.

وبالتأكيد أخصص بعضا من وقتي للقراءة المتنوعة، ولكتابة بعض المقالات، وللخروج مع بعض الصديقات، سواء عربيات أو اجنبيات.

وبالحديث عن حياتي في بريطانيا ومقارنتها مع ماكنت أفعله في السعودية، أستطيع القول أن لكل حياة ميزاتها وعيوبها. كنت أقوم بنشاطات في السعودية أيضا لكن ليس بالشكل الموسع كما هنا في بريطانيا. هنا لدي حرية أكثر خصوصاُ، فيما يتعلق بسهولة المواصلات والتنقل. ومما لاشك فيه أن حياتي في السعودية كان فيها تسهيلات كثيرة بحكم أنني كنت أعيش مع أبي وأمي، أطال الله في عمريهما، أما هنا فأنا أعيش مع أخواني، وكل شيء يعتمد علينا، كدفع الفواتير وإيجار المنزل وهكذا.

وبالتالي، أصبحنا هنا أكثر نضجاً وتحملاً للمسؤولية، وإبتعدنا عن كل أشكال الإتكاليات، وإكتسبنا مقدرة على حسن التصرف في أغلب الظروف.

كثيراً ماأقرأ وأتابع أخبار المجتمع البريطاني، بحكم أنني أعيش بينهم، الى جانب متابعتي لأخبار الصحف المحلية السعودية، وخصوصاً فيما يتعلق بقضايا وأخبار الطلاب المبتعثين، والقرارات الصادرة من وزارة التعليم العالي. كما لا أنسى أخواني العرب في كل مكان، وأتابع الأحداث في سوريا من فترة لأخرى، وادعو الله أن يفرج عليهم، وعلى إخواننا في فلسطين المحتلة.

أما فيما يختص بالتعليم في بريطانيا، فأنا أرى أنه جيد جداً ومناسب لي، خصوصاً أنهم يدفعون الطالب للإعتماد على نفسه كثيراً، وأن يبحث عن كل شيء بنفسه، وقليل هم الأساتذة الذين يزودون الطلبة بالإجابات الجاهزة والحلول المباشرة.

اسراء خلوف - سورية

الجمعة 25 اكتوبر/تشرين الاول

"راجعين يا هوى راجعين، يا زهرة البساتين

راجعين يا هوى، على دار الهوى، على دار الهوى راجعيييييين"

اوقف فيروز قبل ان تصدح لي أشواقاً أكثر في صباح لا تشرق شمسه – إن أشرقت- حتى الثامنة والربع صباحاً. مضى قرابة عشرين شهراً على مغادرتي لسورية. برودة الصباح تكبلني بأفكار كسولة. أفكر ملياً في ارسال بعض الرسائل الالكترونية لبعض الاصدقاء الذين غادروا سورية منذ فترة، واخرين لايزالون عالقين في الداخل وآخرين هائمين بين الحدود. لكني اعدل عن الفكرة تماماً بعد كتابة السلام الرتيب.

بدلا من ذلك أكتب بطاقات بريدية لأصدقاء في اليابان وفرنسا والامارات. ارتب البطاقات حسب اهميتها واضعها في حقيبتي قبل الخروج.

اعتدت هدوء الصمت منذ ان انتقلت لأسكن مع سيدة انكليزية قي قرية "تاين ماوث"، شرق مدينة "نيوكاسل" في انجلترا.

بدلا من التحية ابتسم للمارة و الأطفال. أحدق في وجوه الكلاب والقطط المارة دون ادنى رغبة بلمس فرائهم الدافئ. حتى قط جارتي "ويليام" لم يعد يقترب او يموء مودعاً عند مغادرتي البيت من امامه. عجيب!

أمشي بخطى بطيئة نحو مكتب البريد. نسيت أن المكتب يغلق لاستراحة الغداء بين الثانية عشرة والواحدة ظهراً في "تاين ماوث" فأكمل مسيري نحو الشاطئ، وعندما أصل مكاناً بعيداً قليلا عن ضجيج المرور وأحضان العشاق ورائحة الشواء. اتخذ كرسياً على طريق المنارة واجلس اكتب مذكرتي اليومية بهدوء. على مقعد ليس ببعيد عني يجلس ثلاثة: جدة كبيرة في السن وحبيب و حبيبته. لم اسمع نقاشهم بوضوح ولكن الحبيبة ركبت دراجتها نحو محل السمك والبطاطس المشهور في القرية تاركة الشاب ومن أحسبها جدته أو أمه. تتكئ الجدة على كتفه قليلاً، تحضنه، ثم يبدأن في السير بعيداً عني.

ابدأ بكتابة التاريخ وحكمة يومية في رأس الصفحة. أحاول جاهدة أن أجعل كلماتي ذات معنى.

"العاشر من مايو/ أيار. يوميتي العزيزة: هل تعلمين حقاً من أنا؟

لا! هل يعلم هذا المدى من أنا؟ أنا اليوم حزينة بلا سبب"

وعندما بدأت رؤوس اصابع يدي الباردة تعتاد الكتابة بكسل، جلس بجنبي رجل بعمر "بابا". ركن خوذة الدراجة النارية التي كان يقودها وحقيبة الظهر وجلس يحدق في السماء.

"طيور النورس تحلق منخفضاً اليوم... لابد ان رياح اليوم العالية تشعرها بالنشوة".

لم اعلق على كلامه، ربما لم يكن يتكلم إلي.

فتح الحقيبة وأخرج منها علبة الغداء التي يبدو أنها تحتوي الكثير من السندويتشات التي صنعها بنفسه.

ثم مد يده نحوي.

"تفضلي!"

أخذت منه سندويش التونة وهززت رأسي وابتسمت بالشكر.

"انت لست من النوع الذي يحب الكلام، أليس كذلك؟ ماذا تكتبين؟"

استغربت منه سؤاله كثيراً. لا يتدخل الانجليزعادة بشؤؤن غيرهم، لكنه كان رجلاً فضولياً أكثر من كونه انجليزياً.

"مذكرات"

" جميل. لم اكتب مذكراتي مذ كنت شاباً في الثانوية العامة. ايه أيام زمان! أنت لست من نيوكاسل، صحيح؟ لهجتك ليست شمالية! من أي مدينة أنتي؟"

"انا لست من انجلترا!"

"حقاً؟ من أين حضرتك؟"

"سورية"

"سورية؟ حقاً؟ حقاً؟ كنت في سورية عام 1997! ياللصدفة. من دمشق؟"

"حلب. هل تعرف حلب؟"

وبدأنا يستدرجني فضوله للحديث أكثر وفعلاً غيّر هذا الرجل الغريب مجرى يومي.

أخذني بحديثه الى أسواق الشام القديمة ومساجدها والقلعة وقاسيون. بدأ ينتشي ويتخيل سندويتشته تتحول فلافل أو شاورما وأخبرني بما اشترى من هدايا لخطيبته يومها، والتي هي زوجته الان و كيف ان شاباً غريباً تماماً عرض عليه العشاء و المبيت في بيته احدى الليالي وكيف استقبله أهل ذلك الشاب السوري بالحفاوة والترحيب. ثم توقف عن الاكل ونظر الي مستفسراً.

"للأسف لا أعتقد أن احداً هنا عرض عليك تلك الضيافة، هل أنا مخطئ؟"

"نعم ،أنت مخطئ قليلاً فأنا أعيش مع صديقة انجليزية الآن

"عظيم! وماذا يقول لك الناس هنا عندما تخبريهم بأنك سورية؟"

ضحكت من سؤاله. كانت دائماً ردود الناس عبارة عن مشاعر أسف وتعاطف وأحياناً ضمّات خفيفة يزول أثرها في اليوم نفسه.

ويتكرر السؤال الذي يتبع "من أين أنت؟"؛ "وهل أهلك بخير؟ هل هم في داخل سورية؟ هل تحتاجين مساعدة؟"

ربت العم على كتفي قبل ان يقوّم جسده مستعداً للمضي نحو دراجته.

" لن أسألك عن ذلك. لن أسألك عن أيٍ من ذلك! انت فتاة شجاعة وقوية، انا متأكد مما أقول."

مدّ لي يداً فيها سندويتش اخرى.

"أنا شبعت. اطعمي بعضها للطيور إن حطت بجانبك. سأدعوا للناس في سورية! انتبهي لنفسك"

ومضى..

مضى قبل أن يسأل ما اسمي و من أنا..

قبل أن اخبره عن جدتي وجدي وزوج عمتي و سعيد ونورا ومحمد وكرم وكل من رحل مع "شادي"

لم يدعني أخبره حتّى كيف "ضاع شادي".

الاثنين 21 اكتوبر/تشرين الاول

لابد لكل فتاة من سبب او سرّ يدفعها للبكاء يوماً، لابد من ذلك. من تلك التي لا تعرف طعم البكاء؟ ولكني انا الجبانة يكبلني خوفي من الموت والضياع. أهاب الموت لدرجة اني اشتم رائحته كلما اقترب مني او من احبتي لأني لم أقابله بعد. لم ار الموت وجها لوجه بعد ولذلك أبكي أياماً طويلة خوفاً من يوم يضطرني فيه الموت للمواجهة.

كان ذلك في الفترة الاولى بعد ان وصلت مدينة "نيوكاسل" في بريطانيا، واستقر بي المقام في غرفة سكنية للطلاب، وتعرفت على عدد لا بأس به من الاصدقاء كي ابقي مشاعر الحنين والقلق على الاهل والاصدقاء بعيدة قدر الامكان.

وعند اقتراب نهاية العام، بدأ عدد الطلاب يقل أكثر فأكثر، منهم من عاد لمدينته في انجلترا، ومنهم المسافر الى بلده لقضاء عطلة الميلاد مع أهله وخلانه. بقينا انا و صديقتي "زوي" من الصين فقط قابعتين في دورين مختلفين من نفس السكن. وفي ايام يناير/كانون الثاني ساد هدوء غير مريح ارجاء السكن الطلابي وافتقدت ضجيجهم جميعاً. كنت احاول جاهدة ألا ابقى في الغرفة، و ألا أفكر سلبياً بأي شيء, لكن قلقي ازداد مع مرور الايام ولم أتمكن من الاتصال بأهلي في حلب لاسابيع.

كانت تصلني أخبار من اصدقاء لي يعيشون في مناطق مجاورة للحي السكني، الذي يسكن فيه أهلي، ولكن أخبارهم أيضاً انقطعت لفترة مما جعل الأرق يزورني بضع ليال. ومرت قرابة الشهر ارقب فيها الشبكات الاخبارية و صفحات "الفيسبوك" انتظر اخبارهم دقيقة بدقيقة. لكن الصفحات كانت مليئة بأخبار استمرار انقطاع التيار الكهربائي والهاتف وخدمة الانترنت.

حاولت ان اشرح لزوي قليلاً سبب الهالات السوداء والعيون المنتفخة عندما كنا نجتمع على مائدة عشاء واحدة.

"لا تقلقلي. هم بخير. انت تصلين كثيراً لهم... افهم خوفك حقاً لكني لا استطيع تخيله. سمعت من جدي ووالدي عن الثورة الثقافية في الستينيات و..."

لكني لم اعد اسمع ما تقوله زوي ذلك اليوم. كان عقلي يقول باستهزاء: "ولكنك لم تخلقي آن ذاك. كيف لك ان تعرفي طعم الحرب ان لم تكوني ولدت حينها!"

لكن وجود زوي خفف من حدّة تفكيري عندما بدأنا بالحديث عن رأس السنة الصينية والتنين. تركنا طاولة العشاء وذهبت كل منا الى غرفتها على وعد بالافطار معا في الصباح. نمت ليلتها على هاجس ان يرن هاتفي و تتكلم امي طويلاً وتخبرني ما صنعته طول فترة هذا الغياب ومن التقت من الجيران وماذا طبخت ومن التقت، وإن كانت أختي دلع الصغيرة لاتزال ترسمني في كراستها من حين لآخر.

استيقظت صباحاً على هاتفي يرن بإصرار وجريت مسرعة لالتقطه بعد ان ادركت انني استيقظت من الحلم وان أمي ربما كانت تتصل بي منذ ساعات... ولكنها لم تكن أمي.

"إسراء، كني فيقتك؟"

" لا عادي مو مشكلة. خير شوفي رولا؟"

" مافي شيء. بس بدي أطّمن. حكيتي شي مع اهلك؟. هم في حلب الجديدة، ما هيك؟"

" لا لسه. اي خير شوفي!؟"

لكنها لم تخبرني بكل شيء.

"ان شاء الله خير. ما تخافي...افتحي على قناة الجزيرة او البي بي سي. اظن انه ليس شيئاً كبيراً... بس تطمني، وطمنيني ايضاً" وأغلقت الهاتف.

جلست في نفس البقعة التي كنت اقف فيها ساعات اتابع التقارير والاخبار نفسها تتكرر. الشريط الاخباري نفسه يعيد الحدث مرات كثيرة لأتأكد من انه حقيقي.

"انفجار كبير في حي حلب الجديدة. سقطت اليوم صباحاً عدة قذائف على مدرسة قتيبة بن مسلم".

حملت الهاتف بسرعة واتصلت برقم البيت العتيق، لكن حرارة شوق الحديث لامي لم تقابلها حرارة الحياة من هاتفهم. حاولت كثيراً، ثم استسلمت في النهاية لرنات الخط المقطوع. بكيت كثيراً، كثيراً جداً.

" لا ، لا... هم بخير. أكيد هم بخير. انا أصلي وادعو لهم دائماً" ثم اعود للعويل.

اتصل بهاتف أخي ورد المجيب الالي

"أهلا بكم على شبكة ام تي ان. هذا الرقم غير موجود حالياً..."

(ملاحظة : تمكنت من الاتصال بهم بعد يوم او يومين. قسم من البيت تهدّم وأصيبت أختي الصغيرة دلع باليرقان لكنهم كانوا جميعاً بخير والحمد لله)

الجمعة 18 اكتوبر/تشرين الاول

مصدر الصورة israa
Image caption اسراء طالبة ماجستير بجامعة نيوكاسل

حين تذوق الفراشة طعم التحليق بحرية، حين تعرف نشوة تحريك أجنحتها في الفضاء لا يعود بوسع أحد إعادتها إلى شرنقتها، ولا إقناعها بأن حالها كدودة أفضل... كلمات لغادة السمان.

كلفتني جامعة "نيوكاسل" بتصوير مقابلة مع الشاعر البريطاني "سيمون ارميتاج"، وذلك بعد ان رحّبت مشرفتي الدراسيّة "تينا" بالتجربة، وقناعتها بأنها ستبني ثقتي وقدرتي كمصورة وكاتبة. اودعتني أمانة الجامعة كل الاجهزة اللازمة لأداء المهمّة على أكمل وجه وأرفقتني ببعض النقود لشراء تذاكر السفر. حملت الحقيبة السوداء الكبيرة، وقاعدة الكاميرا الثلاثية وجهاز التسجيل وانطلقت بحثاً عن القطار الذي سيأخذني لمدينة "شيفيلد" التي تبعد عن مدينتي قرابة 4 ساعات.

لكن روح المغامرة والفرصة الاولى لإثبات نفسي للجامعة بدأت تعيد لي أياماً مضت. أعيد تشغيل شريط فيديو قديم في عقلي آلاف المرات. احمل رزمة من الاوراق في مجلّد أزرق شفّاف.

"دكتورة فلانة، من فضلك اقرأي نصي المسرحي واعطني رأيك لو سمحتي".

وتأتي الاجابة: "لا تضيعيّ وقتك بالتفاهات. اهتمي بالكتب المطلوبة بالمنهج فقط... بيني و بينك – لن ينفعك هذا بشيء".

"ولكن يا دكتورة...."

وفي سنة أخرى, اصعد للطابق الثالث من مبنى كلّية الاداب. أدّق بابها آلاف المرات.

"لا!".

"دكتورة، من فضلك. أبوس ايديكي، وقّعي لي أوراق الإيفاد!"

"من أنتِ حتى تعلّميني كيف أقوم بعملي، ها؟ عودي بعد أسبوع!"

ولكننا نتذكر دائما من خذلنا، بسذاجة.

تستمر التغطية الخاصة لموسم "100 امرأة يغيرن العالم" على البي بي سي العربية خلال شهر أكتوبر/تشرين الاول، حيث سيتم تقديم تقارير على التلفزيون والإذاعة وعبر موقعنا على الانترنت تتناول موضوعات وقضايا تهم المرأة.

تسعى البي بي سي من خلال تغطيتها الخاصة "100 امرأة يغيرن العالم" إلى تسليط الضوء على حياة المرأة، والتحديات والفرص التي تواجهها كل يوم في أجزاء كثيرة من العالم.

وسنختتم التغطية الخاصة بإطلاق مؤتمر يوم 25 أكتوبر/تشرين الاول، يضم 100 امرأة من جميع انحاء العالم، يناقشن موضوعات مختلفة تهم المرأة.

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الإلكتروني والرسائل النصية ومواقع التواصل الاجتماعي، كما يمكنكم متابعة الحوار على تويتر باستخدام هاشتاج Women100# أو #مائة_امرأة.