مصر: هل يرى الدستور الجديد النور؟

Image caption موسى: "نسعى لتحقيق المصلحة العليا للبلاد".

تستعد لجنة الخمسين لتعديل الدستور المصري للتصويت النهائي على مسودة الدستور قريبا وسط جدل حول بعض المواد التي أثار إقرارها بشكل أولي اعتراضات شديدة ومطالب من جانب بعض الفئات التي هددت بإطلاق حملة للتصويت بلا على الدستور في الاستفتاء.

لم يتضح إلى أي مدى قد يكون لهذه التحركات تأثير على مصير الدستور المحتمل طرحه للاستفتاء في أواخر ديسمبر/كانون الأول المقبل، وإلى أي مدى ستتجاوب اللجنة مع المطالب المطروحة قبل ساعات من التصويت النهائي عليه.

أبرز المواد الخلافية كانت مواد الهوية وإلغاء نسبة العمال والفلاحين في المجالس النيابية وإلغاء مجلس الشورى والفشل في تبني نظام انتخابي وإحالته للمشرع (الرئيس) بالإضافة إلى محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية.

تؤكد اللجنة أن الدستور لن يرضي الجميع وأن الاعتراضات التي أبدتها بعض الأطراف هي أمر طبيعي، وأنها لا تسعى لتحقيق مصالح فئات أو أشخاص بعينهم بل تنشد المصلحة العليا للبلد.

وأوضحت على لسان متحدثها محمد سلماوي أن عدد المواد الكاملة للدستور بلغ 241 مادة منها 51 فى المقومات الأساسية و58 فى الحقوق والحريات و132 مادة فى نظام الحكم وهناك 39 مادة مستحدثة لم ترد من قبل فى دساتير مصر.

فرص إقرار الدستور

يقول الدكتور عمرو هاشم ربيع أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة لبي بي سي إن هذه الخلافات الحالية لن تؤدي إلى إسقاط الدستور حينما سيتم الاستفتاء عليه.

وأوضح أن الرهان سيكون في وجود نسبة إقبال كبير من المصوتين بنعم تتجاوز من صوتوا على الدستور السابق في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي والذي أقر بنسبة بلغت حوال 64 في المئة.

واعتبر أن تأثير التحركات المناوئة لإقرار الدستور سيتمثل فقط في دفع البعض للتصويت بلا، لكن نسبتهم لن تكون مؤثرة في إقراره في نهاية المطاف.

يحظى الفلاحون والعمال بنسبة تمثيل 50 في المئة في المجالس النيابية منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

أثير أيضا جدل كبير حول المواد التي تتحدث عن هوية الدولة وسط مطالب بالتأكيد على مدنيتها والتصريح بذلك بشكل واضح في الدستور، ووجود خلاف حول المادة 219 المفسرة لمبادئ الشريعة والتي لم يحسم أمرها ولا تزال محل خلاف بين ممثلي الكنيسة وحزب النور السلفي الذي يرى ضرورة تفسيرها في حين تطالب الكنيسة وقوى مدنية بإلغائها.

واقترحت اللجنة وضع مادة انتقالية تنص على نسبة للأقباط وللشباب والمرأة والعمال في البرلمان المقبل تكون 10 في المئة للمرأة و20 في المئة للعمال والفلاحين و10 في المئة للأقباط و10 في المئة للشباب.

يقول الدكتور حسن سلامة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة في مقابلة خاصة مع بي بي سي إنه من المستحيل وجود إجماع بنسبة 100 في المئة على أي دستور، ولا بد من وجود وجهات نظر متعددة، لكنك ذلك لن يؤدي في النهاية إلى رفضه.

يشير سلامة إلى وجود سببين رئيسيين وراء ذلك، أولهما وجود إرادة سياسية من جانب القائمين على اللجنة لإنجاز مسودة الدستور، لأنهم يدركون أن التوصل إلى قدر من التوافق أفضل بكثير من غياب التوافق تماما.

ويرى أن السبب الثاني يتمثل في وجود رغبة من الناس في صياغة شكل جديد من نظام الحكم.

واعتبر أن مشروع الدستور ليس الأفضل على الإطلاق، لكنه الأفضل في المرحلة الراهنة.

ورأى أن الناس مؤهلة للمشاركة الإيجابية في الاستفتاء على الدستور لأنها تشعر بضجر شديد من استمرار توقف الإنتاج واستمرار المظاهرات والاحتجاجات، وهذا يمثل أمل بالنسبة لهم يتشبثون به.

وردا على التهديدات بالتصعيد التي أطلقتها بعض القيادات العمالية والفلاحين للحشد ضد الاستفتاء على الدستور، اعتبر سلامة أن هناك محاولة لاحتواء الموقف حاليا من خلال مقترح تخصيص نسبة لهم ولبعض الفئات الأخرى مثل الأقباط والمرأة والشباب.

وأشار إلى وجود محاولات لإقناع العمال والفلاحين بأنهم لم يستفيدوا من نسبتهم السابقة التي كانت مخصصة لهم والتي استفادت منها أطراف أخرى لا يمثلونهم.

وقال إن إلغاء نسبتهم ليس لهضم أو إلغاء حقوقهم لكنه يأتي بدافع مسايرة العصر الذي اختلفت ظروفه تماما عن الفترة التي كانت أقرت فيها هذه النسبة خلال عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

"منزلق خطير"

واستبعد الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية في تصريح لبي بي سي أن تؤدي الخلافات الحالية حول الدستور إلى التصويت عليه بلا في النهاية بالرغم من أنه يأتي "معيبا" وليس على مستوى طموحات الثورتين المصريتين، في إشارة إلى ثورة 25 يناير 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس السابق حسني مبارك والاحتجاجات الحاشدة في 30 يونيو 2013 والتي انتهت بعزل الرئيس ذي التوجه الإسلامي محمد مرسي.

ورأى الدكتور نافعة أن حالة من الاستقطاب ستحدث حول الدستور، لكن الأغلبية ستصوت لصالحه، مشيرا إلى وجود رغبة من قوى عديدة بعدم السماح لجماعة الإخوان المسلمين أو القوى المتحالفة معها بتحقيق مكاسب سياسية من أي نوع.

ورفض نافعة فكرة تخصيص نسب لفئات محددة من المجتمع، كالعمال والفلاحين والشباب والأقباط والمرأة في البرلمان، وقال إن أي محاولة للعودة إلى سياسة التوازنات القديمة وإنتاج نفس النظام ستضعف الدستور القادم وسيبدو مهلهلا مقارنة بدستور 2012.

ورغم اعتراضه على تخصيص نسبة 50 في المئة للعمال والفلاحين، حذر نافعة من أن نظام الحصص هو بداية "لمنزلق خطير جدا" قد يفضي إلى نموذج مشابه للنموذج اللبناني.

وأوضح أن تمثيل هذه الفئات يمكن أن يتم من خلال آليات أخرى عبر تشريعات في الحكومة أو البرلمان لصالح الفقراء بشكل عام والفئات الأكثر احتياجا.

واقترح في هذا الصدد بأن يصوت العمال والفلاحون للأحزاب التي تتبنى قضايا العدل الاجتماعي مثل الأحزاب الاشتراكية بدلا من تخصيص نسبة كبيرة لهم في البرلمان لم يستفيدوا منها في السابق.

تمثيل العمال والفلاحين

Image caption إعداد دستور جديد أحد بنود خارطة الطريق التي وضعها الجيش عقب الاحتجاجات الحاشدة التي أدت لعزل مرسي.

شهدت أزمة إلغاء نسبة الفلاحين والعمال تصاعدا خلال الأيام القليلة الماضية وهدد ممثل الفلاحين ممدوح حمادة في لجنة الخمسين بالانسحاب من اللجنة، وحشد الفلاحين والمواطنين بمختلف فئاتهم للتصويت بلا على الدستور القادم خلال الاستفتاء.

أشار ممثلو الفلاحين إلى إمكانية القبول بإلغاء النسبة بشرط إلغاء أى كوتة لأى فئة أخرى بالدستور، إلى جانب الإبقاء على غرفة ثانية للبرلمان مع تخصيص نسبة 50% للعمال والفلاحين بها.

دعا عبد الفتاح إبراهيم رئيس اﻻتحاد العام لنقابات عمال مصر الذي أعلن انسحابه من لجنة الدستور اﻹثنين الماضي اللجنة إلى مراجعة قرارها في هذا الشأن الذي اعتبر أنه يقصي "70 في المئة من الشعب".

وقال في تصريح نقلته صحيفة الأهرام شبه الرسمية "لا تجعلونا وقودا يستخدم لحرق هذا الوطن بل اجعلونا سواعد قوية تبني وطنا قويا متلاحما".

وتابع "أننا نريد بناء دولة حديثة على المشاركة وليس التفرقة".

وردا على سؤال حول استغلال نسبتهم في الماضي، أوضح رئيس الاتحاد قائلا "نعم لم يستفيدوا ولكن ليس العمال هم السبب في عدم الاستفادة" مشيرا إلى أن الحكومات السابقة والمتحكمين في السلطة هم من كانوا يستغلون هذه النسبة لصالحهم فقط.

دستور لجميع المصريين

وأكد عمرو موسى، رئيس لجنة الخمسين لتعديل الدستور أن صياغة الدستور الحالية لا تعبر عن مطالب فئوية أو طائفية وإنما تسعى لصياغة دستور لجميع المصريين.

وأضاف "نقول لمن يعترضون على بعض مواد الدستور لا نسعى لصياغة دستور فئوى ولن نرضى الجميع فالبعض يرضى والآخر يعترض وفى النهاية نحن نحقق المصلحة العليا للدولة وليس مصالح أشخاص".

وحول تهديد البعض للحشد بالتصويت بـ"لا" على الدستور بسبب إلغاء نسبة الفلاحين والعمال قال "نتفهم أن البعض قد يرضى والبعض قد يغضب بدليل ما حدث مع الهيئات القضائية".

القضاء العسكري

أثار إقرار لجنة تعديل الدستور ردود فعل حادة من جانب الحركات الثورية بسبب إقرار مادة في مسودة الدستور تسمح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية.

وقال أحمد ماهر مؤسس حركة 6 إبريل إن القوى الثورية رفضت دستور عام 2012 خلال عهد الرئيس المعزول محمد مرسي وانسحبت من اللجنة التأسيسية للسبب ذاته.

وقال عمرو على المنسق العام للحركة فى بيان لها إن الحركة ستدعو المصريين للتصويت بـ"لا"، على الدستور القادم إذا لم تتراجع لجنة الخمسين عن هذه المادة.

لكن خبراء قانونيين ذكروا أن الصياغة الجديدة للنص الخاص بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية تمثل تقدما نسبيا بالمقارنة بدستور 2012.

وقال أسعد هيكل المحامى والناشط الحقوقى المتحدث الرسمى للجنة الحريات بنقابة المحامين إن النص القديم كان يشير إلى ما يسمى بالجرائم التى (تضر) القوات المسلحة، وهذا لفظ فضفاض لم يحدد أنواع هذه الجرائم على سبيل الحصر، في حين أن النص الجديد يحصر أنواع الجرائم التى يمكن أن يحاكم بسببها المدنيين أمام القضاء العسكرى، واشترط النص أن تقع مباشرة على القوات المسلحة.

من جانبه اعتبر المتحدث باسم اللجنة محمد سلماوى أن المادة الجديدة الخاصة بالقضاء العسكري أصبحت مختلفة تماما عن النص السابق فى دستور 2012 المعطل.

وأوضح سلماوي أن المادة السابقة كانت تنص على أن المحاكمات العسكرية فى الجرائم التى تضر بالقوات المسلحة، أما النص الجديد فينص على أنه لا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري إلا فى حالات واستثناءات نص عليها في الصياغة الجديدة.

النظام الانتخابي

جاءت مواقف الأحزاب والقوى السياسية متباينة بشأن إسناد لجنة تعديل الدستور حسم مسألة النظام الانتخابى لرئيس الجمهورية.

Image caption تشهد مصر أزمات في أوساط السلطة القضائية من حين لآخر.

رأي البعض أن هذا سيزيد من صلاحيات الرئيس، خاصة أنه من السلطة وقد يكون له مصلحة فى النظام الانتخابى للانتخابات البرلمانية القادمة، بينما رحبت أطراف أخرى بخروج مادة النظام الانتخابى من الدستور، مؤكدين أن الدستور يجب أن يحتوى على مواد عامة مجردة، وأن رئيس الجمهورية هو الجهة الأنسب لتحديد النظام الانتخابي، خاصة أنه الجهة التشريعية الوحيدة في ظل غياب البرلمان.

وقال محمد العرابى رئيس حزب المؤتمر إن الدستور لا يجب مطلقا أن يحتوي على تفاصيل مثل طبيعة النظام الانتخابي، واصفاً اختيار لجنة الدستور لرئيس الجمهورية لحسم النظام الانتخابى بالجيد،، كونه الجهة التشريعية الوحيدة فى مصر.

وأعلن حزب النور رفضه اسناد لجنه الخمسين لتعديل الدستور حسم مسألة النظام الانتخابي لرئيس الجمهوريه، معتبرا انه لن يكتسب مشروعيه الاستفتاء، وانه من الاولي ان يناقش ذلك من خلال اللجنه.

واكد شريف طه المتحدث الرسمي باسم حزب النور أن هناك رغبه من قبل مجموعات وصفها بانها اصحاب "مصالح واتجاهات معينه" داخل لجنه الخمسين، تسعي لتمرير النظام الانتخابي الفردي الذي يلقي معارضة واسعة من كل الأحزاب السياسية، باعتبار انه يسمح لمجموعات مصالح ورجال اعمال بالهيمنه علي البرلمان، كما كان موجودا قبل ثورة 25 يناير.

أزمة القضاة

اشتعلت أزمة متفاقمة في أوساط السلطة القضائية خلال الأيام الماضية عقب إقرار لجنة الخمسين لمواد السلطة القضائية دون منح النيابة الإدارية اختصاص القضاء التأديبي، وهو ما أثار حفيظة هيئة النيابة الإدارية وقضايا الدولة.

هددت الهيئتان بتعليق عملهما كممثلين للادعاء التأديبي أمام محاكم مجلس الدولة للهيئة الأولي وكنائبين عن الحكومة بالنسبة لقضايا الدولة، وعبرتا عن اعتراضهما الشديد ضد ما وصفوه بسلب اختصاصاتهما واهمال مطالبهما من قبل لجنة الخمسين.

وكانت اللجنة انحازت في المواد التي أقرّتها إلى نصوص لجنة الخبراء التي أعدّتها في مسودة تعديلاتها للدستور التي قدمتها، وحسمت اللجنة الخلاف لصالح مجلس الدولة، فيما أبقت على جميع اختصاصاته وألغت من النيابة الإدارية اختصاص القضاء التأديبي الذي كانت تطالب به النيابة، وكانت لجنة نظام الحكم قد أقرته من قبل.

وهدد ممثلو النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة في الجمعية العمومية المشتركة التي عقدت الخميس باتخاذ إجراءات تصعيدية وصلت لحد التهديد بعدم المشاركة في الاستفتاء المقرر على الدستور الجديد أو الإشراف عليه.

وأشارا إلى أنهما قد يوجهان الدعوة للمجالس الخاصة للهيئتين للنظر في الاستقالات الجماعية التي قدمها مستشارو الهيئتين في حالة عدم الاستجابة لمطالبهم.

ويبقى أن نرى نتيجة التصويت على مسودة الدستور السبت، وموقف القوى والقطاعات المختلفة إزائها، وتأثير تحركاتها في الفترة المقبلة قبل طرحه للاستفتاء، خاصة إذا بقيت هذه المسودة على صورتها لحالية دون تغيير وسط هذه الاعتراضات.

المزيد حول هذه القصة