تجاوزات تقوض سمعة لبنان كبلد متسامح إزاء المثليين جنسيا

Image caption نشطاء يدافعون عن حقوق المثليين يطالبون بتعديل قانون العقوبات اللبناني.

تنبض الحياة وسط الظلام في العاصمة اللبنانية بيروت، حيث تفضي أزقتها الضيقة إلى شوارع مليئة بالحانات.

يجلس السكان المحليون، والعديد منهم يرتدي ملابس على أحدث تصميم، وتفوح من ملابسهم روائح عطور غالية الثمن، على الشرفات، يحتسون الكوكتيل حتى الفجر. السلوك المتحرر لهذه المدينة يجعلها بالفعل تبدو مختلفة عن أي مكان آخر في منطقة محافظة للغاية.

لكن بيروت لديها جانب آخر يبرز هذا الاختلاف، إذ لديها مشهد سري للمثليين جنسيا، لكنه نشط بشكل كبير للغاية.

هناك حانات وأندية خاصة بالمثليين جنسيا، لكنها سرية وغير مرحب فيها بدخول وسائل الإعلام حينما تكون هذه الحشود متجمعة.

"مشاهد غير لائقة"

لكن أحداث ما وقع مؤخرا قيل إنه قوض سمعة لبنان كبلد متسامح نسبيا إزاء السحاقيات والمثليين جنسيا، والمخنثين والمتحولين جنسيا.

فقد داهمت الشرطة العام الماضي إحدى دور السينما في بيروت، ويعتقد أنها اعتقلت أكثر من ثلاثين مثليا، خضعوا لفحوص شرجية من أحد الأطباء في مركز للشرطة، للتأكد إن كانوا أقاموا علاقة جنسية "غير طبيعية" أم لا.

وفي يونيو/حزيران الماضي، ظهر الطبيب النفسي الدكتور نبيل خوري على التلفزيون في فترة الذروة ليؤكد أمام جمهور المشاهدين أن الشذوذ الجنسي أصبح "مرضا ينبغي علاجه".

وبعد مرور أربعة أشهر، حظرت أجهزة رقابية عرض فيلم فرنسي يتحدث عن قصة حب لمثليين جنسيا خلال مهرجان بيروت السينمائي الدولي. وأشارت وزارة الداخلية إلى تقرير إخباري عزا هذا القرار إلى "مشاهد غير لائقة لتبادل قبلات ومغازلة بين رجال مثليين، ومشاهد رجال عراة، وجماع بين رجال".

اختبار "مهين"

وفي إحدى الحانات الخاوية على مشارف بيروت، أبلغني شاب في العشرينيات من العمر كيف أنه اعتقل مؤخرا لأنه مثلي.

رفض الشاب الكشف عن هويته لأنه يخشى اعتقاله مرة أخرى. وكشف عن خضوعه لاختبار شرجي كان مؤلما ومهينا للغاية.

وقال "كان مهينا بالفعل، جعلني أشعر وكأنني لا أتمتع بحقوق الجسد، حيث إن الحكومة انتهكت جسدي".

وأضاف "لم أكن مستقرا نفسيا، كنت مكتئبا بالفعل لفترة طويلة، كنت أشعر بامتعاض شديد، وكنت أجلس في عزلة مع نفسي طوال الوقت".

ورغم أن الحكومة نددت بقوة وحظرت اختبارات الشرج بعد حادث مداهمة دور السينما، فإن بي بي سي تحدثت لعدد كبير من المثليين الرجال في البلاد الذين يعتقدون بالفعل بأن هذه الممارسة لا تزال جارية.

وقال أحمد صالح من جمعية "حلم" المدافعة عن حقوق المثليين إن "وزارة العدل ونقابة الأطباء حظرت هذه الاختبارات".

Image caption توقف لبنان عن وصف المثلية الجنسية مرضا.

وأضافت "لكن وردتنا تقارير من أشخاص اعتقلوا، أبلغونا بأن ضباط شرطة هددوهم وقالوا لهم إنهم سيخضعون لهذه الاختبارات إذا لم يعترفوا بأي اتهامات توجه لهم".

ويعرف اختبار الشرج على نطاق واسع بأنه طريقة لتحديد طبيعة النشاط الجنسي، لكن بعض المثليين يتجنبون ممارسة الجنس الشرجي، كما يمكن خطأ من خلال هذا الاختبار تحديد حالات أخرى لأشخاص ليسوا مثليين.

"ثقافة الإفلات من العقاب"

وأوضحت الجمعية اللبنانية للطب النفسي بشكل علني أن المثلية الجنسية ليست اضطرابا عقليا، ولا تتطلب علاجا، لكن المدافعين عن حقوق المثليين لا يزالون يعتقدون أن ذلك غير كاف.

ويطالب هؤلاء بإلغاء المادة 534 من قانون العقوبات اللبناني التي تجرم "كل مجامعة على خلاف الطبيعة".

ويعتقد المدافعون عن حقوق المثليين بأن هذه المادة أسيء استخدامها لملاحقة المثليين، لكن لا توجد علامة تذكر على أن الحكومة ستتخذ إجراءات ضدهم في أي وقت قريب.

وقال ديفيد ميفام مدير هيومان رايتس ووتش في بريطانيا، التي نشرت تقريرا في يونيو/حزيران حول سوء معاملة المثليين في مراكز الشرطة "لقد وثقنا أنواعا خطيرة جدا من الانتهاكات، ويجب أن ينتهي هذا النوع من الإساءة، ويجب أن تنتهي هذه الثقافة للإفلات من العقاب".

وفي دول مثل السعودية وإيران يمكن أن يعاقب المثليون جنسيا بالإعدام.

وقد توقفت منظمة الصحة العالمية والعديد من الدول الغربية عن اعتبار المثلية الجنسية مرضا قبل سنوات، وأصبح لبنان أول دولة عربية تتبنى ذلك في يوليو/تموز الماضي.

رحلة طويلة

وبالرغم من ذلك، فهناك كثيرون في هذا البلد تتوافق آراؤهم مع تعاليم الإسلام والمسيحية التي تحرم تقليديا الشذوذ الجنسي.

وقالت سميرة طبري وهي مدرسة لغة إنجليزية للمرحلة الابتدائية "بالنسبة لي، أعرف أنه إثم، ولذا لا أقبل به، أعلم أننا نرتكب ذنبا كل يوم، لكن هذا شيء شاذ. يجب أن نتصدى له، إنه خطأ كبير، ليس طبيعيا".

وأضافت "لقد خلقنا الله رجالا ونساء، وليس رجلا ورجلا، ولا ينبغي فقط اعتقالهم، لكن يجب أن نوضح لهم أن هذا ليس سليما".

وهناك بين بعض المثليين متفاؤلون بالمستقبل، ويقولون إن وسائل الإعلام تكرس المزيد من الوقت والاهتمام بقضية المثليين جنسيا، ويأملون في أن هذا قد يساعد في إنهاء التحيز ضدهم والصور النمطية إزاءهم.

لكنني حينما جلست في حانة للمثليين، وكانت خالية من الرواد، أدركت إلى أي مدى هناك حرص على إخفاء هذا المشهد، حينما قال لي صاحب الحانة "أتمنى أنكم لا تسجلون شيئا من هذا".

حالة الخوف واضحة، وتبين مدى مشقة الرحلة التي يجب أن يخوضوها حتى يكونوا مقبولين في هذه "المدينة الليبرالية".

المزيد حول هذه القصة