تراث مانديلا في الشرق الأوسط

مانديلا وياسر عرفات
Image caption خلال سنوات اعتقاله، اعتبره قادة منظمة التحرير الفلسطينية زميل في النضال

قد لا تجد أبداً حياة تشبه حياة مانديلا، كما لا يمكن أن تجد موتا يشبه موته، فالرجل الذي اختار أن يواجه الاعتقال بالصبر والعنصرية بالمصالحة أصبح تجسيداً لأسمى نزعاتنا نحو إحلال السلام.

اختار مانديلا الطريق الصعب نحو التسامح والمؤازرة في حين كان يمكن التماس العذر له إن اختار طريق القسوة والانتقام.

لذلك، ليس غريباً أن تتصارع الفئات المختلفة لإبراز روابطها بمانديلا والتأكيد على دلالاتها.

ويأتي الشرق الأوسط على رأس مناطق هذا الصراع.

الحقيقة أن مانديلا لم يقحم نفسه كثيراً في صراعات الآخرين، وربما استخدم القليل من سلطته الأدبية الواسعة بتدخله الطفيف في مناطق الصراع المختلفة حول العالم.

ويعد الشرق الأوسط أحد المناطق التي نعرف بعضا من ارتباطات وأفكار ومشاعر مانديلا تجاهها.

إعجاب متبادل

ويمكن للفلسطينيين بمنتهى البساطة إثبات دعم مانديلا لقضيتهم، فخلال سنوات اعتقاله، اعتبره قادة منظمة التحرير الفلسطينية زميلا في النضال، فيما يشبه عائلة دولية من حركات التحرر.

كذلك قدم كلٌ من الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي والزعيم الكوبي السابق فيدل كاسترو دعمهما السياسي والمادي له خلال سنوات حبسه الطويلة الموحشة.

ولم ينس مانديلا هذه المواقف، حتى بعد أن سطع نجمه دولياً في عالم السياسة، بينما ظل بعض داعميه في الجانب الخاسر من التاريخ.

وعندما مات ياسر عرفات وصفه مانديلا بـ "رمز بكل ما تعنيه الكلمة".

وأضاف مانديلا "كان عرفات أحد أبرز المقاتلين من أجل الحرية في زمنه ومن المؤسف أن حلمه وحلم شعبه بدولة فلسطينية لم يتحقق".

يقول نبيل شعث وزير الخارجية الأسبق في السلطة الفلسطينية والذي كان يعرف مانديلا معرفة شخصية إن الرابطة السياسية بين عرفات ومانديلا كان يدعمها دفء شخصي بينهما.

وأضاف أن الفلسطينيين تعلموا الكثير من المؤتمر الوطني الأفريقي بخصوص الحفاظ على زخم الحملات الدولية على مدار سنوات من النضال.

وقال شعث لبي بي سي "أعتقد أنهم أداروا أفضل حملة على مستوى العالم لإنهاء التمييز العنصري، وهناك الكثير لنتعلمه منهم، بالإضافة إلى دروس في المصالحة الوطنية".

نصيحة لإسرائيل

Image caption مانديلا: إن غيرتم أسلوبكم تجاه الفلسطينيين، يمكن إذن أن نفتح صفحة جديدة مع إسرائيل

في حين يسعى كل طرف لإثبات صلته بأسطورة مانديلا، يصعب على إسرائيل إدعاء مثل هذه الصلة.

كانت إسرائيل داعماً سرياً وحليفاً ومصدر سلاح لحكومة التمييز الجنوب أفريقية، ويمكن القول إن الدعم الإسرائيلي ساعد حكومة التمييز العنصري المشكلة من البيض في بريتوريا على الاستمرار لفترة أطول.

وقد لاحظ مانديلا أنه بعد خروجه من محبسه تلقى دعوات لزيارة "كل دول العالم تقريباً فيما عدا إسرائيل".

وعندما أرسلت له إسرائيل دعوات زيارة بلغت أربع دعوات خلال فترة التسعينيات، لم يسارع مانديلا بالقبول.

ولم تكن مصادفة أنه عندما قبل مانديلا الدعوة في 1999، كان ذلك في الوقت الذي بدا فيه أن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك أقرب ما يكون لتحقيق اتفاق سلام مع الفلسطينيين.

ولابد أن مانديلا كان يأمل في أن يحقق وجوده دفعة أخيرة نحو هذا المسار.

لم ينته الأمر كما ظن مانديلا، لكنه أصر على توضيح موقفه من القضية عندما زار وزارة الخارجية الإسرائيلية.

وقد ورد عن لسانه "سوف يظل الحديث عن السلام أجوفا إن استمرت إسرائيل في احتلال الأراضي العربية، أفهم تماماً لم تحتل إسرائيل هذه الأراضي، كانت هناك حرب ولكن إن كان سيوجد سلام، لابد من الانسحاب الكامل من هذه المناطق".

صفحة جديدة

لاشك أن روابط إسرائيل بحكومة التمييز قد تركت انطباعاً لدى مانديلا، لكن السفير الإسرائيلي في جنوب أفريقيا ألون لايل قال إن التوصل لاتفاق سلام مع الفلسطينيين كان يمكن أن يغير ذلك.

وصرح لايل "مانديلا كان متردداً بخصوص التعاون وقال لن ننسى أبداً ولكنه قال إن غيرتم أسلوبكم تجاه الفلسطينيين، يمكن إذن أن نفتح صفحة جديدة مع إسرائيل".

وكان بإمكان مانديلا أن يحقق التوازن بين ما هو سياسي وما هو شخصي.

لا شك أن مانديلا كان يتعاطف مع الفلسطينيين كشعب، لكنه لم ينس أبداً الكثير من يهود جنوب أفريقيا الذين ساعدوه في الأوقات الصعبة في بداية حياته.

أحدهم كان الرجل الذي منحه وظيفته الأولى كمحامٍ، وكذلك آرثر جولدريش، اليهودي الأبيض المناضل في المؤتمر الوطني الأفريقي الذي تنكر كفلاح ليخبئ مانديلا بينما كان على حافة مخاطرة شخصية كبيرة.

وكما قال مانديلا نفسه "أدين بالكثير من الإعزاز لليهود، حتى إن كنت قد قلت عبارات استهجان ضد إسرائيل".

في وقت رحيله، سيحاول الجميع أن ينال بعضاً من تراثه لكن للفلسطينيين أكثر بكثير من الإسرائيليين.

ويظل الأمر متروكاً للأطراف خارج الصراع ليدركوا أن المأساة الحقيقية هي أن هذا الصراع لم يخلق بعد نموذج مانديلا الخاص به، الشخصية النبيلة القادرة على أن تصبح أداة لتغيير دائم.