ظهور إصابات بشلل الأطفال في سوريا يثير خشية دول المنطقة

جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

هي مجرد قطرة في الفم، ولكنها القطرة التي تعلّق عليها آمال كبيرة عالميا.

يمنع اللقاح وحده الإصابة بفيروس شلل الأطفال المعدي. فليس من علاج لهذا المرض الذي كان على وشك ان يختفي تماما من العالم، إلى أن عاد وظهر في مناطق عدة، ومنها سوريا مؤخرا.

وأثار هذا التطور الخطير رعبا في المنطقة، خاصة في لبنان، حيث أطلقت حملات تلقيح واسعة وإجبارية.

وتأكدت في سوريا، بحسب منظمة الصحة العالمية، سبع عشرة حالة شلل أطفال، خمس عشرة حالة منها في محافظة دير الزور، بينما ظهرت حالة في ريف دمشق وأخرى في حلب.

وتحركت حكومات المنطقة سريعا لتطويق الفيروس، والتعامل مع هذا الطارىء الخطير.

ولكن، كما يقول بعض الخبراء، فإن توقع ظهور المرض كان ممكنا جدا، وكان كذلك تفادي ظهوره.

"لم يشكل ظهور أمراض معدية في سوريا، كشلل الاطفال، مفاجأة بالنسبة للهيئات الطبية ولخبراء الصحة العامة في المنطقة"، بحسب ما قاله آدم كوتس، الباحث في مجال الصحة العامة، الذي يراقب الوضع الصحي في سوريا من لبنان.

"لا تزال هناك تساؤلات بشأن عدم استعداد منظمة الصحة العالمية، بشكل أفضل، لمواجهة تفشي هذا الفيروس، بالرغم من معرفتهم بخطر ظهوره".

عمليات معقدة

Image caption لبنان بدأ حملة لتطعيم الأطفال خشية من انتشار المرض إليه.

ولكن اوليفر روزنباور، وهو أحد المتحدثين باسم المنطمة الدولية في جنيف، أشار إلى أن عمليات التطعيم أكثر تعقيدا مما تبدو عليه. كما ذكّر بأنها ليست المرة الأولى التي يظهر فيها الفيروس مجددا في مناطق مصنّفة سابقا على أنها خالية منه، مشيرا إلى أنه في عام 2011 انتقل الفيروس من باكستان إلى الصين.

وأكد روزنباور أن منظمة الصحة العالمية تمكنت بالفعل من الوصول إلى مختلف المناطق في سوريا منذ عام 2010.

"ما يزيد من صعوبة تطويق الفيروس هو أنه ينتشر مع المجموعات البشرية المتنقلة، كما أنه ذكي جدا في التعرف على الأطفال الأكثر عرضة للإصابة بأمراض. ففي دول كسوريا، حيث يكون خطر الإصابة بالفيروس كبيرا، لا يكفي التلقيح وحده. فلا بد من حملات تلقيح دورية ومنتظمة، ومراقبة دقيقة للوضع، وهو ما يُعتبر أمرا صعبا جدا في ظل الخطورة الأمنية لبعض المناطق".

ولكن ظهور حالات شلل الأطفال لا يشكل أزمة سورية فقط، إذ إن إمكانية انتشاره وتحوّله إلى وباء جعلته يتحوّل إلى حالة إقليمية طارئة. فقد أطلقت حملات تلقيح واسعة في الأردن ومصر وجنوبي تركيا والعراق ولبنان.

واستقبلت هذه الدول كافة عددا كبيرا من اللاجئين السوريين، ولكن الأعداد الأكبر من هؤلاء تدفقت على لبنان.

إذ يزيد خطر انتقال الفيروس عبر الحدود كل يوم مع دخول آلاف الاجئين إلى لبنان.

وضع سيء

وتعهدت السلطات اللبنانية بالتعاون مع المنظمات الدولية بتلقيح كل طفل دون الخامسة. ولكن تحقيق هذا الهدف توجد دونه معوقات هائلة.

إذ إن أكثر من مليون لاجىء سوري، بحسب السلطات اللبنانية، يعيشون على الأراضي اللبنانية، ولكن لا توجد بيانات رسمية تبيّن أماكن وجود هؤلاء أو تحركاتهم في لبنان.

ويعيش أكثر من 100.000 من بينهم في مخيمات عشوائية. هؤلاء هم الفئة التي يصعب كثيرا متابعة عمليات التلقيح بين أفرادها.

"نحن نحاول الوصول إلى كل طفل سوري، ولكننا دائما ما نكتشف مخيمات جديدة، أو خياما مزروعة كيفما تيسّر، في أماكن عشوائية"، كما يقول الطبيب ملحم هرموش من جميعية "بيوند" التي تتولى مع منظمة "يونسيف" تلقيح الأطفال في المخيمات وعند نقاط حدودية.

ولكن شلل الأطفال ليس سوى واحد من الأمراض التي لا تحصى مما يعاني منه لاجئون سوريون، ومواطنون لبنانيون، دون أي التفات لمعاناتهم.

"النظام الصحي بأكمله ينهار، وليس هناك استراتيجية صحية واضحة للتعامل مع اللاجئين"، بحسب ما يشير إليه الطبيب السوري، وأستاذ الصحة العامة في الجامعة الأمريكية في بيروت، فؤاد محمد فؤاد.

"الكل مهتم اليوم بمرض شلل الأطفال، ولكن هناك الكثير من الأمراض الأخرى الخطيرة التي يتجاهل الكثيرون الحديث عنها".

Image caption عانى اللاجئون السوريون من عاصفة شتوية شديدة، وظهور حالات لفيروس شلل الأطفال.

وهناك آلاف الحالات من السرطان، بحسب فؤاد، التي لا يتحدث عنها أحد. "ماذا عن مرض السكري أو من هم بحاجة لغسيل كلى؟ ماذا عن الذين يصابون بإعاقات الحرب، أو هؤلاء الذين يعانون من أمراض نفسية وعقلية؟"

وتغطي مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تكلفة العلاج الصحي لكثير من الحالات، ولكن مساعداتها لا تشمل الأمراض المزمنة. كما أن نظام العلاج الطبي في لبنان نظام خاص في معظمه ومكلف جدا.

ويقول آدم كوتس الباحث في مجال الصحة العامة إن "أعداد السوريين النازحين في الداخل، أو اللاجئين في الخارج الذين ماتوا بسبب إصابتهم بفيروسات معدية كفيروس شلل الأطفال تفوق الذين ماتوا بسبب أمراض أخرى أو أصيبوا بإعاقات".

ويضيف "إصابات الحرب والأمراض المزمنة وغير المعدية تقتل السوريين بصمت، ودون أي اهتمام إعلامي".

ويشير فؤاد - علاوة على ذلك - إلى أنه "يبدو أن الإعلام مهتم بالوفيات الدامية أكثر من اهتمامه بحالات الوفيات البطيئة والهادئة".

المزيد حول هذه القصة