سنّة العراق يدخلون حلقة جديدة من مسلسل الخيارات السياسية

أتى إعلان مجموعة من النواب العراقيين من المسلمين السنّة بكتلة "متحدون" بزعامة رئيس مجلس النواب، أسامة النجيفي، استقالاتهم ردا على السياسات الأمنية لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي.

فقد أغضبتهم عملية فض اعتصام الرمادي المناوئ للمالكي التي سبقها اعتقال النائب أحمد العلواني.

ربما لن يكون ممكنا قياس التأثير السياسي لهذه الخطوة سريعا، ولكنها تأتي في سياق مسلسل من الرهانات والخيارات السياسية التي اتخذها السنّة العراقيون منذ سقوط نظام صدام حسين قبل أكثر من عشر سنوات ولم تقدهم إلى تحقيق أهدافهم.

في العموم عاش العراقيون، مسلموهم الشيعة والسنة ومسيحيوهم وطوائفهم الدينية وقومياتهم المختلفة من عرب وكرد وتركمان وغيرها، عبر العهود في وئام وسلام.

إلا أن كل حكام العراق منذ تأسيس دولته الحديثة في عشرينيات القرن الماضي كانوا من العرب السنّة. ولكنهم كانوا يحكمون استنادا إلى ايديولوجيات ومبادئ لا تضع الانتماء الطائفي عنوانا واضحا بل تستند الى الانتماء العربي الذي يجمع معظم الشيعة والسنة في العراق.

بعد صدّام

تغيرت هذه المعادلة مع الزلزال السياسي الذي أحدثه سقوط نظام صدام حسين عام 2003 على يد القوات الأمريكية.

وفي الوقت الذي انخرط الشيعة والأكراد العراقيون في العملية السياسية التي أعقبت سقوط نظام حزب البعث بزعامة صدام حسين، وجد السنّة عموما أنفسهم في وضع حرج. حتى الذين لم يكونوا يؤيدون صدام بينهم باتوا قلقين على مستقبلهم.

وشنت جماعات سنّية تمردا مسلحا واسع النطاق، أحرج القوات الأمريكية في مناطق عدة، حتى باتت مناطقهم تعرف اصطلاحا بالمناطق الساخنة.

ونشطت في صفوف السنّة تنظيمات مسلحة استهدفت القوات الأمريكية وقوات الأمن العراقية الناشئة التي تشكلت في غالبيتها من الشيعة والأكراد.

وقاطع السنة العملية السياسية ولم يشتركوا في أول انتخابات في عراق ما بعد صدام. لكنهم أحسوا بأن هذا كان خطأ كبيرا أدى إلى تهميشهم سياسيا. فعادوا للمشاركة في الانتخابات نهاية عام 2005 بكثافة.

وظهرت جبهة التوافق التي يتزعمها الحزب الإسلامي كممثل سياسي للسنّة، لكن المناصب السياسية الكبرى بقيت بيد الشيعة والأكراد. واستمرت شكوى السنّة من التهميش.

حراك سياسي

في عام 2007، وبينما كان العراق ينزلق إلى مستويات غير مسبوقة من العنف الطائفي، انسحبت جبهة التوافق، بالإضافة الى كتل أخرى، من حكومة المالكي الأولى، التي تشكلت قبل عام، في محاولة لإسقاطه.

ولكن آلاف المسلحين السنّة الذين كانوا يقاتلون القوات الأمريكية قرروا في نفس المرحلة تقريبا التحالف معها لمحاربة تنظيم القاعدة في إطار مجموعات الصحوة التي انطلقت من الأنبار وانتشرت في عموم المناطق السنّية.

وأدّى انحسار القاعدة والحملة التي شنها المالكي ضد الميليشيات الشيعية إلى زيادة رصيده السياسي وفشل محاولات إسقاطه. وعادت جبهة التوافق بوزرائها السنّة إلى الحكومة.

في انتخابات عام 2010، أقدم السنّة - بعد استيعابهم للقواعد الجديدة للعبة السياسية في العراق الجديد - على الانخراط في تحالف العراقية الذي يضم معظم القوى السنّية الرئيسية ويقوده السياسي الشيعي العلماني ذو الجذور البعثية اياد علاوي.

رغم أن السنّة عموما حاربوا علاوي عندما أصبح أول رئيس لوزراء العراق بعد سقوط صدام، وخصوصا إبان حملته على مدينة الفلوجة غربي العراق عام 2004، لكنهم كانوا يريدون هذه المرة إيصاله إلى رئاسة الوزراء مرة أخرى.

رغبتهم كادت أن تتحقق عندما فازت القائمة العراقية بأكبر عدد من المقاعد في مجلس النواب ولكن بدون غالبية مطلقة.

Image caption اتهم المحتجون السنّة المالكي بتهميشهم، وهو ما دأبت حكومته على نفيه

وأدت شهور من المناورات إلى تمكن المالكي من تشكيل ائتلاف حكومي دعمه السنّة من (العراقية) مقابل تمثيل أكبر ومناصب حكومية أكثر تأثيرا كما اعتقدوا.

مع اقتراب انسحاب القوات الأمريكية نهاية عام 2011، لم يكن السنّة مرتاحين لقوة سلطة المالكي لكنهم لم يستطيعوا أن يطلبوا من القوات الأمريكية أن تبقى لحفظ شيء من التوازن.

كان هذا سيكون مكلفا سياسيا بعد أن بنوا تراثا من المبادئ السياسية قائما على ما وصفوه بمقاومة الاحتلال الأمريكي.

تصاعد التوتر

ولكن ما أن انسحبت القوات الأمريكية حتى اندلعت مواجهة سياسية كبيرة بين المالكي وبين السنّة العراقيين.

كبار قادة السنّة وصفوه بالديكتاتور فيما قامت حكومته بإصدار مذكرة اعتقال بحق أرفع السياسيين السنّة مرتبة، وهو نائب الرئيس طارق الهاشمي.

بعدها فشلت محاولة سحب الثقة من حكومته لعدم توفر دعم سياسي كاف من الأكراد والشيعة.

وعندما حرّك المالكي قضية مشابهة ضد وزير المالية رافع العيساوي، لجأ السنّة - متأثرين بتكتيك الاحتجاج الشعبي الواسع الذي أدى إلى سقوط عدد من الحكام العرب - إلى تنظيم حركة اعتصامات واحتجاجات في الشوارع في مناطقهم ضد حكومة المالكي.

لكن المالكي لم يسقط وفي المقابل وبعد سنة من الاحتجاجات استطاع رئيس الوزراء العراقي أن يجمع حوله تأييدا شعبيا وسط قاعدته الانتخابية الشيعية خصوصا خلف الحملة العسكرية التي انطلقت في الآونة الأخيرة في الأنبار مستهدفه تنظيم القاعدة.

ووجد السنّة أنفسهم مرة أخرى في موضع حرج. فهم في غالبيتهم لا يؤيدون تنظيم القاعدة ولكنهم يخشون من استهدافهم ومناطقهم في الحملات الأمنية.

ومع فض الاعتصام في الرمادي يكون خيار الاحتجاجات الشعبية قد وصل إلى نهايته بالنسبة للسنّة، على الأقل في صيغته ومواقعه الحالية، ليبقى موعدهم مع الانتخابات المقررة في أبريل/ نيسان 2014 علها تأتي لهم بطريق يقود إلى تأثير سياسي فقدوه في بلد حكموه منذ تأسيسه.

المزيد حول هذه القصة