"حزب الكنبة" وصراع السياسة في مصر

مصدر الصورة AP
Image caption حزب الكنبة يمثل النسبة الواسعة من الشعب المصري

إذا رغب أي سياسي في مصر في التخطيط لحملة انتخابية أو حشد المواطنين للتصويت في أي استفتاء عليه أولا أن يراقب المزاج العام لما يسمى بـ"حزب الكنبة".

بالطبع هذا الحزب ليس له زعيم أو أي ايدولوجية خاصة، لكنه يمثل النسبة الواسعة من الشعب المصري التي ترفض حتى المشاركة في أعظم فرص إرساء الديمقراطية في تاريخ البلاد، ويفضلون البقاء في المنزل.

ويساعد إغراء حزب الكنبة في الإجابة ولو جزئيا عن سؤالين هامين، لماذا لم يشارك سوى واحد فقط من كل اثنين عندما أتيحت لهؤلاء أول فرصة تاريخية لانتخاب رئيس مصري ديمقراطيا في 2012.

بالرغم من أن الاختيار بين المرشحين آنذاك كان أمر غير مشجع، ولكن غياب ثقافة الديمقراطية التي أعقبت عقودا من الاستبداد لعبت دون شك دورًا كبيرا في عزوف هؤلاء.

عندما أجرى الرئيس الإسلامي محمد مرسي استفتاءه على الدستور الجديد بعد أشهر من توليه مقاليد الحكم لم يشارك سوى ثلث الناخبين الذين يحق لهم التصويت.

وقد كان لبعض العوامل الأخرى هنا دور في نسبة المشاركة، من بينها حركة المقاطعة التي نظمها العلمانيون الذين عبروا عن قلقهم من أن وثيقة الدستور تحمل بصمات جماعة الإخوان المسلمين، التي ينتمي إليها مرسي.

لكن الحقيقة أن الغالبية العظمى من المصريين لم تشارك وهي مشكلة تتشابه مع مشكلة التصويت التي تواجهها دول الديمقراطيات الناضجة.

تكتيك المقاطعة

وذلك عامل واحد يجب وضعه في الحسبان عند تقييم نسبة المشاركة في الاستفتاء الأخير على الدستور، التي بلغت 37 في المئة تقريبًا بحسب صحيفة الأهرام الرسمية، بالإضافة إلى مقاطعة الإخوان المسلمين له مستخدمين نفس التكتيك الذي استخدمه العلمانيون.

ويمكن للحكومة المؤقتة الآن القول إنها استطاعت هزيمة الحكومة السابقة، التي كانت تنتمي إلى التيار الإسلامي، في نضالها للحصول على الشرعية الدستورية، وإن لم يكن بالقدر الذي كانت تتمناه.

وبالنظر إلى دعوات المقاطعة المتبادلة، فإنه يمكن القول إن 70 في المئة من المصريين في التصويت على استفتائين يمثلان وجهتي نظر مختلفتين لتشكيل المستقبل الدستوري للبلاد، وقرروا العزوف عن المشاركة.

لكن حتى بالنظر إلى نسبة الـ 50 في المئة وهي النسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية، لا تعد الـ 37 في المئة نجاحا باهرًا، لكن الحكومة المؤقتة تأمل أن ينظر إليها باعتبارها نسبة يمكن تصديقها، على الأقل لكونها نسبة معقولة وسط ضعف.

هناك عامل آخر هو " إرهاق الاستفتاءات"، فالاستفتاء الأخير يعد الثالث من نوعه خلال الثلاث سنوات الماضية بعد استفتاء جرى في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي واستفتاء آخر دعا إليه المجلس العسكري عام 2011.

على الصعيد الآخر، أطلقت الحكومة المؤقتة المدعومة من الجيش حملة منحازة لا هوادة فيها للتصويت بنعم.

وجرى توجيه وسائل الإعلام الرسمية لتذكير الناخبين بواجبهم الوطني، وانشرت لافتات "نعم للدستور" على كل أعمدة الإنارة بالشوارع تقريبا، في الوقت الذي وجد من تجرأ لتعليق لافتات "لا للدستور" نفسه قيد الاعتقال.

وقال مسؤول بلجنة الانتخابات، رفض ذكر اسمه، إن قادة الجيش كانوا قد رغبوا في ما هو أكثر من نسبة الـ 40 في المئة، لكن تبين أنها أمنيات.

ومع ذلك، فلمصر دستور جديد، وسيعتبر الجيش بالتأكيد نسبة الإقبال هذه عالية وكافية لإضفاء الشرعية على الدستور، إن لم يكن قد اعتبرها بالفعل كذلك.

سيظل الدستور وثيقة هامة مثيرة للاهتمام حتى لو اعتبر الغرب طريقه فرضها أمرا صارمًا.

فالدستور الجديد يحتوي على بعض القواعد الأساسية المتوقعة، فقد اعترف بوضع الدين الإسلامي في الدولة وضمن حقوق الأقلية المسيحية في مصر.

"طموحات السيسي"

مصدر الصورة Reuters
Image caption السيسي ألمح إلى ترشحه في انتخابات الرئاسة إذا رغب الشعب في ذلك

واحتوى الدستور كذلك على مجموعة واسعة من الحقوق، منها الحق في الوظيفة، ومظاهر الترفيه، بالإضافة إلى حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة.

ولكنه حافظ أيضا على قدسية الجيش وحقوقه، ومنها حقه في تحويل المدنيين إلى المحاكمات العسكرية، وحماية ميزانيته من تدقيق رجال السياسية وحتى حقه في تعيين وزير الدفاع، لذا فلا عجب من أن جنرالات الجيش كانوا حريصين على إقرار الدستور.

وليس هناك أكثر من وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي حرصًا، الذي من المتوقع أن يكون صاحب المعادلة الأصعب في الانتخابات الرئاسية القريبة.

ويأتي ذلك في الوقت الذي عبّر فيه السيسي عن طموحاته بألطف المصطلحات، حيث قال بكل بساطة إنه إذا رغب الشعب فيه مرشحا للرئاسة، فلن يستطيع تجاهل مطلبه.

وعندما يحين وقت الترشح، سيجد السيسي نفسه أمام مهمة صعبة في حشد الناخبين للتصويت، وحينئذ سنرى مرة أخرى هل ينجح في تحريك حزب الكنبة أم لا.

المزيد حول هذه القصة