سوريا: هدنة محدودة جديدة قبيل مؤتمر جنيف 2

انفجار قنبلة غاز في منطقة سكنية مصدر الصورة AFP
Image caption تتحول المظاهرات السلمية إلى مواجهات مسلحة بين الطرفين

يقع حي برزة في شمال دمشق وينقسم إلى منطقتين، تضم الأولى منها مساكن جاهزة، أما الأخرى فهي المنطقة القديمة، برزة البلد، وعش الورور العشوائية.

لقد شهدت المنطقة قتالا استمر لأكثر من 15 شهرًا، إذ أفضت المظاهرات السلمية إلى مواجهات مسلحة بعدما ردت الحكومة بقمع وحشي كما حدث في أغلب الأحياء السورية.

ولكن ثمة شيء يميز حي برزة حيث يسكن المسلمون السنيون في وادي برزة البلد، بينما يتركز العلويون، الموالون للرئيس بشار الأسد، في عش الورور على جبل قاسيون.

استخدمت الحكومة الجبل لاطلاق صواريخ وأسلحة مدفعية على برزة ومناطق أخرى في الغوطة، التي تمثل الحزام الزراعي الذي يحيط بالعاصمة دمشق.

وعاني وادي برزة البلد من أسوأ موجات العنف إذ شهد قصفًا من قوات الحكومة وعمليات خطف وقتل جماعي على أيدي لجان شعبية شبه عسكرية تعرف الآن باسم جيش الدفاع الوطني، الذي تمثل الأقلية العلوية أغلبه.

ولكن حي برزة يشهد هدنة في الوقت الراهن بعدما أبرمت الحكومة اتفاقًا مع المعارضة المسلحة هناك، أي الجيش السوري الحر.

ويقضىي الاتفاق بين الطرفين بإعادة الأسلحة الثقيلة كالدبابات إلى الحكومة وفي المقابل يسمح للمعارضة بأن يصبح الحي تحت سيطرتها كقوات شرطة مدنية.

كما يسمح الآن للعائلات التي شردت جراء القتال بالعودة إلى الحي، ومن المرتقب أيضًا أن تفرج الحكومة عن معتقلين قريبًا.

وتقف الآن كل من قوات جيش الدفاع الوطني والجيش السوري الحر جنبًا إلى جنب في نقاط تفتيش برزة، ويأكلون نفس الطعام سويًا في أعقاب توصل طرفي الصراع إلى تسوية.

ومع ذلك، لا زال لهذا الحي أهمية استراتيجية كبيرة إذ يقع على الطريق إلى اللاذقية حيث تحتاج الحكومة إلى تأمين نقل شحنة أسلحة كيمياوية إلى الميناء هناك.

رسالة

مصدر الصورة AFP
Image caption يقول نشطاء إن الحكومة تتبع سياسة "التجويع حتى الاستسلام"

بعيدًا عن حي برزة، تستمر الحكومة في اتباع سياسة "التجويع حتى الاستسلام" في مناطق أخرى حسبما أفاد نشطاء، إذ يمنعون وصول الغذاء إلى مناطق المعارضة لإجبارها على الاستسلام.

وأفادت تقارير أن أكثر من 50 مدنيًا، من بينهم أطفال، ماتوا جوعًا في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في جنوب دمشق.

كما شهدت المعضمية، في ضواحي دمشق الغربية، أمرًا مماثلًا حتى اضطرت قوات المعارضة المسلحة إلى الاستسلام بغية كسر الحصار عن المنطقة.

ويعتبر توقيت هدنة برزة هام للغاية بالنسبة للحكومة، إذ تريد أن تبعث رسالة قبل مؤتمر جنيف-2 الدولي حول سوريا تقول فيها إنها قادرة على القيام بالمصالحة بدون جهود دولية.

كما تريد أن تتخذ إجراءات وقائية لتجنب أية اقتراحات بإرسال قوات حفظ سلام من الأمم المتحدة إلى سوريا، فهذا هو آخر شيء تريد حكومة الأسد رؤيته في البلاد، حسبما قال لي مسؤول الأمم المتحدة في دمشق.

يأتي ذلك في حين يرى النظام السوري أن مؤتمر جنيف يأتي لمكافحة "الإرهاب" – وهو ما تصف به المعارضة المسلحة – ويصر على أن الأمر لا يتعلق بالتخلي عن السلطة.

وورد على لسان عدد من أعضاء الحكومة السورية أن الرئيس الأسد له الحق في الترشح لفترة رئاسية جديدة بعد انتهاء ولايته في 2014.

ويقول أحد المحللين المقربين من الحكومة إن الأسد "ظهر مجددًا كطرف هام في النزاع، وذلك بعد اتفاق (نزع) الأسلحة الكيميائية"، مضيفا أنه "هو الوحيد القادر على إنجاز مثل هذه المهمة. فلم يقدم تنازلات إذن؟"

ولا يبدو أن جيش الدفاع الوطني يطمح إلى أي محادثات سلام. فقد أصبح قوة بديلة تحكم كل منطقة على حدة.

ويواجه الجيش اتهامات بارتكاب جرائم عدة، منها اختطاف رجال أعمال في المناطق التي تسيطر عليه الحكومة وجمع مئات الآلاف من الدولارات كفدية. فاستمرار الصراع يغذي اقتصاده.

حلفاء أقوياء

مصدر الصورة AP
Image caption النداء بالحرية أصبح الآن نداء باستمرار الحياة

قد يبدو للأطراف الخارجية أن النظام السوري قوة واحدة متماسكة. لكن في الحقيقة، هناك قوى مختلفة تدير الصراع داخل سوريا.

فهناك صراعات بين القوى الداخلية وقوى أخرى خارجية كحزب الله والحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية العراقية مثل ذو الفقار وكتائب أبو الفضل العباس.

ويمكن رؤية كل هذه القوى في الأماكن العامة، خاصة في مناطق تمركز الشيعة.

ولكن أكثر ما يدعم قوة النظام هو الحليفتان إيران وروسيا إذ اتخذتا موقفًا حاسمًا منذ بداية الصراع، وهو دعم الرئيس السوري.

لقد قال دبلوماسي إيراني للمعارضة الوطنية السورية "المسموح بها" خلال اجتماع بالسفارة إن إيران "تراهن على شخص الأسد. فهو شخص لا يعوض بالنسبة لنا".

وبينما تقاتل المجموعات المسلحة بالتعاون مع تنظيم دولة الإسلام في العراق والشام (داعش) الذي له ارتباطات بتنظيم القاعدة في شمال البلاد، تقمع الحكومة النشطاء السلميين في العاصمة، حيث تستمر حملات الاعتقال التي تستهدف أعضاء المعارضة "المسموح بها" وأعضاء مجموعة "الشعب السوري الثائر" المسيحية، والعلويين والدروز، ممن يريدون استكمال المعارضة السلمية رغم صعود مجموعات المعارضة من الإسلاميين.

ويتم إرسال الجميع إلى محكمة مكافحة الإرهاب التي تأسست عام 2012، وهي إشارة على عدم استعداد الحكومة لتقديم أية تنازلات.

أما بالنسبة للمدنيين المتورطين في الحرب، فكل ما يريدونه هو انتهاء هذه المعاناة. فالنداء بالحرية أصبح الآن نداء باستمرار الحياة.

المزيد حول هذه القصة