الأسرة المصرية ضحية أم متهم في تأجيج الانقسام ؟

الاستقطاب السياسي والانقسام أصبح ظاهرة في المجتمع المصري مصدر الصورة AFP
Image caption الخبراء يؤكدون أن المجتمع المصري يصحح مسار نفسه لأن التوازنات الآن أفضل مما سبق

الاستقطاب والانقسام ظواهر جديدة طرأت على المجتمع المصري منذ قيام ثورة 25 يناير 2011، وتزايدت حدتها عقب الإطاحة بحكم الرئيس المعزول محمد مرسي يوليو/ تموز الماضي، لتصل إلى داخل الأسرة الواحدة.

وأصبح هناك تصدع داخل الأسرة المصرية، بسبب اختلاف الأراء السياسية، واختفى الحوار بين الجميع، فالمؤيد لفصيل أو تيار أو مؤسسة لا يقبل رأي من يعارضه حتى لو كان ابنه شقيقه أو صديقه، وأصبحت الشوارع والمنازل ساحة لصراعات تصل أحيانا إلى درجة التشابك بالأيدي.

وتعكس حالة الأم التي أبلغت الشرطة عن انتماء ابنها لإحدى الحركات السياسية التي ترى أنها متورطة في أحداث العنف، حجم ما وصلت إليه الأسرة من انقسام تطور إلى صراع غير صحي.

كما تعد عائلة الأشقاء الثلاثة محمد وكريم وخالد بالإضافة إلى الأب والأم، والتي تعيش في محافظة المنوفية بوسط دلتا مصر، نموذجا واقعيا على التغير الذي طرأ على الأسرة المصرية والخلاف السياسي الذي يرتفع وينخفض بحسب سخونة الأحداث.

فالأخ الأكبر محمد أبو ستيت من أبرز قادة ومؤسسي حركة "تمرد" في المنوفية، التي لعبت دورا كبيرا في إسقاط حكم الرئيس محمد مرسي، وجمعت ملايين التوقيعات من المصريين لإنهاء حكمه وقادت مظاهرات 30 يونيو.

ويشغل محمد منصب منسق الحركة في منطقة الدلتا، ويركز حاليا على محاربة الفساد، وينادي بتطهير الدولة ومؤسساتها من كل الشخصيات والوجوه القديمة.

ويقول لـ بي بي سي عن هذه المرحلة، "إنها مرحلة البناء، لكن يجب أن يكون على أساس سليم، وثورة 30 يونيو كانت ثورة شعبية شارك فيها الشعب كله، وستستمر رغم أنف الحاقدين."

Image caption محمد أبو ستيت عضو حركة تمرد يرى أن الوقت حان لبناء مصر لكن يجب أن يتم على أساس سليم بدون الفاسدين

ويعتبر الأخصائي النفسي محمد الوديدي هذا الرأي بأنه إدراك الواقع، وانتهاء الصدمة الأولى ومرحلة ما بعد ردة الفعل الأول، للثورة والتعامل معها بواقعية.

ويقول الوديدي لـ بي بي سي: "بعد الحدث مباشرة تحدث ردة فعل أولى، والحدث هنا كان ثورة يناير وما بعدها، والأن هدأت المشاعر بعد نجاح ثورة 30 يونيو وبدأ التطلع للعمل والبناء."

أما كريم الشقيق الثاني خريج جامعة الأزهر، فلا يثق في أحد من الموجودين على الساحة السياسية الآن حتى من يسمون أنفسهم ثوريين، ويرفع دائما شعار "يسقط كل من خان عسكر فلول إخوان."

ويشرح وجهة نظره لنا قائلا :"الكل يبحث عن الكرسي والسلطة، والكل يتاجر بأحلام الشعب حتى الإخوان تاجروا بالدين، والجيش يداعب أحلام البسطاء، والفلول يريدون العودة وتصدر المشهد."

ويرى أن الحل هو إسقاط ورحيل الجميع بلا استثناء، وأن يأخذ الشعب الفرصة الحقيقية لاختيار من يمثله، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، بحسب تعبيره.

وتفسر الدكتورة ثريا جودة، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الحالة بأنها الإحباط من كل شيء، فبعد ثلاث سنوات من الثورة تشعر شريحة من المصريين أن شيئا من مطالب الثورة لم يتحقق.

المثالية الثورية

ويختلف الشقيق الأصغر خالد، الطالب بكلية الهندسة عنهما، ويرى أن الثورة لم تنتهِ عند 30 يونيو، ويطالب بتحقيق مطالب الثورة، ويصر على أن الثورة مستمرة طالما لم تحكم.

ويعلن تعاطفه مع المعتقلين حتى من جماعة الإخوان، ويطالب بالإفراج عن الجميع، ويعتبر قانون التظاهر والقرارات الحكومية ليست لبناء الدولة وإعادة الاستقرار لكنها لـ "إنهاء الثورة وقتلها".

وقال لـ بي بي سي: "الشباب يعيش الآن في حاضر من بناه هم ثوار25 يناير، والشباب رافض لكل ما يحدث، ومثلما ثرنا على نظام مبارك والمجلس العسكري والإخوان سنثورعلى كل فاسد وجبان."

ويصف الأستاذ الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، هذا الموقف بأنه المثالية الثورية، والاعتراض على كل ما يجري، والرغبة في التغيير من خلال الثورة وليس من خلال قواعد وقوانين يفرضها النظام الحالي.

ومع تباين آراء الأشقاء الثلاثة إلا أنهم اتفقوا جميعًا على حبهم لمصر ورغبتهم في أن تكون أفضل بلد في العالم، لكن كلا منهم يريدها أن تسير وفقا لرؤيته.

ولم يكن الوالدان بعيدين عن حالة الانقسام التي يعيشها أبناؤهما، فالأم التي كانت موظفة بإحدى شركات القطاع العام وخرجت على المعاش في وقت مبكر، مؤيدة قوية لترشح الفريق السيسي للرئاسة.

وقالت: "السيسي أفضل من يحكم مصر، يكفى أنه خلصنا من حكم الإخوان وتجار الدين، لكنني خائفة من رفع الدعم وتخفيض المعاشات، كما أنني قلقة من عودة نظام مبارك مرة أخرى، وبدءوا يظهرون هنا في المنوفية."

ويرى الوديدي أن الأم هنا تعكس حالة السيدة المصرية وخوفها الشديد على مستقبل أبنائها ورغبتها في الاستقرار والأمن، وهي نفس المشاعر التي حركت الأم التي أبلغت عن ابنها وطالبت بسجنه.

فقطاع عريض الأن من السيدات يرى أن الجيش المصري هو من يملك القوة والقدرة على تحقيق هذا الأمر، وهذا سر إقبال الكثير من السيدات على المشاركة في الاستفتاء الماضي، على حد وصفه.

العودة للنظام القديم

وكانت الاضطرابات التي شهدتها البلاد وغياب الأمن والانفلات في الشارع عقب ثورة يناير، سببا رئيسيا في حديث البعض عن إيجابيات نظام مبارك ومدى شعورهم بالأمن والاستقرار في عهده.

وكان هذا رأي أحمد أبو ستيت، رب الأسرة، الذي يعمل بإحدى المدارس الثانوية، حيث يعارض أبو ستيت كل ما يحدث، واصفا 25 يناير بأنها "مؤامرة على الشعب"، وأدت به إلى الفوضى، وأفقدته أمنه.

وقال: "رغم كل مساوئ نظام مبارك إلا أننا كنا نعيش في أمان واستقرار وراحة بال، الآن نخشى على كل شيء ومن كل شيء، والبلد يلزمها استقرار، ويجب وقف التظاهرات حتى تعود الأوضاع لسابق عهدها."

وهو ما تفسره ثريا جودة بأنها نتاج حالة الإحباط والتأزم النفسي، لعدم حدوث أي تقدم، بل على العكس ارتفعت الأسعار وزاد الانفلات في كل شيء، وهو ما قد يؤدي على المدى الطويل -إذا استمر الأمر على هذا النحو- إلى ثورة أخرى.

أما عن الاستقطاب فيرى الوديدي أنه حدث نتيجة غياب الحرية طوال عقود طويلة، وعندما نجحنا في إسقاط نظام مبارك، خرج من داخل كل شخص فينا ديكتاتور جديد لا يعترف بآراء الآخرين.

واستطرد: "الأخطر في تلك الظاهرة الآن هو أن التعبير عن الرأي أصبح مرتبطا بمحاكمة الآخرين، والمجتمع المصري يعاني حاليا من مرض خطير وهو مرض الديكتاتورية، والشعور بالديكتاتورية يؤدي لانقسام ثم كل شخص يسعى للاحتماء بمن يتفقون معه في الآراء فينحاز لهم وهو ما يؤدي إلى الاستقطاب."

المجتمع يصحح مساره

والمخرج الرئيسي من تلك الحالة هو العودة للحوار المفتقد داخل الأسرة المصرية، فحينما يغيب الحوار تحل الخصومة وينتج العنف ويسبب أيضا حالة من القلق على المستقبل، كما أن الخطاب السياسي يجب أن يراعي الظروف الحالية لطمأنة الأسرة والمجتمع.

وأعرب الخبراء عن تفاؤلهم بما حدث في الاستفتاء الأخير الذي يراه دليلا على أن المجتمع بدأ يستعيد قوته، حيث شارك حزب الكنبة أو الأغلبية الصامتة والنساء بقوة، مما يعني أن التوازنات الآن في المجتمع أفضل مما سبق.

المزيد حول هذه القصة