متمردو جنوب السودان حريصون على استمرار القتال

مسلحو الجيش الأبيض يطوفون لانكين
Image caption يظهر الصراع عمق العداوة التي لا يمكن لوقف إطلاق النار منعها

يطوف المتمردون شوارع بلدة لانكين بزهو على ظهر شاحنة نقل صغيرة، معلقين أحزمة من الذخيرة حول رقابهم. فالمتمردون المعروفون باسم "الجيش الأبيض" هم من أصبحوا يتحكمون في المكان.

ومع أن الهدف الأساسي من تكوين ميليشيات الجيش الأبيض كان الإغارة على قطعان الماشية، إلا أنهم أصبحوا جزءًا من الحركة المتمردة التي تقاتل القوات الموالية للحكومة على مدار الأسابيع الخمسة الماضية.

ولا يزال المتمردون يبسطون سيطرتهم على معاقل عدة في جنوب السودان، وهي مناطق يستحيل على الصحفيين الوصول إليها. إلا أن فرصة نادرة أُتيحت لـ بي بي سي للوصول إلى أحد تلك المعاقل، وهي مستعمرة صغيرة تُدعى لانكين في شمال شرقي البلاد.

والآن، وقّعت وفود رسمية تمثل طرفي النزاع على اتفاقية لوقف إطلاق النار، إلا أن تماسك تلك الاتفاقية مرهون بتنفيذها في المدن الصغيرة مثل لانكين، حيث وجدنا أن حركة المتمردين هناك لا تزال متعطشة لإراقة الدماء.

فبعد وصولنا للشارع الرئيسي بدقائق، أحاطت بنا مجموعة من أفراد الجيش الأبيض، وكانوا مجموعة من الشباب المتمرسين على القتال، وغالبيتهم من مجموعة النوير العرقية التي تستهدف قبائل الـ "دينكا" التي ينتمي إليها الرئيس سلفا كير.

وبدا لنا أحد المقاتلين، ويُدعى تابان ساييف، أصغر من السن الذي أخبرنا به، حيث قال إنه يبلغ من العمر 28 عامًا، وكان يرتدي نظارات شمسية صفراء وقبعة، ويحمل سلاحا من طراز AK-47.

وقال ساييف إن الجيش الأبيض تشكّل "لأن الرئيس يقتل زعماءنا ونساءنا وأطفالنا".

وبسؤاله عن الوفرة في السلاح الذي يحملونه، قال ساييف "حصلنا عليه وعلى السيارة من جنود الحكومة الذين قتلناهم، وسنظل نستخدمها حتى نقتل الرئيس سلفا كير."

ويظهر الصراع عمق العداوة التي ربما لا يمنعها وقف إطلاق النار. فتنفيذ الاتفاق يحتاج إلى بعض الوقت. وسيكون من الصعب ضبط جماعة تمرد يائسة.

ويتحدث الحاكم المحلي، إسماعيل بيلليو، عن رغبته في أن يكون ريك مشار، النائب السابق لسلفا كير، هو رئيس البلاد، ويقول "نريد عزل الحكومة لأن سلفا كير ديكتاتور."

واندلعت الحرب في جنوب السودان بسبب الصراع السياسي بين كير ومشار، وسرعان ما تطور إلى صراع دموي عرقي، يعتبره بيلليو "صراعا قبليا."

وبسؤاله عما إذا كان الأمر يستحق التكلفة البشرية، قال "ندرك أن الناس يفقدون أرواحهم، لكننا نريد إحداث تغيير، ونعتقد أن بإمكاننا الفوز بهذا الصراع. وسنزحف حتى العاصمة جوبا ونتخلص من الرئيس."

تكلفة بشرية

Image caption ساييف (يسار): "حصلنا على السلاح والسيارة من جنود الحكومة الذين قتلناهم وسنستخدمهما حتى قتل الرئيس سالفا كير."

ولحين إحلال السلام، فإن التكلفة البشرية آخذة في التزايد. حيث قتل حتى الآن نحو عشرة آلاف شخص، ونزح أكثر من نصف مليون آخرين.

ويأتي معظم الجرحى من ساحات القتال البعيدة، مثل بور ومالاكال، إلى لانكين، حيث تقيم منظمة "أطباء بلا حدود" عيادة خيرية.

وتمثل العيادة شريان حياة، إذ بلغ عدد المصابين هناك ثلاثة أمثاله لدى بدء الصراع.

وتضم تلك العيادة خياما فردية، وغرفة جراحة، وقسما لعلاج الملاريا والإيدز، ووحدة للأمهات.

وتقول آنجي كاراسكال، منسقة العيادة "في البداية لم نكن بحاجة إلى إمدادات جراحية، أما اليوم فتصلنا ما بين 10 إلى 12 حالة جراحية في اليوم، معظمها جروح نتيجة إطلاق النار."

وتضيف "الوضع خطير من حيث إمدادات المياه والطعام والتغذية. نحن منهكون، إلا أننا قمنا بزيادة عدد العاملين هنا. ولولا وجود منظمة "أطباء بلا حدود" لكان الدمار قد لحق بالمجتمع هنا."

وتضم العيادة جنودا العديد من الجنود، مثل دانييل بوك، الذي أُصيب في ساقه.

ويقول بوك إنه تم إطلاق النار عليه تسع مرات. ويضيف "أقاتل من أجل هدف، وسأقاتل مجددًا."

كما تضم العيادة مرضى مدنيين ممن علقوا في تبادل إطلاق النار. أحدهم، ويدعى غات كواث لول، يرقد على بعد بضعة أسرة من بوك، حيث اخترقت ست رصاصات ساقه وأصابت إحداهن ركبته.

ويقول لول "أشعر بغصة في القلب حين أفكر في النساء والأطفال الذين قتلتهم قوات النظام. ورغم هذا، أريد أن اقاتل حتى أقتل الرجال الذين فعلوا ذلك بي."

وبسؤاله عما إذا كان بإمكان قبيلتي الدينكا والنوير أن يعيشا معًا من جديد، يقول لول "فقط حين يتنازل سلفا كير. حينئذ، من الممكن أن نصبح شعبا واحدا مجددًا."

وفي الليل، تدوي من وقت لآخر زخات لإطلاق النار في سماء لانكين. لكن ربما لا تأتي القوات الحكومية إلى هنا، فليس ثمة الكثير لتحقيقه.

ومع بقاء معاقل المقاومة هذه، يتضاءل الأمل في تسوية سلام مستمرة.

وإذا أعاد المتمردون تنظيم صفوفهم وتم استئناف القتال، ستزداد الأزمة الإنسانية حينئذ.

المزيد حول هذه القصة