مؤتمر جنيف وقواعد تلطيف الأجواء لتحقيق هدف السلام

مصدر الصورة BBC World Service

هناك عدد من القواعد التي تؤدي إلى كسر الجمود في محادثات السلام وتحقيق المعادلة الصعبة والبلوغ إلى هدف السلام المنشود بين الاطراف المتنازعة.

القاعدة الأولى: قبل الإعلان عن توقيت ومقر إجراء محادثات السلام، يجب التأكد من أن المشاركين لن ينافسوا منظمي المعارض التجارية التي ينظمها صانعو الساعات الفاخرة من أجل الحصول على أسرة في فندق.

لهذا السبب لم يُنظم حفل الإفتتاح في مدينة جنيف، بل في مدينة مونترو حيث الأجواء الهادئة في غير موسم السياحة، وحيث تغيب الموسيقى، بخلاف تمثال برونزي بالحجم الطبيعي للمغني فريدي مركوري.

القاعدة الثانية: اختيار فندق خمس نجوم، وهي حيلة دبلوماسية قديمة لتوفير أجواء مغرية للأطراف المتنازعة والاستمتاع بمستوى رفاهية الفندق والمناظر الخلابة، ومن ثم وقع الاختيار على سويسرا لاستضافة مثل هذه المحادثات.

ومن الطبيعي أن يطلب أعضاء كل وفد الإقامة في فندق مختلف عن ذلك الذي ينزل فيه الطرف الآخر حتى لا يتقابل الطرفان مصادفة، إذ إن مثل هذه المقابلات لا يجب أن تتم بطريقة عفوية وإنما يجب أن تأتي ثمرة للمفاوضات.

نبيذ جيد

مصدر الصورة AFP
Image caption ربما يساعد تلطيف الأجواء في المحادثات أعضاء الوفود على تقارب وجهات النظر.

ربما يساعد تلطيف أجواء المحادثات أعضاء الوفدين على تقارب وجهات النظر. فالفرنسيون يجيدون ذلك، فبالرجوع إلى محادثات رامبوييه قبل اندلاع الصراع في كوسوفو عام 1999، كانت الفكرة تقوم على مشاركة وفد صربي وكوسوفي داخل أسوار أحد القصور وإغرائهما بالنبيذ الفرنسي الممتاز ولحوم الكوردون بل وبالدجاج حتى يصبح الأعضاء مستعدين لتقديم التنازلات الممكنة.

لكن ذلك لم يكتب له النجاح، فبعد محادثات رامبوييه ذهب الطرفان للقتال، فمن الخطورة بمكان أن يفرط المتفاوضون في الإعجاب بالمعاملة المميزة من طراز خمس نجوم على حساب ما تتطلبه المحادثات.

ولكن يبقى خيار "تلطيف" أجواء المحادثات باللجوء إلى الرفاهية خيارا متاحا.

وتذكرنا محادثات رامبوييه بأن القاعدة الثالثة - الانعزال- لم تعد فعالة من حيث تحقيق النتائج المرجوة.

تفضل الأطراف المعادية الإجتماع على أرض محايدة بعيدا عن أعين العالم. وتعتبر الجزر النائية مكانا جيدا لذلك.

يذكرنا ذلك بقمة ريكيافيك بين غورباتشوف وريغان، أو المحادثات الأمريكية السوفيتية في مالطا عام 1989.

لكن الوضع اليوم مختلف إذ حيثما وليت وجهك، تلاحقك وسائل الإعلام، كما أن الهواتف الذكية التي يستخدمها أعضاء الوفود لإرسال البريد الإلكتروني فضلا عن التغريدات على شبكات التواصل الاجتماعية لا تعزلهم عن العالم الخارجي. وفضلا عن ذلك، هناك ذلك التغطيات الإعلامية التي تقوم بها شبكة القنوات الفضائية للأخبار على مدار الساعة.

ذلك ينقلنا إلى القاعدة الرابعة وهي أنه في حالة عدم استطاعة الجهة المنظمة للمحادثات الإفلات من فخوخ الإعلام، فعلى الأقل يمكنك أن تغتنمها لصالحك.

مشهد مسرحي

من هنا كان الإحتفال الكبير ببدء المحادثات يوم الأربعاء في مونترو. فقد نقلت القنوات التلفزيونية وقائع الإحتفال على الهواء إلى مختلف بقاع العالم على مدار اليوم، كما نقلته إلى الوفود الأربعين داخل قاعة المؤتمرات.

لماذا؟ من أجل إقناع الفرقاء السوريين - الحكومة والمعارضة - بأن محادثات السلام تلك يتابعها العالم عن كثب إلى جانب أنصارهم في سوريا، بأن التراجع بات مستحيلا وأن عليهم أخذ المحادثات على محمل الجد.

وكانت المشادة الكلامية التي صورتها الكاميرت يوم الأربعاء (حين احتد وزير الخارجية السوري على الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أمام الجميع) – كانت بمثابة نقطة إضافية، على الأقل من وجهة نظر الدول الغربية التي تدعم طرف المعارضة.

ربما كان الموقف محرحا بالنسبة إلى بان غي مون، ولكن لا بأس.

كان هذا المشهد المسرحي مهما لكسب تأييد دول مثل الهند وجنوب أفريقيا لتحديد موقفهما إزاء الصراع، بشار الأسد أم المعارضة.

فهاتان الدولتان تجلان الأمم المتحدة وقدس أقداسها مجلس الأمن، ولا تكنان أي احترام لمن يسيء إلى هذه المؤسسات الأممية أو إلى أمينها العام.

وبالتالي لم يكن تصرف وزير الخارجية السوري بالذكاء في الوقت الذي تبحث بلده عن أصدقاء حقيقيين.

ضيف محرج

نصل إلى القاعدة الخامسة والأخيرة الذي أبرزها هذا الأسبوع سيء الحظ بالنسبة إلى بان كي مون : فمن الأفضل عدم دعوة ضيوف يثيرون الحرج مقارنة بدعوتهم ثم سحب الدعوة علانية.

نتحدث بالطبع عن الفوضى المربكة التي صاحبت قرار مشاركة إيران من عدمها في المحادثات.

والحقيقة أن إيران ليست فقط ضيفا محرجا يقول في السر ما لا يقوله في العلن، وإنما هي لاعب رئيسي في الحرب الدائرة وطرف لا تستسيغه المعارضة.

وفوق ذلك كله، فإن إيران تعتبر بمثابة ترس مهم في الآلة الدبلوماسية التي تفيد في إنهاء هذه الحرب.

فهي كحليف رئيسي لبشار الأسد تمده بالمال والرجال والعتاد ولديها القدرة إن أرادت على دفع دمشق نحو مسار جديد. هي وحدها ولا أحد غيرها لديه القدرة على ذلك، ولا حتى روسيا.

لذا يصعب تصور تسوية سلمية في سوريا بدون إشراك إيران.

المزيد حول هذه القصة