قلق وعوق وتوتر بين الشباب الخارجين من حمص في انتظار تقرير مصيرهم

Image caption الوضع يبدو هادئًا في مدرسة الأندلس حيث يُحتجز الشباب الناجون من حصار حمص

لم نتمكن من التعرف على الرجال الذين قابلناهم منذ أيام قليلة بعد خروجهم من الحي القديم بحمص الذي يسيطر عليه الثوار.

فمنهم من شذب لحيته التي كانت كثيفة أو أزالها نهائيًا وارتدوا جميعًا ثيابًا جديدة نظيفة.

ورغم تغير هيئاتهم، لا زالت نظرات ملؤها القلق في أعينهم حيث ينتظرون تقرير مصيرهم بمدرسة الأندلس الكائنة بمدينة حمص، والتي تستخدم كمكان للإيواء ومركز للتحريات الأمنية في الوقت الحالي.

وتطاردهم ذكرى الحياة المؤلمة التي غادروها في المدينة القديمة المحاصرة.

وقال يوسف، أحد هؤلاء الشباب الذين حضروا الحصار المضروب على حمص، "كانت الأسر على استعداد لقتل بعضهم البعض من أجل الطعام."

قال ذلك وأخته الصغرى، البالغة من العمر تسع سنوات، تحيطه بذراعها الصغير بحب شديد بعد أن اجتمع شمل الأسرة من جديد وأصبح بإمكانهم زيارة يوسف والاطمئنان عليه بمدرسة الأندلس.

وأضاف يوسف "بدأ الناس في أكل الحشائش والقطط ولم تكن هناك رعاية طبية ولا مياة بالآبار ولا كهرباء."

وحصلنا على تصريح من مكتب المحافظ لزيارة هذه المدرسة الموجودة الآن تحت الحراسة المسلحة. وهناك وجدنا 300 شخص لا زالوا محتجزين رهن التحقيق بعد فرارهم من من بين أنقاض المدينة القديمة أثناء الهدنة الإنسانية المدعومة من الأمم المتحدة والتي فُعلت منذ أسبوع.

وكانت الزيارة في يوم دافيء من أيام الشتاء. وكان المحتجزون ما بين جالس ومتجول ومجتمع مع الزوار من أسرهم في ساحة المدرسة يتناولون القهوة ويتجاذبون أطراف الحديث.

ويبدو المشهد هادئًا يخلو من مظاهر التعامل الرسمي، ولكن حالة من التوتر الخفي تسود الجميع.

وقابلنا يوسف ومعه عدد من الرجال في أول فصل دخلناه بالمدرسة حيث كان الرجال يرقدون مدثرين ببطاطين رمادية موسومة بشعار الأمم المتحدة باللون الأزرق وتبدو عليهم علامات الاستقرار.

وكانوا جميعًا معاقين والعديد منهم تعرض لبتر مزدوج.

وقال رجل كان يجلس في ركن من أركان الغرفة إن "هناك 200 شخص لا زالوا عالقين في المدينة القديمة، هؤلاء ليس لديهم أرجل." وأضاف أنهم "لا يستطيعون التحرك" ولا هو أيضًا.

غياب الرعاية الطبية

وقال شاب آخر، يبلغ من العمر 21 سنة، إنه توقف عن القتال في صفوف الجيش السوري الحر بعد إصابته بخمس طلقات في رجله.

وأضاف إنه "لم يكن هناك أطباء مدربون ولا العلاج الصحيح اللازم للبتر". وتابع "لقد أعطوني مسكنات، ولكني كنت أشعر بالألم رغم ذلك.

Image caption عقدت الأمم المتحدة صفقة تضمنت فك الحصار عن النساء والأطفال وكبار السن

وكان كل ما يريده ذلك الشاب هو أن يعود للعيش مع أخته ويعالج رجله وأن يستعيد حياته على حد قوله.

ويأتي تحرير هؤلاء الشباب من الحصار في إطار صفقة الوساطة التي قامت بها الأمم المتحدة بين الطرفين المتحاربين مع أن الصفقة تضمنت النساء والأطفال وكبار السن فقط.

وتلقى الشباب تحذيرًا من أنهم سوف يخضعون للتحقيق ومن يثبت وجود اسمه منهم في قائمة المطلوبين أمنيًا، سوف يمثل أمام المحكمة. ومع ذلك، قبل الشباب فك الحصار عنهم لأنه لم يكن لديهم خيارات أفضل في مثل هذا الموقف العصيب.

وأعرب أغلبهم عن نفس الشعور بأن الاستمرار داخل المدينة القديمة يعني مواجهة الموت المؤكد في حين توفر لهم الهدنة فرصة للخروج أثناء وقف إطلاق النار الذي نادرًا ما يحدث.

وذكر أحد الشباب، الذي رفض كغيره من نزلاء المدرسة ذكر اسمه أو ظهور وجهه أمام عدسات الكاميرا، أن "لقد واجهنا الموت داخل المدينة القديمة ومستعدون لمواجهته خارجها."

ولكنه في نفس الوقت كان يريد رواية حكايته التي تضمنت فر في اليوم الأول الهدنة في الاسبع من فبراير / شباط الجاري. ولم يمر وقت طويل حتى أُطلق سراح مئة وأحد عشر شخصًا.

وتسائل بسخرية "هل سيرسلوننا إلى السجون أم سيطلقون سراحنا؟" وأضاف بعصبية أن "مستقبلنا غامض، وهو ما يخيفنا."

"أمل"

وقال رجل آخر ممن خرجوا في اليوم الثالث للإجلاء إن الأخبار عن عمليات إطلاق السراح الأولى بعثت في نفسه الأمل.

Image caption هناك من لا يزال يدعو إلى الوحدة بين الثوار أو المؤيدون للنظام لأن جميعهم سوريون

وعندما دخل محافظ حمص، طلال البرازي، المدرسة مع حاشيته، سأله عن مصير الرجال، فقال: "أعتقد سيتم إطلاق سراح معظمهم أو إصدار عفو. ستكون لهم الحرية ليذهبوا أينما يشاؤون. أما المتبقين، ستتم محاكمتهم في محاكم مدنية."

ثم سريعًا ما خرج، وأخذ الميكروفون، ثم جلس إلى طاولة خشبية وخاطب الحشود المتربعة في ساحة المدرسة قائلًا: "كلنا صفٌ واحدٌ، كلنا سوريون." وألقى عليهم خطاب حماسي كانت فحواه أن الطريق إلى السلام يأتي من خلال البلاد، والله، والرئيس بشار الأسد.

"إعادة تعليم"

واعتبر البرازي أن هذه العملية في حمص القديمة مهمته الشخصية. فكان متواجدًا بشكل دائم، في كل الأوقات خلال عملية الإجلاء. وبدعم الرئيس له، تصدى لمجموعات مسلحة موالية للحكومة مثل قوات الدفاع الوطني، التي كانت تهاجم قوافل المساعدات التي يعتبرونها تحرر وتساعد عدوهم.

والرجل الذي يدير هذه الخدمة هو بحق وجه هذه الحرب. فقد اخترقت رصاصة خده خلال مواجهات في حي بابا عمرو في حمص القديمة.

وبخد مشوه وفم معوج، يصر على الحضور والمشاركة في دروس "إعادة تعليم" لكل شيئ، بدءًا من الدين وانتهاءًا بالمصالحة. ويوم زيارتنا، كان بصحبته دعاة لتعليم الرجال المعنى الحقيقي ورسالة الإسلام.

Image caption يحتاج الشباب السوري المشارك في الحرب إلى إعادة تاهيل للرجوع إلى الحياة الطبيعية

وعندما يمسك بالميكروفون، تمزج خطبه بين الفكاهة والإنذار بينما يطلب من المقاتلين عدم رفع السلاح مرة أخرى. فيصفق له بعض الشباب الجالسين في الصفوف الأمامية، بينما يظل من في الخلف متجهمين وعاقدين أذرعهم.

وبينما نسير في الطابق الأعلى للمدرسة، نرى استجواب بعض الرجال من خلال شبابيك الفصول الخاوية. وأخبرنا عدة أفراد رفضوا تسجيل شهاداتهم أن الاستجوابات يشارك فيها أفراد من الشرطة والمخابرات.

وتركز الاستجوابات على جمع معلومات عن مقاتلي المعارضة الباقيين في حمص القديمة وقياداتهم. وذلك سبب آخر لعدم ثقة البعض فيما قيل عن أنها "هدنة إنسانية".

وكانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد أعلنت انتقادها للاتفاق التي لن تتضمن "التزام صارم من كل الأطراف باحترام المبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي".

ويتواجد ممثلو الأمم المتحدة في مدرسة الأندلس طوال اليوم، كما يزورونها في الليل. كما أجروا تفتيشات على من أُطلق سراحهم. ومن الواضح أن وجودهم يُحدث فارقًا، رغم خوضهم العديد من المناقشات الصعبة.

ويقول ممثل الأمم المتحدة، يعقوب الحلو، إن الحكومة "تريد تقديم نموذج جيد من هذه التجربة. ونأمل أن يكونوا يلتزموا بما تعهدوا به".

وتعتبر مدرسة الأندلس حالة مختلفة عن مراكز الاعتقال السورية المعتادة. إلا أن المخاوف تتزايد بشأن عملية الاعتقال والاستجواب، بما في ذلك التهم الموجهة للرجال.

وأخبرنا عدد من المحتجزين أن الضباط ذوي الرتب الصغيرة توعدوهم بإجراءات قاسية "فور مغادرة من يرتدون الخوذات الزرقاء".

فيما أكدت الأمم المتحدة ومحافظ حمص عدم مغادرتهم. إلا أن معظم الرجال لا يعلمون موعد خروجهم والجهة التي سيسمح لهم بالذهاب إليها.

المزيد حول هذه القصة