لبنان يتجه نحو الهاوية مع عبور الصراع السوري إلى حدوده

ضواحي لبنان الجنوبية مصدر الصورة Reuters
Image caption تعد الضواحي الجنوبية لبيروت ذات الأغلبية الشيعية هي القاعدة الأساسية لدعم قوات الأسد

يستضيف لبنان نحو مليون لاجئ من الصراع الدائر في سوريا، وهو ما يعني أن هناك سوريا واحدا من بين كل أربعة أشخاص فيه. لكن تأثير ذلك على لبنان المجاور لسوريا يتجاوز الأزمة الإنسانية فقط، وذلك وفقا لمراسلة بي بي سي كيم غطاس في بيروت.

وتعلق صور "شهداء" حزب الله في لبنان على أعمدة الإنارة، والشرفات، كما تُوضع ملصقات لصورهم على الحوائط والزجاج الأمامي للسيارات.

ولم يمت أولئك الرجال في قتال مع إسرائيل، العدو اللدود لحزب الله، ولكن خلال دعمهم لقوات الرئيس السوري بشار الأسد عبر الحدود، في سوريا.

وتعد الضواحي الجنوبية لبيروت التي تضم أغلبية شيعية هي القاعدة الأساسية لذلك الدعم الذي يقدمه حزب الله.

وغالبا ما يشار لهذه المنطقة على أنها "معقل" لجماعة حزب الله الشيعية .

ويستدعي ذلك اللفظ صورا لأزقة مظلمة ومنشآت عسكرية خالية من أوجه الحياة المدنية.

لكنها بالعكس من ذلك ضاحية من الطبقة المتوسطة تعج بالزحام المروري، والمقاهي، والمحال التجارية، وتضم سيارات باهظة الثمن تصطف خارج المباني.

وترتدي النساء الحجاب الأسود أو بنطال الجينز الضيق، وهناك مجموعات من الشباب يتجولون في الشوارع.

لكن حزب الله يشعر بالقلق بشأن الأمن هذه الأيام، وأفراده هم الذين يتولون المسؤولية هنا.

مصدر الصورة AFP
Image caption تدفع جماعة حزب الله ثمن دورها في القتال لدعم بشار الأسد

ويقف رجال الأمن بزيهم الأسود وهم يحملون السلاح أمام نقاط التفتيش عند كل مدخل من مداخل المنطقة.

ويحرس أولئك الرجال المباني التي تضم مكاتب حزب الله، ويمنعون السيارات من الوقوف في الشارع، ويستجوبون أي شخص يبدو غريبا عن المكان.

وتدفع جماعة حزب الله ثمن دورها في القتال لدعم بشار الأسد عبر الحدود مع سوريا، فقد نفذت مجموعات مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة أعمالا انتقامية، وهزت المنطقة عدة انفجارات أدت لمقتل مدنيين في الأشهر القليلة الماضية.

"التكفيريون"

ومن بين أولئك الذين قتلوا الشاب علي خضرا الذي كان يبلغ من العمر 17 عاما. وكان الشاب في طريقه إلى إحدى الصيدليات بعد ظهيرة يوم الثاني من يناير/كانون الثاني عندما انفجرت سيارة جيب مليئة بالمتفجرات كانت تقف على جانب الطريق على بعد عدة أمتار من منزلة.

مصدر الصورة Reuters
Image caption كانت حنان تشعر بالأسى بسبب مقتل ابنها علي

ووافقت والدته حنان وأخوه محمد على الحديث معي بعد أيام قليلة من المأساة التي ألمت بالعائلة.

ورتب لنا اللقاء المكتب الإعلامي لحزب الله في المدينة.

وفي منزل العائلة الهادئ في فترة الصباح، روت لي حنان أنها ليست غاضبة، لكنها كانت تشعر بأن قلبها يحترق بسبب فقدها لابنها.

وقالت الأم عن ابنها علي الذي كان يطمح أن يصبح مهندسا: "كل شخص في العائلة كان يحبه، وكان دائما ابنا متسامحا، وهادئا، وودودا، ومحبوبا."

وتتهم الأم جماعات سنية متشددة بقتل ابنها، لكني أعلم أن هناك توترا في المجتمع بسبب دور حزب الله في سوريا، ولذا سألتها حول ما إذا كان ذلك سيحدث لو لم يكن حزب الله يقاتل في سوريا.

لكن اجابتها كانت مؤكدة، وقالت إن حزب الله لا يلام في ذلك، وأن المتشددين من السنة كانت أعينهم تتطلع دائما إلى لبنان، وقد بدأوا في تنفيذ ذلك.

وكانت حنان حريصة على أن تؤكد على أنها لا تُكن شيئا تجاه السنة، وروت لي كيف أن أول اتصال تليفوني للعزاء تلقته كان من أم شاب سني قتل قبل أسابيع قليلة في حادث آخر نتج عن تفجير سيارة.

ويمثل المتشددون السنة الذين يعرفون باسم "التكفيريين" تهديدا للسنة، وللمسيحيين، وللشيعة على حدٍ سواء، كما تقول حنان.

المعركة ضد حزب الله

واحتلت سوريا لبنان من عام 1976 إلى عام 2005، ولذا لا يزال لديها حلفاء رئيسيون هنا وكذلك أعداء أقوياء، وهو ما يفسر السبب في أن كل فصيل سياسي، وكل فئة في لبنان تشعر أن مستقبلها مرتبط بنتائج الحرب في سوريا.

وفي مدينة طرابلس اللبنانية، لا تزال الذكريات المؤلمة للوجود السوري حية في الأذهان.

مصدر الصورة AFP
Image caption يعد القتال إلى جانب قوات الأسد معركة من أجل البقاء بالنسبة لحزب الله

ففي منتصف الثمانينيات، شهدت المدينة ذات الأغلية السنية هجوما عنيفا من القوات السورية على الجماعات الإسلامية، وقتل العشرات من الناس فيما وصفه السكان بالمذبحة.

كما اعتقل العشرات إن لم يكن المئات وقضوا سنوات عديدة في السجون.

وتراكمت الآلام لسنوات في ظل ذلك الاحتلال، لكن اليوم، يقود الماضي بعض هؤلاء لعبور الحدود وقتال القوات الموالية للأسد.

ورتب لنا الشيخ نبيل رحيم، وهو أحد المشايخ من السلفيين السنة، لقاءا مع اثنين من الذين حملوا السلاح.

أبو مجاهد الذي يزيد عمره على 30 عاما هو أب لطفلين، ذهب إلى القتال في صفوف المعارضة في سوريا مرات عديدة عام 2012.

وأخذ أبو هريرة البالغ من العمر 26 عاما راحة من القتال لقضاء وقت في منزله مع طفله الرضيع.

وتدعم أسرة أبو هريرة تماما فكرة قتال الرئيس السوري بشار الأسد، فزوجة أبو هريرة سورية من حلب، ووالدها أحد قادة المعارضة التي تقاتل ضد نظامه.

كان أبو هريرة قد أصيب في معركة بلدة القصير التي أصبحت منعطفا في الحرب السورية في مايو/آيار العام الماضي.

وتقع بلدة القصير على مقربة من الحدود اللبنانية ومدينة حمص في وسط سورية، وهي منطقة تحتل أهمية استراتيجية بالنسبة للمعارضة السورية والحكومة.

ودفعت جماعة حزب الله بمئات المقاتلين في مسعى للسيطرة عليها، لكن المعارضة فقدت سيطرتها على المدينة واستعادت قوات الأسد اليد العليا في الصراع.

لكن بالنسبة لحزب الله، يعد القتال إلى جانب قوات الأسد معركة من أجل البقاء.

ويرى أبو هريرة الصراع السوري معركة ضد حزب الله وإيران، وليس ضد الرئيس السوري وحده، الذي يعتبره دمية في يد طهران.

ولا يلوح لديه أي أمل على الإطلاق بشأن المستقبل في لبنان طالما استمرت الحرب في سوريا، لكنه يرغب في انتصار المعارضة، أو كما يقول قد تنقل الحرب رحاها إلى لبنان وأن تصبح المعركة ضد حزب الله.

انتقال المعركة

مصدر الصورة AFP
Image caption أصبح صمود لبنان صعبا في مقاومة الإنزلاق إلى الفوضى.

لطالما عانى لبنان من صراعات ومعارك واشتباكات أسبوعية تشهدها طرابلس بين مسلحين سنة معارضين للأسد في منطقة باب التبانة، ومسلحين موالين للأسد في منطقة جبل محسن، وهي منطقة تسكنها أغلبية تنتمي للطائفة العلوية التي ينتسب إليها الرئيس السوري.

قابلت صحفيا محليا يدعى إبراهيم شلهوب الذي اصطحبنا في جولة في المدينة خلال يوم هادئ.

وقفنا في شارع سوريا الذي وصفه إبراهيم بأنه "خط الحدود" بين باب التبانة وجبل محسن.

تعتبر المنطقة فقيرة كحال الأحياء العشوائية، كما أن الأبنية عليها آثار قصف يصعب تحديد ما اذا كانت من المعارك الأخيرة أم من معارك سابقة.

وقال شلهوب: "أحيانا لا أتعرف عليها بوصفها مدينتي، كما أشعر أحيانا أنها لم تعد طرابلس أو لبنان. أشعر كأنني في سوريا."

ولا يرى شلهوب المسيحي الديانة بارقة أمل في المستقبل.

فعلى مدى أول عامين لانتفاضات الربيع العربي، بدت لبنان كما لو كانت ملاذا آمنا للهدوء، فلم يكن يتوقع أحد أن تطول الانتفاضة في سوريا الحرب الدائرة هناك كل هذه الفترة.

وأصبح انتقال المعركة أمرا لا مفر منه كما أصبح صمود لبنان صعبا في مواجهة الصدمة ومقاومة الانزلاق إلى الفوضى.

مجال للأمل

التقيت روني شطح، نجل محمد شطح، وزير المالية السابق الذي أغتيل في ديسمبر/كانون الأول 2013.

مصدر الصورة AFP
Image caption يؤمن روني (وسط) بمدينة تضم الجميع بمختلف العقائد، لكن نظرته تغيرت بعد اغتيال والده.

كان شطح مستشارا سياسيا بارزا لسعد الحريري، زعيم تكتل الرابع عشر من أذار المعارض للحكومة السورية، نجل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري الذي اغتيل عام 2005، في حادثة أدت إلى انسحاب سوريا من الأراضي اللبنانية، فضلا عن محاكمة أربعة من جماعة حزب الله بزعم تورطهم في ارتكاب الحادث غيابيا في محاكمة تدعمها الأمم المتحدة في لاهاي.

دأب روني شطح، البالغ من العمر 32 عاما، على تنظيم جولات سياحية في بيروت وكذلك للبنانيين المهاجرين الذين يزورون بلدهم.

ويؤمن روني بمدينة تضم الجميع بمختلف العقائد، لكن نظرته تغيرت ولا يبدو أن هناك مجالا للعدول عنها.

وقال روني أثناء جلوسنا في أحد المنتجعات الساحلية: " ما زلت أهتم بالأمر، لكن بيروت التي أحببتها أخذت والدي وأخذت أعز أصدقائي وأمي، ولست متأكدا الآن إن كنت أرغب في البقاء."

وأضاف: "هناك مجال للأمل إذا قرر اللبنانيون خوض تحدي التفكير، وغير ذلك، ستكون الفوضى العارمة."

دفن والد شطح في ميدان بوسط بيروت في التاسع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول الماضي، وكانت الملاهي الليلية القريبة مكتظة بروادها في ذات الليلة، الموسيقى لا تتوقف في بيروت، غير أن شطح سعيد بأن الناس ما تزال تتذوق متع الحياة البسيطة.

وتابع شطح: "هؤلاء الناس الذين يرقصون إلى جوار (قبر) أبي لا يزعجونني، بل ما يزعجني بحق هو استيعاب ما هو غير مألوف، وأن تصبح غير راغب في مواجهة المشكلات لتجنب حدوث اغتيال آخر، ونحن نرقص في الهاوية."

المزيد حول هذه القصة