الجزائر: مزحة عبد المالك سلال تهز أمازيغ الأوراس

مصدر الصورة .
Image caption تعرضت عدة أماكن في غرداية للحرق والتخريب خلال أزمة غير مسبوقة في هذه الولاية

تتقلب الجزائر اليوم على صفيح الاحتجاجات الساخن. فبعد احتجاجات الرافضين لولاية رابعة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والاشتباكات التي وقعت في مدينة غرداية في الجنوب بين الطائفتين الإباضية والمالكية، اهتزت منطقة الأوراس في شمال شرق الجزائر ليس لأسباب سياسية أو اقتصادية أو حتى إجرامية بل بسبب "مزحة" رئيس الوزراء الأسبق عبد المالك سلال.

وتعيش مدينة غرداية حالة من التوتر استمرت بشكل متقطع منذ حوالي ثلاثة أشهر، بين أفراد الطائفة الإباضية المعروفة باسم بني مزاب وهم من الأمازيغ وبين العرب المالكية المقيمين في نفس المدينة.

ولم تهدأ هذه الجبهة حتى اشتعلت جبهة أمازيغ آخرين لم يكن محسوب حسابها، إذ أن المتسبب في إثارتها "مزحة" من رئيس الوزراء الأسبق عبد المالك سلال عرضتها قناة تلفزيونية خاصة أشعرت "الشاوية" كما يطلق عليهم بالإهانة.

"استهتار السلطة"

وفي الحادثة الأولى نقل الإعلام المحلي درجة اللاأمن التي وصلت إليها غرداية. وقال أهالي المدينة من الطرفين أنهم باتوا لا ينامون ولا يثقون في أحد ويحاولون الحفاظ على أمنهم وأمن عائلاتهم بأنفسهم.

وبينما تتمتع الطائفة الإباضية بنظام تكافل اجتماعي ناجع سمح لها بالتغلب على مشاكل اجتماعية مثل البطالة والزواج المتأخر، عاش الجانب الآخر في مشاكل الفقر والبطالة.

واشتكى الأهالي من الطرفين من تأخر تدخل الدولة بكل ثقلها لوضع حد للاشتباكات والعنف خاصة مع "اشتباه في وجود عناصر من خارج المدينة فيها تسعى إلى تأجيج الوضع."

وأدت الاشتباكات منذ اندلاعها قبل ثلاثة أشهر حتى الآن إلى سقوط 5 قتلى من الاباضيين و3 من المالكية بينما لم يزر الوزير الأول بالنيابة غرداية إلا يوم أمس الأحد.

وقال اسماعيل طلاي وهو إعلامي من منطقة غرداية لبي بي سي إن " الأهالي انتظروا هذه الزيارة منذ وقت طويل، كما أن الدولة تعاملت مع الأزمة بكثير من الاستهتار والاستصغار، واعتبرت مجرد مناوشات."

وأضاف أن "الحل الأمني وحده لا يكفي فالانتشار الأمني القوي الذي حدث سيهدىء من الأمور لفترة وبما أنه ليس أبديا ستعود المناوشات، لذلك يجب مرافقة الحل الأمني بحلول أخرى خاصة منها متابعة المتعصبين والمحرضين، وحلول اقتصادية تضع حدا للفقر المنتشر ببعض مناطق الولاية لأن الطرف الآخر (من العرب المالكية المنتمين لقبيلة الشعانبة) يشعر بالغبن، إضافة إلى إرساء تواصل حقيقي بين الطائفتين."

وأعرب طلاي عن أسفه من "أن يكون صوت العقل خافت رغم أنه يمثل الأغلبية في غرداية من الجانبين فالمزابيين وعرب المنطقة معاً وزراء حاليون وسابقون لم نسمع منهم مواقف".

مصدر الصورة .
Image caption رئيس الوزراء الأسبق يمازح أحدهم ويتسبب في تقليب أمازيغ الأوراس عليه

اما في الحادثة الثانية وبينما جبهة غرداية مشتعلة، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لعبد المالك سلال رئيس الوزراء السابق والمستقيل لإدارة حملة المرشح عبد العزيز بوتفلية الانتخابية، وهو يمازح أحدهم بكلمات "سلبية" في حق أمازيغ الأوراس ما أثار حفيظة هؤلاء وأغضبهم وجعلهم يخرجون للشارع.

وظهر بعدها سلال في تصريح للإعلام وهو يؤكد أنه لم يكن يقصد الاساءة "للشاوية" وأنها مجرد دعابة لم يكن يتصور أنها ستخرج من إطارها وتحدث ما أحدثت.

وهزت مزحة سلال أهالي منطقة الأوراس وخرجوا في عدة ولايات للتظاهر ضد "إساءة" سلال رافعين شعارات رافضة لولاية رابعة لبوتفليقة، بينما دعت أطراف أخرى إلى توسيع نطاق الاحتجاج والخروج في مظاهرة الخميس المقبل، حسب ما ذكرته صحف محلية.

ونقلت صحف محلية مطالبة المتظاهرين الرئيس بوتفليقة بإقالة سلال ورفضهم اعتذاره وذهب بعض المحتجين إلى إحراق إطارات مطاطية خلال الاحتجاج بينما أفشلت قوات الأمن مظاهرة في العاصمة.

"منحدر مخيف"

وقال العربي زواق الاعلامي والمحلل السياسي لبي بي سي " المشكلة أنه لا توجد سلطة واحدة في الجزائر، بل مجموعة أشخاص لا يربط بينهم رابط ما يفسر طريقة تعاملها مع الأوضاع."

وأضاف أن "سلال مسير وليس رجل سياسة ما جعله لا يقدر ما يقول وبغض النظر عن تصريحه فهو لا يكره الشاوية، أما هذا الحراك في منطقة الأوراس فلن يذهب بعيدا وسيهدأ ولم تحدث مشاكل الآن، كل المشاكل ستبدأ بعد الانتخابات وعودة بوتفليقة."

وحسب زواق فإن "ما يحدث في غرداية غير مفهوم، لكن شخصيات من الطرفين في هذه الولاية ردت أصل المشكلة إلى تجار المخدرات، إنهم من فجروا الوضع. لان الولاء للطائفة إلى حد التقاتل وهو غريب وغير موجود في الجزائر بينما يظل الشعور بالانتماء للدولة الوطنية قوي."

ووصف المتحدث الوضع في الجزائر اليوم "بالمنحدر المخيف، بسبب الإفلاس العام في الدولة، وأن الانفجار الذي لا نتمناه قد يحدث بعد الانتخابات."

ويأتي التوتر في ظروف خاصة تتميز بجو انتخابي يتنافس فيه ستة مرشحين من بينهم الرئيس الجزائري الحالي عبد العزيز بوتفليقة ورئيس حكومته الأسبق علي بن فليس وهو من منطقة الأوراس.

وقال عبد العزيز رحابي وزير الاتصال الأسبق لبي بي سي إن "استهتار السلطة واستخفافها بأزمة غرداية نابع من اعتدادها بقوتها، مع أن هذه المشكلة ليست جديدة بل ظهرت منذ سنوات."

وأضاف أن "هنالك أزمة في هرم السلطة، كما أن الخطاب السائد اليوم هو نفسه الخطاب الذي كان سائدا قبل أربعة أشهر من سقوط أنظمة ما قبل الربيع العربي."

وأكد أن التخوف مما ستفرزه الانتخابات الرئاسية القادمة واقعي بسبب "الوعود الوهمية للسلطة، التي سيكون عليها في المستقبل الاستجابة لـ800 ألف طلب سكن، أكيد أن الحكومات القادمة ستدفع ثمن شعبوية بوتفليقة."

"أياد خارجية"

ويكمن الحل بالنسبة للمتحدث في "البناء المؤسساتي ودولة القانون فالحل في نهاية بوتفليقة والنظام إذا كان ذكيا سيتأقلم ويقبل التغيير."

ولم تمنع الأحداث الموالين للرئيس المرشح من التجمع والتحضير لحملته الانتخابية، ويرون بأن السلطة تعمل جهدها لضمان جو انتخابي آمن متهمين اطرافا خارجية بمحاولة تعكير الأجواء في الجزائر التي تستعد "لعرس انتخابي" كما يصفونه.

مصدر الصورة Reuters
Image caption تعرف الجزائر منذ إعلان الرئيس بوتفليقة ترشحه لولاية رابعة احتجاجات من الرافضين لترشحه

وقال ميلود شرفي رئيس المجموعة البرلمانية لحزب التجمع الوطني الديموقراطي الموالي لبوتفليقة لبي بي سي "إن ما يحدث في غرداية لا علاقة له بطبيعة أهالي المنطقة المعروفين بانسجامهم وتحضرهم بل هو تلاعب بمشاعرهم. إن هذه الأحداث تحركها أطراف خارجية بأيادي داخلية وهو امر يدركه الشعب."

وأضاف أن "الحكومة مستعدة لتقديم الحلول الاجتماعية للمنطقة مثلما باشرت بالحل الأمني وزيارة الوزير الأول دليل على ذلك كما أنه تم توزيع حصص مالية على كل الولايات مؤخرا."

ولا يرى شرفي أن ما حدث في الأوراس مشكلة "إنه شيء عادي ومن حق كل جزائري أن يكون مع أو ضد العهدة الرابعة، أما مزحة رئيس الوزراء فكانت مزحة مع صديق في جلسة خاصة. وقد وقع اتصال مع مسؤولين وقيادات ومجتمع مدني لتهدئة الاجواء. فالعرس الانتخابي قائم والأجواء لن تتعكر."

المزيد حول هذه القصة