عراقيتان هربتا من الصراع في بغداد، فعلقتا في دمشق

صبرية وابنتها أنسام
Image caption ُُُُطلب صبرية وأنسام اللجوء لأمريكا عُلق مع اندلاع الصراع السوري وإغلاق السفارة الأمريكية.

أم عراقية وابنتها كانتا ضمن آلاف العراقيين الذين لجأوا إلى دمشق قبل سنوات من اندلاع الصراع السوري، وطلبتا اللجوء إلى الولايات المتحدة، حيث يعيش بعض أقاربهما.

لكن بسبب إغلاق الولايات المتحدة سفارتها، أصبحت الأم وابنتها محاصرتين في دمشق، حيث تتفاقم الفوضى.

تتذكر الأم، صبرية الدليمي، الأوضاع في بغداد في يوليو/تموز 2009، حين غادرت بلادها.

ذهبت صبرية وابنتها، أنسام نعمان، إلى بيت عمها لتوديع العائلة. واستمر الوداع حتى وصولهما إلى محطة الحافلات، حيث استقلتا سيارة في رحلة مدتها 12 ساعة إلى دمشق.

مشهد بكاء جميع أفراد العائلة مازال عالقا بذهن صبرية، وتتذكر انفطار قلبها حزنا آنذاك.

وفي دمشق، تقدمت الاثنتان بطلب اللجوء إلى الولايات المتحدة، وظنتا أن الأمر لن يستغرق وقتا طويلا.

لكن بعد مرور نحو ثلاث سنوات، لا تزال الأم وابنتها بانتظار المقابلة الأخيرة قبل منحهما حق اللجوء في الوقت الذي أدى فيه تفاقم الصراع السوري إلى إغلاق السفارة الأمريكية.

من صراع إلى صراع

Image caption تلقت صبرية تهديدات بالقتل بدعوى أن عملها كراقصة فنون شعبية يخالف تعاليم الإسلام

مرت خمس سنوات، وما زالت صبرية تتوق لليوم الذي تجتمع فيه وابنتها بالأخ غير الشقيق لأنسام في ولاية تينيسي الأمريكية.

أكبر مخاوف صبرية هو أنها قد لا تتمكن من العودة هي وابنتها إذا غادرتا غرفتهما، إذ تقول "يحدث انفجار في أي وقت. من الممكن أن يحدث في الشارع الذي أسير فيه".

وتشعر الآن أنهما بمغادرة بغداد كانت كالمستجير من الرمضاء بالنار. ففي عام 2009، سلمت القوات الأمريكية مقاليد الإدارة عن بغداد للعراقيين.

وبدأت الأوضاع تتحسن في العراق على ما يبدو، لكن مخاوف صبرية، التي كانت تعمل في فرقة عراقية للفنون الشعبية، بدأت تتزايد.

وكانت صبرية تتلقى تهديدات بالقتل من جيش المهدي، إحدى القوى العراقية الشيعية، بدعوى أن مهنتها تخالف القيم الإسلامية.

وتقول صبرية "كنت فنانة. وكان يتعين علي المغادرة عندما هددوني".

وفي العراق، كانت الابنة أنسام لا تغادر المنزل إلا للمدرسة، وبصحبة أشخاص كبار.

كان مجرد خروجها كفتاة صغيرة والذهاب إلى محل البقالة فرصة نادرة لرؤية العالم الخارجي لنصف ساعة.

وبالنسبة إليها، كان الخروج من العراق حلم. وبدت دمشق هي المكان المناسب من وجهة نظر صبرية. على الأقل كانت آمنة.

وبمجرد حصولهما على مسكن في دمشق، تقدمت صبرية بطلب لجوء لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. وأحيل ملفهما إلى الولايات المتحدة كحالة لجوء "ذات أولوية"؟

وأجرت الاثنتان مقابلتين شخصيتين، ومع مطلع عام 2012، كانتا في انتظار المقابلة الثالثة عندما اندلعت الحرب في سوريا وخرجت الأمور عن السيطرة.

وكانت صدمة بالنسبة إليهما.

خيارات محدودة

Image caption تحاول بعض الأسر في المخيمات تزويج بناتهن مبكرا بقدر الإمكان لتجنيبهن خطر الاعتداء

وتقول أمبر موراي، وهي محامية متخصصة في شؤون هجرة السيدات بالعاصمة الأمريكية واشنطن، إن "المهاجرين العراقيين الذين فروا من العنف وعدم الاستقرار، لم يتوقعوا أبدا أن تنشب الحرب في سوريا".

وبحسب المتحدث باسم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بيتر كيسلر، تضم سوريا عددا من اللاجئين من جنسيات مختلفة بخلاف العراقيين، كالصوماليين والأفغان وغيرهم.

وكان الكثير منهم في طريقه لطلب اللجوء إلى الولايات المتحدة.

ولإصرار الولايات المتحدة على إجراء المقابلات وجها لوجه، وعدم قبولها بالبدائل الإلكترونية، وجد طالبوا اللجوء أنفسهم في ورطة بشكل مفاجئ.

ويقول مارك براون، مدير البرامج في المنظمة الدولية للهجرة، إن الخيارات المتاحة أمام طالبي اللجوء في سوريا قليلة للغاية "ولحين إعادة فتح السفارة الأمريكية في دمشق، ستعلق جميع برامج اللجوء إلى الولايات المتحدة".

وبذلك تبقى ثلاثة حلول أمام صبرية وأنسام؛ إما الانتظار لحين إعادة فتح السفارة، أو محاولة الوصول إلى السفارة الأمريكية في بيروت، أو التخلي عن فكرة اللجوء إلى الولايات المتحدة.

وقررت صبرية الذهاب إلى بيروت، فهي غير مستعدة للمخاطرة بحياة ابنتها مرة أخرى. وهي غير واثقة إن كانت تستطيع الوصول إلى الحدود، فهي مخاطرة مكلفة.

كما أنها لم تسمع بعراقيين استطاعوا العبور إلى لبنان من قبل.

وبحسب كيسلر، قد لا تستطيع صبرية الدخول إلى لبنان حتى إذا وصلت إلى الحدود، لأنها ليست بلد اللجوء الأساسية.

ولكن حتى مع عبور الحدود إلى لبنان، لا ترى صبرية أن بإمكانها وابنتها الحياة في معسكر للاجئين.

فقد سمعت من الجيران أن الحياة في المعسكرات غير آمنة للنساء، وهذا ما يؤكده تقرير منظمة أوكسفام في سبتمبر/أيلول.

ويتعرض النساء، خاصة من ليس بصحبتهن رجال، لحالات اعتداء جسدي وجنسي.

ويقول التقرير إن بعض الأسر تزوج بناتها مبكرا بقدر الإمكان لحمايتهن من الاعتداء.

ويقول كيسلر: "للأسف، فإن العنف الجنسي والعنف بسبب النوع ظاهرتان منتشرتان في أي مجتمع، بما في ذلك معسكرات اللاجئين كما في سوريا".

لكنه أضاف أن الأمم المتحدة تحاول منعها قدر الإمكان.

وأضاف أنه قد يكون من الأفضل لبعض اللاجئين البقاء في دمشق إذا كانوا في مأمن من هذه الأعباء المكلفة.

اللجوء إلى أي مكان

Image caption ترغب أنسام في إكمال تعليمها منذ مغادرتها بغداد عام 2009.

وتقول صبرية إنها قادرة على العيش في سوريا بمساعدة بعض الأصدقاء، لكنها تتوق إلى الرحيل.

لذا، فالخيار الوحيد هو أن تتخلى عن اللجوء إلى الولايات المتحدة، وتطلب اللجوء من جديد في دولة تقبل بإجراء المقابلات الشخصية عبر الهاتف.

وكان أحد ممثلي المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أبلغ بصورة مفاجئة صبرية وأنسام أنه من الأفضل لهما إلغاء طلب اللجوء إلى الولايات المتحدة والتقدم بطلب آخر للجوء إلى بريطانيا.

وتقول صبرية إن أنسام استقبلت هذا الخبر بفتور.

وكان أخوها، الذي يعيش في الولايات المتحدة منذ 2002، قد وعدها بمساعدتها في الالتحاق بالجامعة ومساعدتها في الدراسة.

وبعد فترة صمت طويلة، قالت أنسام إنه نظرا إلى تردي الأوضاع، فإنها أصبحت على استعداد للذهاب إلى أي مكان، ما عدا بغداد. فلا هي ولا صبرية تريدان العودة إلى هناك.

ويستغرق البت في طلب اللجوء إلى بريطانيا نحو ستة أسابيع، ولكن هذه المدة قد تطول.

ولحين التوصل إلى قرار بشأن طلب اللجوء من عدمه، ستواصل صبرية وأنسام العيش في شقتهما الصغيرة ذات الأثاث البالي، وتعيشان على مساعدات الأمم المتحدة وما يرسله إليهما الأقارب.

وتلزم الاثنتان الشقة الصغيرة التي تسكنان فيها والمتكونة من غرفة واحدة فقط معظم الوقت.

ورغم أنهما اعتادا على الحياة في مناطق الصراع، فإنهما لا تزالان تنتفضان لدى سماعهما صوت القنابل.

وكل ما تريده صبرية هو أن تعيش بسلام مع ابنتها، التي ولدت في أعقاب حرب الخليج، وكانت أنسام في الحادية عشر من عمرها حينما تم غزو العراق عام 2003.

وبذلك، تكون قد قضت أنسام أكثر من نصف سنوات عمرها البالغ 21 عاما في مواجهة شتى أنواع الأخطار، كالتفجيرات والاختطاف.

تريد صبرية لابنتها أن تكمل تعليمها الذي توقف منذ أن غادرتا العراق في يوليو/تموز 2009. وتقول "أشعر أنني كبرت عشرين عاما في السنوات الخمس الأخيرة."

المزيد حول هذه القصة