أربعة أيام في طهران

Image caption تكتظ شوارع طهران بالبضائع استعدادًا لاستقبال العام الفارسي الجديد

أربعة أيام لم تكن كافية للتعرف جيدًا على العاصمة الإيرانية طهران التي تعج بالملايين، إلا أنها كانت كافية للتعرف على سحر هذه المدينة، كما أن زيارتي القصيرة لإيران كانت كافية للتعرف على أهمية علاقة الايرانيين مع العالم الخارجي.

ولا زالت أشجار الجنار تحف جادة ولي عصر، الذي يعتبر أطول شارع في الشرق الأوسط وربما في العالم، إلا أن عدد هذه الأشجار انخفض كثيراً مقارنةً بما كان عليه في الماضي، إلا أنها لا زالت موجودة كأحد أبرز معالم طهران.

ويبدو أن الزحام المروري الذي تُعرف به العاصمة الإيرانية أصبح أسوأ مما كان عليه قبل خمس سنوات خلال زيارتي للمدينة. فالاستعداد لاستقبال العام الجديد يعيق حركة المارة، لهذا على المرء أن يضع في حساباته توقيت السفر قبل الرحلة المقبلة.

واستوقفني كثيراً سحر فن العمارة الاسلامية في نماذجه الفارسية المنتشرة في طهران، كما استمتعت بمشاهدة أعمال الزخرفة بالأحجار.

ولم أنس القيام بجولة في المطبخ الإيراني المعروف بالخيار الزمردي والزعفران الذهبي.

وطوال الطريق استوقفنا الإيرانيون بحفاوة وبتحيات دافئة تدل على حسن الاستقبال وكرم الضيافة.

إنها روح العام الجديد الذي يطلق عليه الإيرانيون "عيد النيروز" والمفاجآت السبع التي يقدمها الإيرانيون على طاولة الاحتفال بأعياد الربيع هي السبب في الحفاوة المبالغ فيها التي استقبلونا بها في طهران.

وسوف أعرض المفاجآت السبع الخاصة بي والتي اكتشفتها في زيارتي الأخيرة كما يلي.

كانت صالات الاستقبال بالفنادق تعج بالوافدين إلى إيران من كل مكان في العالم، خاصةً الأسيويين. وسألت مدير شركة إليكترونيات بالهند عن سبب زيارته، فأجابني بأنه جاء لتفقد العملاء المحتملين وأنه وجد الكثير منهم هناك.

أما المفاجأة الثانية فكانت أفضل أنواع "الشاي الإنجليزي التقليدي" الذي قُدم لي في غرفتي بالفندق الذي جُدد بالكامل. وكان هناك في البراد الخاص بالغرفة الكثير من المرطبات الأمريكية.

إيران تتحدى الحصار

وفاجأتني أيضًا تلك المحال التجارية التي تبيع أغلى ماركات الأزياء الغربية في الأحياء الأكثر ثراءً بشمال طهران، وذلك رغم العقوبات الدولية المفروضة على طهران. فالمبدعون من الإيرانيين يدخلون تلك البضائع إلى البلاد بطريقتهم.

وكانت المحال التجارية في مناطق أخرى تكتظ بالزبائن، وفي بعض الأماكن تكاد تنفجر من كثرة البضائع والزبائن، ولكنهم جميعًا يشكون من ارتفاع الأسعار الناتج عن العقوبات الاقتصادية. وكانت بعض البضائع قد ارتفعت أسعارها إلى ثلاثة أضعاف السعر العادي. ومع ذلك، كانت هناك منتجات بديلة أرخص سعرًا.

ورغم ذلك، كان هناك نقص حاد في سلع بعينها مثل قطع الغيار والأدوية الضرورية. كما بدا من حديثي مع بعض الإيرانيين أن مساعي الحكومة لتخفيف المعاناة عن كاهلهم باتت محدودة للغاية مما يزيد من صعوبة الموقف.

Image caption رغم ارتفاع الأسعار بسبب العقوبات الاقتصادية، يقبل الإيرانيون على شراء السلع للاحتفال بالعام الجديد

وتنتشر رافعات البناء العملاقة في سماء طهران. فبعض الإيرانيين ممن يستطيعون الحصول على العملة الصعبة ولديهم صلات قوية بدوائر السلطة تمكنوا من جني أموال طائلة تحت وطأة الحصار الاقتصادي. وهم الآن يبنون شققا سكنية في العاصمة، ولكن ليس هناك الكثير من الإيرانيين الذين باستطاعتهم شراء تلك الوحدات.

حقوق الإنسان

كان من الواضح أن هناك ردة فعل عنيفة تجاه إشارة كاثرين آشتون منسقة السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي، وبان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، إلى إمكانية ضم قضية حقوق الإنسان في إيران إلى جدول أعمالهما.

وهناك أيضًا حالة من الريبة بين الإيرانيين حيال إمكانية أن تكون المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني ذريعة للتدخل في شؤون إيران.

في غضون ذلك، يظهر النشطاء الإيرانيون شجاعة بالغة في تناول قضايا حقوق الإنسان في بلادهم بالإضافة إلى إبداء إدارة روحاني، الرئيس الإيراني، استعدادها لأخذ زمام المبادرة لاتخاذ ما يلزم نحو حقوق الإنسان.

وكان كل من قابلت في طهران، بغض النظر عن الرؤى السياسية، يعرب عن رغبة في انفتاح أكثر على العالم واتفاقية طويل المدى تحترم إيران ومصالحها.

وقال أحدهم "لا يمكننا المكوث طويلًا وراء جدار عازل وعلى الغرب أن يبدي حسن النية."

وكان أفضل تعبير سمعته على لسان الإيرانيين هو الذي وصف إيران بأنها "جزء من العالم، وليس ضد العالم."

ولكن الشعور القومي والفخر بالانتماء إلى إيران متأصل في النفوس بقوة هنا. وهناك ثقة لدى جميع الأطياف السياسية في أن إيران تتمتع بالمكانة المناسبة في المنطقة وتجاوز ذلك إلى حدٍ أبعد. ولكن الجدل لا زال يحتدم حول الطريقة التي يمكن من خلالها المضي قدمًا في ذلك.

بداية جديدة

ورأيت في إيران ندمًا شديدًا أبداه الكثيرون على "السنوات الضائعة" والفرص التي لم يدركها شباب في بلد أغلبية سكانها تحت سن 35 سنة.

قال لي مهندس إيراني شاب "لن أتمكن من تعويض السنوات الضائعة". وكانت إجابتي له هي نفس الإجابة التي رددتها كثيرًا أُثناء حديثي مع كل من قابلت هناك، وهي أن هناك أملا في التغيير.

ولاحظت أن الإيرانيين من مختلف الأعمار متصلون بالعالم من حولهم عبر وسائل الاتصال الحديثة رغم فرض حظر من جانب النظام في طهران على القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر.

وحتى تغريداتي على موقع التواصل الاجتماعي تويتر كانت تُستغل من جانب المتشددين.

وباقتراب السنة الجديدة في إيران، تأمل البلاد، التي تسودها روح النوروز في هذا الوقت من كل عام، في أن تحصل على بداية جديدة وبركات من السماء. ومعنى ذلك في بلد تعاني من تلك الظروف هو أن تتوفر الفرصة في التغيير والاستمرارية.

وفي نهاية الرحلة، فقدنا محتويات القرص الصلب الخاص بأحد أجهزة الكمبيوتر التي اصطحبناها معنا لتوثيق الزيارة بعدما تعامل معه الأمن بمطار طهران. ولكننا احتفظنا بنسخة مما رأيناه وسمعناه هناك في الذاكرة. ولن ننسى أبدًا تلك الأيام الأربعة التي قضيناها في طهران.

المزيد حول هذه القصة