هل تحقق الصحافة "البديلة" في مصر توازناً؟

مصدر الصورة Getty
Image caption بعدما عزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي اتخذ الإعلام المصري اتجاها أثار الانتقاد

في شقة بحي الدقي الذي يبعد بضعة لكيلومترات عن ميدان التحرير في القاهرة يجلس شباب في العشرينيات حول أجهزة كمبيوتر بشاشات صغيرة، يكتبون التقارير، يرسمون تصاميم الغرافيك، ويرصدون المؤشرات عن أنشطة القراء على الموقع الإلكتروني الذي يديرونه.

هذه المجموعة، التي يبلغ عدد أفرادها حوالي 25 شخصا، تشكل فريق "بوابة يناير"، وهو موقع إلكتروني إخباري مصري أطلق في أول يناير/ كانون الثاني الماضي تحت شعار "صحافة مش خوافة". ويقول إنه يطرح صحافة بديلة لما هو سائد على الساحة الإعلامية المصرية حاليا، والتي يصفها متخصصون بـ"المنحازة" و"أحادية الصوت".

بوابة يناير ليست المبادرة الوحيدة في هذا الصدد، بل أطلق مؤخرا عدد من المواقع الإلكترونية في مصر، قد لا تتمتع بإمكانات كبيرة، وغالبا ما يديرها شباب حديثو السن، ولكنها تقدم ما تصفه بالإعلام المختلف، وتبرز ما ترى أن الإعلام السائد يغض الطرف عنه.

إعلام "رجال الأعمال"

يجلس محمود عبد الله، نائب مدير تحرير بوابة يناير، في غرفة خلت إلا من طاولتين وكرسيين، وصندوق فيه بقايا أغلفة جهاز كمبيوتر، يرجع فيها صدى أصواتنا أثناء الحديث.

بعدما عزل الجيش الرئيس الاسلامي محمد مرسي في يوليو/ تموز الماضي وسط مظاهرات شعبية منددة بحكمه، اتخذ الإعلام المصري اتجاها في تغطيته الإخبارية أثار الانتقاد.

مصدر الصورة Yanair

يعلن الكثير من المذيعين الآن تأييدهم للجيش أثناء إذاعة برامجهم، وتضع القنوات الخاصة شعارات مثل "ضد الارهاب" على شاشاتها فيما يبدو كالدعم للحكومة التي أعلنت مواجهتها "للإرهابيين" مع استمرار الهجمات على المنشآت الأمنية والحكومية.

وبعدما كان ينظر للإعلام الحكومي المصري على أنه إعلام موال للدولة، صار ينظر للإعلام الخاص، الذي كان يعتبر "مستقلا" في يوم من الأيام، نظرة مشابهة.

يقول عبد الله، 23 عاما، إنه ومجموعة من الصحفيين أرادوا إنشاء موقع "بلا حسبة سياسية تطغى على السياسة التحريرية"، مضيفا "ليس لدينا سقف، نحن ننشر أخبارا ضد السيسي، وضد الإخوان المسلمين، وضد فلول نظام مبارك".

وفي تجربة مشابهة أنشأت مجموعة أخرى من الشباب موقع "قل" لمقالات الرأي تحت شعار "ضد الصوت الواحد".

ويقول محمد ندا، أحد المؤسسين وعضو مجلس التحرير، إنهم أرادوا خلق مساحة للشباب "من جميع التيارات المختلفة لعرض آرائهم والنقاش فيها بحرية".

ويضيف "وجدنا أن الكتاب في الجرائد يظهرون أيضا على شاشات التلفاز. ورأينا أن الإعلام صار موجها بشكل زاد على الحد، ويرفض التيارات الأخرى".

مصدر الصورة QOLL

وتمرّ المقالات في قل على طيف واسع من الموضوعات بدءا بفن الرقص والسينما المعاصرة، إلى مشاهد يومية من المجتمع المصري، وتحليلات إعلامية وسياسية لا تخلو من انتقاد للجيش.

وترجع رشا عبد الله، أستاذة مساعدة في قسم الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، سبب انحياز جزء كبير من الإعلام، الخاص وليس فقط الحكومي، في مصر الآن إلى أنه مملوك لرجال أعمال كبار ترتبط مصالحهم بالسلطة.

وتقول "لا يخفى على أحد أن عددا من وسائل الإعلام الخاصة مملوكة لرجال أعمال موالين لنظام مبارك".

وتضيف "كما أن هناك عادة سيئة في مصر ألا وهي الرقابة الذاتية، فحتى إذا كانت لا تملي الدولة توجيهاتها على الإعلاميين، يشعر القائمون على وسائل الإعلام أن عليهم القيام بذلك إما لكسب رضا النظام، أو لأنهم يعتقدون أن هذا هو التصرف السليم. ولكنهم في الغالب يحاولون إرضاء شخص ما."

يعلق محمود عبد الله، "لقد صارت كل وسائل الإعلام رسمية!"

حيادية وتوازن

ويصبح السؤال هنا هل تحقق هذه المنابر الصحفية مبادئ التوازن والموضوعية، أم تصبح كالناشط السياسي تتبنى أجندة ضد ما هو سائد؟

تقول رشا عبد الله "لنكن واقعيين، لا توجد صحافة حيادية تماما، لدى كل وسيلة إعلام أجندتها الخاصة. ولكن الفرق يكمن في مستوى من المهنية يجب أن تلتزم به وسائل الإعلام."

"ولكن للأسف هذا ليس الوضع في الإعلام المصري الذي بات أحادي الصوت. ولذلك فإن وسائل الإعلام البديلة قد تجد نفسها مضطرة لإبراز الجهة الأخرى، مما يجعلها منحازة إليها."

ومن هنا يرى البعض أن وسائل وسائل الإعلام "البديلة" لا تعمل بالضرورة من أجل رسالة المهنة الإعلامية وحسب، بل من أجل صوت المعارضة الذي لا يجد منبرا آخر له، ولذا قد تتطور هذه الوسائل مع وقت إلى أبواق للمعارضة بدلا من صحافة حقيقية تبتعد عن التحيز المنتشر والذي كان الدافع لإنشائها في الأساس.

ولكن من جهته يقول محمود عبد الله إن إبرازهم للأخبار والأصوات المعارضة للسلطة المصرية الحالية لا يمنعهم من تغطية ما يصدر عن هذه السلطة من آخر التطورات.

مصدر الصورة Yanair

وتعلق رشا عبد الله "ولكن الفرق هو أنه إن أقامت القوى الثورية مؤتمرا صحفيا مثلا لن توليه وسائل الإعلام السائدة اهتماما".

ومن ضمن الملفات التي تقابل زوار موقع بوابة يناير على الصفحة الرئيسية ملف بعنوان "من يقف ضد السيسي؟" يتحدث كاتبه أحمد عابدين عن فئات الشعب التي يراها معارضة للمشير، الذي يتمتع بشعبية كبيرة حاليا وأعلن ترشحه للرئاسة، ولكن بدون الإشارة لجماعة الإخوان.

صوت للاسلاميين

أغلق عدد من القنوات الاسلامية إثر عزل مرسي العام الماضي، وسرعان ما تضاءلت أصوات الاسلاميين وجماعة الإخوان في الإعلام خاصة بعدما قررت محكمة مصرية حظر أنشطة الجماعة، ووصفتها الحكومة بـ"الارهابية"، وألقي القبض على المئات من قاداتها وأعضائها.

وباتت مهاجمة الإخوان المسلمين جزءا من اتجاه عدد كبير من وسائل الإعلام المصرية، وتظهر أصوات القوى الاسلامية بشكل أكبر على وسائل التواصل الاجتماعي وفي بعض وسائل الإعلام غير المصرية.

وعلى الرغم من معارضة المواقع الإلكترونية الجديدة لاتجاه الإعلام المصري إلا أنه ليس هناك وجود كبير للاسلاميين عليها أيضا.

لكن عمرو بدر، رئيس تحرير بوابة يناير، يقول إن لا مانع لدى الموقع من نشر مقالات لشخصيات اسلامية بشرط "ألا تدعو للعنف وألا تحمل العنصرية".

ويشير محمود عبد الله، نائب مدير التحرير، لمقال واحد بقلم أحمد القاعود على الموقع ينتقد فيه بيانا رسميا للمتحدث باسم الجيش المصري ذكر فيه أن القوات قتلت عددا "من العناصر التكفيرية الخطرة التابعة لجماعة الإخوان" في عملية أمنية في فبراير/ شباط الماضي في سيناء.

أما في "قل" فتظهر مقالات للمفكر الاسلامي ناجح إبراهيم، الجهادي السابق، بالإضافة لمقال من الناشط السياسي الاسلامي الصاوي مبروك كتبها من داخل سجنه حاليا.

ويقول ندا إن "قل" يلتزم بثلاثة معايير لا غير في نشر المقالات هي "أن تتمتع بفكرة متماسكة، ألا تكون عنصرية، وألا تحمل ازدراء للأديان".

مصدر الصورة Yanair
Image caption فريق عمل بوابة يناير مكون من الشباب

انتشار وتأثير

ويقول ندا إن موقع "قل" حقق سبعة ملايين زيارة منذ إطلاقه في السابع من يناير/ كانون الثاني الماضي، أما بوابة يناير فتحتل المركز رقم 477 على قائمة أكثر المواقع مشاهدة في مصر حسب مؤشر اليكسا.

ويعتبر ندا ومحمود عبد الله أن هذا إنجاز جيد لمواقع في مراحلها الأولى.

وتقول رشا عبد الله "يصعب جدا على هذه المواقع الإلكترونية مجابهة القنوات التلفزيونية المنتشرة، فهي تحتاج لمنظومة كبيرة، بالإضافة للمزيد من التمويل والتدريب... ولكن أي صوت بديل هام وله دور."

ويؤكد المحررون في بوابة "يناير" و"قل" على أن المستقبل للانترنت، وأنه على الرغم من قوة تأثير التلفاز في الوقت الحالي إلا أن العالم الإلكتروني يكتسب مزيدا من الدعم والمتابعين مع مرور الوقت.

مصدر الصورة QOLL
Image caption نموذج من المقالات المنشورة على موقع قل

تحديات

أهم تحد يواجه هذه الوسائل الجديدة هو التمويل، فبينما تتمتع بعض وسائل الإعلام بتمويل كبير من ملاكها رجال الأعمال، تقوم هذه المواقع الإلكترونية على القليل من التمويل مما يحد من أنشطتها وقد يهدد استمرارها وتطورها في المستقبل.

فقد مول أصحاب فكرة "قل" بتمويل المشروع ذاتيا ويعمل القائمون عليه بشكل تطوعي، كما أنهم يعملون جميعا من البيت بلا مقر يجمعهم.

ويقول ندا إن الموقع سيسجل قريبا كشركة في وزارة الاستثمار المصرية، ويأمل أن يتمكن من جذب الدعم أو جلب إعلانات.

أما عن بوابة يناير فيقول رئيس التحرير عمرو بدر إن مجموعة من الصحفيين المصريين تحمست للفكرة ووافقت على تمويل المشروع لبضعة أشهر حتى يكتسب الموقع قدرة على جني المال.

يقول محمود عبد الله "بإمكاننا بدء خدمة للرسالة النصية الإخبارية، أو توفير مساحة للإعلان على الموقع، أو إطلاق قناة على موقع يوتيوب تجذب الإعلانات أيضا".

وقد تواجه وسائل الإعلام ضغوطا بسبب محتواها.

تقول رشا عبد الله، إن محاولات تعزيز حرية التعبير في مصر كانت دائما "فردية لكنها شجاعة لدفع الخطوط الحمراء".

وتعلق "إن النظام لا يعطينا الحرية، بل نحن نناضل من أجلها، فهي شيء نقوم به برغم السلطة وليس بمباركتها."

المزيد حول هذه القصة