العفو عن "بلال" يشعل حملات لوقف الإعدام في إيران

مصدر الصورة AFP
Image caption شارك عدد من الشخصيات المعروفة في إيران لشهور في حملة للعفو عن بلال.

في الصباح الباكر من يوم الأربعاء الماضي، كان الشاب الإيراني بلال يسير بخطىً واهنة نحو منصة الإعدام ليواجه حكما بالشنق في مدينة نور، شمالي إيران.

ومع أن الوقت كان لا يزال مبكرا، تجمع المئات أمام السجن الذي يحتجز فيه بلال ليشهدوا تنفيذ الحكم.

ومن بين تلك الجموع، كانت أمه وأخواته يقفن ويبكين بشدة، إلا أن بلال لم يكن باستطاعته رؤيتهن وهو يتقدم معصوب العينين نحو ذلك الكرسي الخشبي الذي سيقف عليه لتنفيذ الحكم.

كانت هناك أصوات تتعالى بين الحضور تطالب عائلة الضحية المقتول عبد الله حسين زاده بالعفو عن بلال، والذي قتل عبدالله منذ سبعة أعوام في إحدى المشاجرات بالشارع بعد أن سدد له عدة طعنات.

وكان بلال يبلغ من العمر آنذاك 19 عاما، بينما كان عبد الله يبلغ 17 عاما.

وما أن وضع الحراس الحبل حول رقبته، حتى أجهش بلال بالبكاء.

إلا أن ما زاد من حدة المشاعر في ذلك المشهد هو أن تقدمت أم الضحية عبد الله نحو بلال وصفعته على وجهه.

مصدر الصورة AFP
Image caption تقدمت أم الضحية وصفعت وجه بلال، قاتل ابنها عبد الله وسط ذهول الجموع التي تتابع المشهد

وأمام تلك الحشود التي وقفت مشدوهة مما تراه، حررت أم الضحية رقبة قاتل ابنها من الحبل الذي كان ملفوفا حول رقبته، معلنة عفوها عنه.

وهنا أجهش الحراس أيضا بالبكاء.

وتقول أم الضحية إنها رأت ابنها عبد الله في المنام يطلب منها عدم أخذ القصاص من قاتله.

حملة

مصدر الصورة AFP
Image caption تقول أم الضحية إنها رأت ابنها عبد الله في المنام يطلب منها عدم أخذ القصاص من قاتله

يذكر أن أحكام الشريعة التي تطبق في إيران تقضي بعقوبة الإعدام في جرائم القتل وبعض الجرائم الأخرى، إلا أن لعائلة المقتول الحق في إصدار العفو عن القاتل مقابل التعويض المالي الذي يعرف في شريعة الإسلام بـ "الدية".

وكان عدد من الشخصيات المعروفة في إيران قد شاركوا لشهور في حملة للعفو عن بلال، وبدأوا عملية جمع المال الذي سيدفع من أجل تعويض أقارب المقتول.

وتطرق عادل فردوسي بور، أحد مقدمي البرامج الرياضية التلفزيونية، إلى هذا الأمر في برنامجه قبل أيام من تنفيذ حكم الإعدام على بلال، داعيا الإيرانيين ليطلبوا من والدي عبد الله أن يعفوا عن قاتل ابنهما، وسرعان ما استقبل البرنامج ما يقرب من مليون رسالة دعما لتلك الحملة.

Image caption كان المشهد حافلا بالمشاعر الجياشة حتى من حراس السجن بعد العفو عن بلال في اللحظة الأخيرة

وبما أن غني حسين زاده، والد عبد الله، كان لاعب كرة قدم سابقا، فقد تلقى اتصالات على المستوى الشخصي من بعض لاعبي كرة القدم الإيرانيين فيما يخص ذلك.

لذا، فقد وافق هو وزوجته في النهاية على العفو، وقالوا إنهم سيستفيدون من مال "الدية" في إنشاء مدرسة لتعليم كرة القدم تحمل اسم ابنهما.

القصاص

إلا أن كثيرين ممن حكم عليهم بالإعدام لم يتمتعوا بالحظ الذي حالف بلال.

فعلى سبيل المثال، شهد سجن إيفين في عام 2009 تنفيذ حكم الإعدام بحق بهنود شجاعي، الذي كان يبلغ من العمر 21 عاما، وذلك على الرغم من أن العديد من الممثلين والممثلات في إيران بدأوا حملة تدعو للعفو عنه.

وكان بهنود قد أدين بقتل صبي، وهو في السابعة عشرة من عمره، ورفضت عائلة الصبي العفو عنه.

مصدر الصورة ISNA
Image caption يعتقد أن إيران تأتي في المرتبة الثانية بين دول العالم في أعلى معدلات أحكام الإعدام.

ويعتقد أن إيران تأتي في المرتبة الثانية بين أكثر الدول التي تصدر أحكام إعدام في العالم، ويشيع فيها تنفيذ تلك الأحكام أمام الجمهور؛ الأمر الذي تراه الحكومة عامل ردع للناس عن ارتكاب الجرائم التي تستوجب هذه العقوبة.

ويعزو المحامي الإيراني أفروز ماغزي هذا الارتفاع في أحكام الإعدام إلى ما يعرف بـ "القصاص"، الذي يعطي الحق للضحية -أو ذويه- بأن يقتص من المعتدي عليه.

وقال ماغزي: "يعطي القانون الإيراني هذا الحق لأهل الضحية ليقتصوا من قاتله".

وتابع: "لكل إنسان الحق في الحياة، ولا ينبغي أن يسمح لأي إنسان أن يسلب ذلك الحق من إنسان آخر."

جدل شائع

ويأمل أصحاب تلك الحملات، بعد إنقاذ حياة بلال، أن يتمكنوا من إنقاذ حياة آخرين يواجهون عقوبة الإعدام.

وتتركز الأنظار في الوقت الحالي على قضية ريحانة جباري، التي تنتظر تنفيذ حكم بالإعدام ضدها بعد أن قتلت رجلا في عام 2007.

مصدر الصورة Getty
Image caption يعتبر المخرج الإيراني الفائز بجائزة أوسكار، أصغر فرهادي، من بين الشخصيات المعروفة التي تحدثت في شأن أحكام الإعدام في إيران

وقالت جباري، ذات السبعة والعشرين عاما، إن ذلك كان بدافع الدفاع عن نفسها بعد أن قام المقتول بالأعتداء عليها جنسيا.

بل حتى إن أصغر فرهادي، مخرج السينما الإيراني الحاصل على جائزة أوسكار، طالب في رسالة أرسلها إلى عائلة المقتول بالعفو عن جباري "باسم الإنسانية"، مضيفا فيها أن جباري كانت قد لعبت وهي صغيرة دورا قصيرا في أحد أفلامه.

وكان أحمد شهيد، المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران، قد طالب البلاد بإيقاف تنفيذ الحكم عليها.

كما نشر شهيد أيضا تقريرا في الثالث عشر من مارس/آذار الماضي، يدين إصدار أحكام الإعدام بحق الأحداث في إيران، إضافة إلى إصدارها أيضا في جرائم لا ترقى في القانون الدولي إلى التصنيف ضمن الجرائم الخطيرة التي تستوجب تلك العقوبة.

من جانبه، أشاد الصحفي الإيراني سياماك باهاري في مدونته بالعفو عن بلال، مؤكدا على أن المجتمع يقف صفا "واحدا" أكثر من ذي قبل "استعدادا منه لمواجهة أحكام الإعدام" في إيران، واصفا تلك الحملة بأنها "وقفة تاريخية من المجتمع في مواجهة نظام قضائي قائم على أحكام الإعدام".

ولأعوام، كانت منتجة الأفلام الإيرانية تهمينه ميلاني تنفق بعض المبالغ المالية من أرباح أفلامها لتعويض عائلات الضحايا من أجل أن يعفو عن قاتلي أبنائهم.

وفي حديثها مع الخدمة الفارسية لبي بي سي، قالت ميلاني إنها تعتقد أن يؤدي نجاح الحملة في قضية بلال لإحداث تغيير في قوانين البلاد.

وأضافت قائلة: "يجب على الناس أن يدركوا مدى قوة التأثير الذي يتمتعون به، فكل توقيع من تلك التوقيعات من شأنه أن يغير مصير شخص ما".

المزيد حول هذه القصة