الانتخابات العراقية وتحديات العملية السياسية

Image caption الناخبون توافدوا على مراكز الاقتراع بالرغم من التفجيرات.

تنفرد الانتخابات البرلمانية العراقية لهذا العام بأهمية خاصة.

وإذ نجح رئيس الوزراء نوري المالكي في ضمان إجراء الانتخابات في موعدها، بقي الامتحان الأكبر أمام العراقيين ضمان انتقال السلطة سلميا، وضمن المُهل التي ينص عليها الدستور.

وتعني الانتخابات التشريعية الأولى بعد الانسحاب الأمريكي الناجز من الأراضي العراقية أن العملية السياسية والتجربة الديمقراطية تسيران بتؤدة رغم التحديات والعثرات، وما بين هذه وتلك من سقطات.

وقد سمع رئيس الوزراء نوري المالكي كلاما مماثلاً من حلفائه الأمريكيين خلال زيارته الأخيرة في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

فواشنطن التي ما زال كثيرون في الداخل الأمريكي، وفي الخارج – بما في ذلك العراق نفسه – يحملونها مسؤولية بعض الأوضاع الشاذة في الداخل العراقي، تنظر إلى الانتخابات العراقية عام 2014، على وجه الخصوص، كعلامة فارقة في الحياة الديمقراطية.

تحديات الأمن

ولطالما ترافقت الانتخابات في العراق مع ارتفاع لوتيرة عنف تراوحت حدّته باختلاف أهدافه.

وقال مصدر مطّلع على الترتيبات الأمنية الوقائية إن لكل من المجموعات المسلحة خُططها لعرقلة سير الانتخابات.

فجماعة الدولة الإسلامية في العراق والشام دأبت على التهديد باستهداف مراكز الانتخاب ومجموعات الناخبين والمرشحين على حد سواء.

وقد بيّنت الأسابيع والأيام الماضية أن المجموعات المسلحة نجحت في إيجاد الفجوات التي تستطيع أن تنفذ من خلالها لإلحاق الضرر.

وسرت معلومات بأن الولايات المتحدة تعمل عن كثب عبر سفارتها في بغداد لإسداء النّصح إلى جانب الأجهزة الأمنية العراقية بشأن سبل تطويق تلك التهديدات.

معركة الأنبار التي ما زالت الجرح النازف في خاصرة البلاد وحكومتها، غالبا ما تستخدم، حتى من قبل السياسيين العارفين بحقائق الأمور، للإيحاء بأنها من قبيل الإمعان في إقصاء الصوت السني المعارض عن الانتخابات.

وإن كانت شكاوى الشارع السني من التهميش محقّة في بعض من جوانبها، وبإقرار رئيس الوزراء نفسه، لكن تأثير مواجهات الأنبار على نتائج الانتخابات ليس بالبساطة التي يتصورها البعض.

ويبلغ عدد النازحين من الأنبار وفقا للوائح الأمم المتحدة 370 ألف نازح.

وقد تمكنت السلطات من تأمين 82 مركزا انتخابيا لهم، منها 37 داخل المحافظة والـ45 الباقية خارجها.

وقد التزمت الأمم المتحدة بمؤازرة السلطات حتى تضمن التصويت لهؤلاء. ولكن لن تجري الانتخابات في الفلوجة وحدها التي غادرها أكثر من نصف سكانها.

ومهما يكن من أمر فلن يكون لمحافظة الأنبار أقل من 15 مقعدا هي حصة المحافظة من مقاعد البرلمان مهما بلغت نسبة الاقتراع.

الحلبة الشيعية

شهد السباق الانتخابي هذا العام عودة تكتلات وكيانات سياسية معروفة، كما شهد ولادة أحزاب وأسماء جديدة.

Image caption ثلاث كتل شيعية تخوض الانتخابات من بينها كتلة الأحرار التي تمثل التيار الصدري.

والقوائم الشيعية الرئيسية المتنافسة ثلاث، هي: ائتلاف دولة القانون بزعامة حزب الدعوة الذي يقوده رئيس الوزراء، وكتلة المواطن التي يتزعمها مرشّحو المجلس الأعلى الإسلامي في العراق، وكتلة الأحرار التي كانت تمثّل التيار الصدري قبل أن ينسحب زعيمه مقتدى الصدر من الحياة السياسية.

ويرى كثيرون أن المعركة الانتخابية في الجنوب ستكون ميزانا للمعركة على كسب الصوت الشيعي. فالجنوب يشكل حاضنة طبيعية لحزب الدعوة بسبب جذوره التاريخية، ولذلك اعتبر كثير من المراقبين ما جرى في انتخابات المحافظات نقطة تحوّل وإن لم تكن مفاجئة.

وقد فاز في الانتخابات المحلية للبصرة العام الماضي نوري المالكي بأكبر عدد من المقاعد.

غير أن تحالف الصدريين والمجلس الأعلى سلبه الموقع الطليعي، وبالتالي الفوز بعدد من المجالس.

وأذا ما تكرّر المشهد على الساحة الوطنية فلن يكون مسعى المالكي للفوز بولاية ثالثة بالأمر اليسير.

وتتلى على منابر الجنوب خطب دينية كثيرة داعية للتغيير. وهو ما يحلو لمعارضي نوري المالكي أن يصوّروه على أنه دعوة لتغيير حكمه أو لاستبداله.

ولكن بعض تلك الأصوات إنما تعبّر عن سخط العائلات التي انقطعت عنهم أخبار أبنائهم الجنود بعد أن التحقوا بمعارك الأنبار.

وينقل صحافيون من داخل الفلوجة صورة مروّعة عن تكديس العشرات من جثث العسكريين القتلى في غرف وردهات داخل الثكنات العسكرية، حتى أن بعضها يتحلل قبل أن تعاد إلى ذويها في مجموعات صغيرة، خشية التخفيف من وقع صدمة الأعداد المرتفعة.

عبرة النتائج

ولا تقل عملية إعلان النتائج والتصديق عليها أهمية في النموذج العراقي عن معركة الانتخابات ذاتها.

فالقانون الداخلي للمفوضية المستقلة العليا للانتخابات يفرض عليها أن تنظر في كل طعن تقدمه أي من الجهات المأذون لها بذلك أو ذات العلاقة. ولذلك تطلب التصديق على نتائج انتخابات 2010 ستة وثمانين يوما.

وتفيد التوقعات بأن عملية التفاوض في أعقاب ظهور النتائج لتشكيل التحالفات وشكل الحكومة الجديدة سوف تعني صيفا حارّا من غياب الاستقرار السياسي دون إغفال المقايضات السياسية في ظل توتّر أمني يضغط بلا هوادة.

صحيح أن الكل يتحدّث عن قضية مفصلية، هي التوصل إلى وضع برنامج جديد لحكم البلاد لا يسمح بتكرار الأخطاء التي كادت تطيح بالعملية السياسية برمتها في ظل حكومتَين متتاليتَن للمالكي.

ولكن "بيضة القبّان"، كما وصفها وزير الخارجية هوشيار زيباري في مقابلة مع بي بي سي، معقود لواؤها على التحالف الكردي.

وهو يعني بذلك أن للكرد دائما القول الفصل في ترجيح كفة على أخرى ضمن إطار صياغة التحالفات.

ولكن التحالف الكردي الذي لطالما نجح في رص صفوفه في جبهة واحدة، يبدو اليوم أقل تماسكا، خصوصا في أعقاب انتخابات إقليم كردستان.

فقد تراجع الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه رئيس جمهورية العراق جلال طالباني إلى المرتبة الثالثة، بعد الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، وحركة التغيير التي يقودها نوشيروان مصطفى.

Image caption كان نوري المالكي من أوائل المدلين بأصواتهم.

التوافق على رئيس جديد للوزراء يعني التوافق قبل كل شيء على الرئيس الجديد للبلاد.

فبغض النظر عن أهلية الرئيس طالباني للاضطلاع بمهام الرئاسة في وضعه الصحي الحرج، فلا بد أن يكون للعراق رئيس جديد في هذه الدورة.

فالدستور لا يسمح للرئيس بتبوّء المنصب لأكثر من ولايتين متتاليتَين.

الحملات الانتخابية في العراق التي ارتسمت خارطتها هذا العام على خطوط التماس الطائفي، تجعل من الانتخابات البرلمانية الأولى، بعد الانسحاب الأمريكي، أم المعارك الانتخابية في منطقة ترتعد فرائصها خوفا من الزلزال الطائفي.

المزيد حول هذه القصة