هل يعرقل إخفاق محادثات الشرق الأوسط خيار الدولتين؟

مصدر الصورة AP
Image caption كان كيري يأمل في أن يكون وسيطا للتوصل إلى اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين في محادثات جمعت الطرفين العام الماضي.

منذ عشرين عاما، وعندما كانت المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في بداياتها، كان الملايين من كلا الطرفين يعتقدون أن التوصل إلى اتفاقية سلام، بعد طول انتظار، سيجعل حياتهم أفضل بكثير.

إلا أن ذلك لم يحدث، فعشرون عاما لم تُجدِ نفعا من المحادثات المتقطعة التي تخللتها أحداث عنف.

وقد اتسعت، بطرق عديدة، الفجوة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بشكل أكبر عما كانت عليه عند بدء عملية السلام بين الطرفين.

ولا يزال "حل الدولتين"، ولعقدين من الزمان حتى الآن، هو الخيار المفضل أمام العالم في عملية السلام هذه.

ويفترض ذلك الخيار أن الصراع قائم حول الأرض، وأن الطرفين دخلا في حرب معا حول قطعة من الأرض.

لذا فإنه، إذا ما اتفق الاثنان على تقسيمها بينهما، فستكون أمامهما الفرصة لكي يتعايشا في سلام كجيران إلى جانب بعضهما البعض.

إلا أن المفاوضين من الطرفين أخفقوا، بعد محاولات استمرت لعشرين عاما، في التوصل إلى اتفاق، على الرغم من تدخل العديد من الأطراف الخارجية لمساعدتهم.

"نغمة متكررة"

ويمكن القول بأن الإسرائيليين والفلسطينيين قد اكتفوا، من كثرة الجدل والإخفاقات التي طرأت على تلك المفاوضات، وهو ما جعل كل طرف منهم لا يستمع الآن لما يقوله الآخر.

ولخص أحدهم ما يحدث في الوقت الحالي بقوله: "بينما أرى أنني أريد السلام، يعتقد غريمي أيضا أنه يسعى من أجل السلام، ولا يبدو ذلك سوى استماع إلى نغمة قديمة مكررة لا تنتهي".

Image caption ينتمي ناشطا السلام الحقوقيان سليمان الخطيب (يسار) وآفنر ويشنيتزر إلى جمعية "محاربون من أجل السلام".

وكان ذلك الكلام قد صدر عن إسرائيلي يرتدي القلنسوة اليهودية التي يرتديها الصهاينة المتدينون الذين يُعتبَرون العمود الفقري لحركة الاستيطان، إلا أن أي شخص ينتمي إلى أي من الطرفين يمكنه أن يقول الشيء نفسه أيضا.

ففي صباح مشمس في مدينة القدس، التقيت بناشطَيْن حقوقيَّين في الثلاثينيات من عمرهما، أحدهما فلسطيني اسمه سليمان الخطيب، والآخر إسرائيلي يدعى آفنر ويشنيتزر.

وينتمي الاثنان، وهما ناشطا سلام، إلى جمعية "محاربون من أجل السلام"، وهي جمعية تجمع المحاربين السابقين مع بعضهم البعض.

وكان آفنر أحد أفراد نخبة القوات الخاصة الإسرائيلية، بينما حكم على سليمان بالسجن 15 عاما في أحد السجون الإسرائيلية، عندما كان في الخامسة عشرة من عمره، لتعديه على الجنود الإسرائيليين.

وقال سليمان: "إذا ما كان الحل هو وجود دولتين، فإنه يتوجب عليك أن تتخلى عن جزء من أحلامك، وتلك هي الحقيقة. يجب عليك أن تلتقي مع خصمك في منطقة في المنتصف، إذ لن يحصل أي من الطرفين على كل شيء يريده".

وأكد آفنر على أن المخاطر التي يتخوف منها الإسرائيليون حقيقية.

وقال: "علينا أن نقنع الشعب الإسرائيلي بأن غالبية الفلسطينيين لا يريدون التخلص منا وإلقاءنا في البحر".

ومن الجيد أن ترى شخصين كان من الممكن أن يقتل أحدهما الآخر يجلسان الآن كصديقين جنبا إلى جنب، إلا أنه كان يمكنني أن أقوم بنفس المقابلة منذ عشرين عاما مضت.

ففي تسعينيات القرن الماضي، كان بعض الفلسطينيين والإسرائيليين قد توصلوا إلى النتيجة نفسها. إلا أن الغالبية من الطرفين لا تزال، حتى الآن، لا تولي الثقة لبعضها بعضا.

وقت ينفد

وقبل بدء المحادثات التي كان من المقرر لها أن تنتهي بنجاح يوم الاثنين من هذا الأسبوع، حذر وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الإسرائيليين بأنهم قد لا يجدون فرصة أخرى.

ففي مؤتمر صحفي كان قد عقده في 24 مايو/أيار من العام الماضي في تل أبيب، قال كيري: "إننا نفقد الوقت، كما أوشكت الاحتماليات أن تنفد منا أيضا. وقد لا تواتينا الفرصة مرة أخرى إن لم نحقق نجاحا في الوقت الحالي".

وكان وزير الخارجية الأمريكي يسعى جاهدا، كما هو الحال مع المفاوضين من الطرفين، للوصول إلى نتيجة إيجابية، إذ إنه، بحسب صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية، عقد 34 لقاءً مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وعقد ضعف ذلك العدد من اللقاءات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وتمكنت عملية السلام تلك من إثارة بعض الأفكار التي كانت تلقى جدلا شديدا في السابق، بما في ذلك فكرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية التي كان الإسرائيليون والولايات المتحدة يرفضونها في السابق.

إلا أن المفاوضين لم يتمكنوا من إحراز خطوة نهائية في ذلك.

مصدر الصورة Reuters
Image caption أوقفت إسرائيل محادثات السلام مع الجانب الفلسطيني ردا منها على المصالحة بين حركتي فتح وحماس الفلسطينيتين.

ويرى كل من الطرفين أنه يسعى من أجل السلام، وليس هناك سبب للشك في ذلك. إلا أنهما لا يتفقان حول عدد من القضايا التي سيجري من خلالها تحقيقه، بما في ذلك قضية القدس، والحدود، ومستقبل المستوطنات الإسرائيلية، واللاجئين الفلسطينيين، وما إلى ذلك.

وكان الاتفاق النهائي يتطلب من عباس ونتنياهو إقناع شعبيهما بضرورة تقديم بعض التضحيات، وأن ذلك سيحسن الأوضاع فيما بعد. إلا أن ذلك لم يحدث، بينما كان أمامهما عدد هائل من الفرص لتحقيق ذلك.

وقد يكون الوقت قد حان لأن نعترف بأنه لن يكون هناك حل للدولتين.

قنبلة ديموغرافية موقوتة

وهذا أمر منطقي، تحقق مرات عديدة على الورق، إلا أن الطرفين لا يستطيعان التخلي عن أفكارهما ومعتقداتهما التي يعتزان بها، وهو ما جعل تحقيق ذلك مستحيلا.

بيد أن الرؤى الأخرى للمستقبل لا تبدو أسهل على الإطلاق.

ويبدو أن نتنياهو يعتقد أن إسرائيل يمكنها أن تدير هذا الصراع في الوقت نفسه الذي يحافظ فيه على حكومته. إذ يتواصل بناء المستوطنات داخل الأراضي المحتلة، وهو ما يعمل على حمايته داخل اليمين الإسرائيلي.

أما الرئيس عباس، فاستغل وضع دولته المدعوم داخل الأمم المتحدة، وسعى للانضمام إلى العديد من المنظمات الدولية، ومن المحتمل أن ينضم إلى عدد آخر من تلك المنظمات.

وأجبر وزير الخارجية الأمريكي على أن يقدم اعتذارا عن تصريحات قال فيها إن إسرائيل تواجه خطر تحولها إلى دولة عنصرية، إذا لم تتمكن من التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين.

ويبقى النقاش دائرا حول ما إذا ظل الفلسطينيون لا يتمتعون بدولتهم المستقلة، فإنه سيكون عليهم أن يعيشوا داخل المجتمع الإسرائيلي.

وإذا ما حصلوا على الحق في التصويت، وبالنظر إلى معدلات الولادة بينهم، فإنهم سرعان ما سيكونون قادرين على أن يتجاوزوا، بعدد الأصوات، أصوات الإسرائيليين.

أما إذا لم يحصلوا على ذلك الحق، فإن إسرائيل ستصبح أشبه بالعنصرية في جنوب إفريقيا في السابق.

ويرى العديد من الفلسطينيين أن أفضل استراتيجية لهم تتمثل في إقناع بقية العالم بعزل إسرائيل، فهم يريدون لها أن توضع في مقارنة مع سياسة الفصل العنصري التي كانت مطبقة في جنوب إفريقيا.

وعلى الرغم من أن الفرص لا تزال متاحة للدخول في المزيد من محادثات السلام، فإن حدة التوتر آخذة في التصاعد مرة أخرى، كما أن العشرين عاما الماضية أظهرت أن غياب المفاوضات غالبا ما يؤدي إلى المزيد من أحداث العنف.

المزيد حول هذه القصة