العراق: ساحة قتال بالوكالة في حرب إقليمية

مصدر الصورة Reuters
Image caption بدأ نشاط جماعة عصائب أهل الحق يتنامى بشكل أكبر على الساحتين السياسية والأمنية في العراق

بلغ العنف الطائفي في العراق أعلى مستوياته منذ سنوات، وهناك دليل على أن الدولة في طريقها لتصبح ساحة حرب للاعبين إقليميين يتنافسون لإثبات تفوقهم.

التقيت بـ "أبو علي" للمرة الأولى، بعد مرحلة طويلة من تبادل الرسائل من خلال طرف ثالث لترتيب الموعد والمكان الذي نلتقي فيه.

ولم يقدم "أبو علي" نفسه لي، وليس هذا اسمه الحقيقي، كما لم يفعل رفيقه خلال أول لقاء لي مع كتائب حزب الله في العراق، إلا أن طبيعتي الفضولية كصحفي كانت هي الدافع الأساسي وراء رغبتي في أن ألتقي بهذه الجماعة وجها لوجه.

وعلى العكس من جماعة عصائب أهل الحق، وهي جماعة شيعية أخرى بدأ نشاطها يظهر بشكل أكبر على الساحتين السياسية والأمنية، فإن العراقيين يتحدثون عن كتائب حزب الله في العراق مثل الحديث عن "تنظيم شبح"

إلا أنه يبدو أن التنظيم قد بدأ يغير من سياسة التكتم التي كان يحافظ عليها لفترة طويلة حتى الآن.

وبشكل تدريجي، بدأت كتائب حزب الله في العراق في اتخاذ مظهرا أكثر وضوحا بين العامة، جزء منه تنظيم مظاهرات احتجاجية وفعاليات العامة.

فعلى سبيل المثال، دعا ذلك التنظيم إلى مسيرة في وسط العاصمة العراقية بغداد تنديدا بصحيفة "الصباح الجديد" العراقية ورئيس تحريرها، والتي كانت قد نشرت رسما كاريكاتيريًّا للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي.

وعندما مرت تلك المسيرة من أمام قوات الأمن التي لم تكن تقوم بأي شيء هناك سوى تأمين المناطق المجاورة، كانت هناك مجموعة من المؤيدين الذين يرفعون راية التنظيم وهم يهتفون: "نحن الكتائب، حققنا البطولات في سوريا."

اتجاهان مختلفان

وبما أن آثار الصراع في سوريا بدأت تسلل عبر الحدود سواء شرقا " في العراق" أو غربا " إلى لبنان" فقد بدا ترويج الاتهامات في بغداد أكثر حدة.

ويوجه المسؤولون من الشيعة الاتهام علنا إلى السعودية بتمويل المتطرفين السنة في المنطقة، بينما يتهم العراقيون السنة في الغالب حكومة رئيس الوزراء العراقي الشيعي نوري المالكي بالهيمنة على السلطة لمساعدة إيران لتحقق تقدما فيما يتعلق بأجندتها الإقليمية.

Image caption تتبنى كتائب حزب الله في العراق تدريجيا مظهرا شعبيا أكثر وضوحا

ويبدو أن انعدام الثقة المتبادل بين طائفة الشيعة التي تمثل الأغلبية في العراق والسنة قد وجد ما يبرره مؤخرا بعد نشر تقارير عن أن خطوة سحب الرياض لما يعرف بـ "ملف سوريا" وهو الملف الذي يحدد سياسة المملكة تجاه الصراع الدائر على الأرض في سوريا، من رئيس الاستخبارات السعودية الأمير بندر بن سلطان، تحول استراتيجي كبير.

ويعتبر البعض بندر بن سلطان أحد المؤيدين للجهاديين في سوريا.

تلك التقارير عززت الشعور السائد في العراق بأن ثمة عناصر في السعودية هي العقل المدبر لما يعتبرونه حربا إقليمية على الطائفة الشيعية.

وأثارت التسريبات الإعلامية حول التخطيط لاتفاقية عسكرية بين بغداد وطهران تقدر بمليارات الدولارات موجة غضب لدى القوى السنية السياسية المعارضة في العراق والمجتمع الدولي على حد سواء.

ومع أن حكومة المالكي لم تؤكد صحة تلك التسريبات، إلا أنها لم تنف ذلك أيضا.

أما وسائل الإعلام المحلية المعارضة للحكومة المركزية فركزت اهتمامها على الصراع الدائر في محافظة الأنبار غربي العراق، مشيرة إلى أن الأسلحة الإيرانية يمكن أن تستخدم ضد طائفة السنة على وجه العموم، وليس في مواجهة الجماعات المسلحة الذين استولوا على بعض المناطق.

وكانت الحكومة الأمريكية قد تحدثت بشكل واضح عن مخاوف مماثلة مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أثناء زيارته لواشنطن في نوفمبر / تشرين الثاني الماضي، والتي كان يحاول فيها تسريع وصول الشحنات العسكرية الأمريكية إلى العراق.

"خطط ومؤامرات"

وكان موقع إخباري مقرب من التيار الصدري قد نشر منذ شهرين مقالا يتحدث عن خطة غير معلنة بين طهران وبغداد لشن حرب إعلامية ضد الحكومة السعودية.

وعندما ذكرت ذلك المقال أثناء حديثي مع "أبو علي"، ابتسم وهو يقول "ما سأطلعك عليه الآن لا يمت بأي صلة بما تتحدث عنه."

فحتى الوقت الحالي، يظهر حزب الله في العراق في الإعلام في خطوات دقيقة ومحسوبة، ونادرا ما يخرج ببيانات تتعلق بالشأن السياسي أو الأمني في البلاد، كما أن أعضاءه لا يجرون مقابلات مع أحد.

إلا أنهم سمحوا لي بالاطلاع على آخر مقاطع الفيديو قبل أن تنشرها الكتائب على موقعها الإلكتروني.

ويعلن ذلك المقطع، الذي تصفه الكتائب بأنه على قمة الجهود التي بذلتها في المجال الاستخباراتي، أسماء أفراد ومؤسسات، بما في ذلك بعض المؤسسات التجارية والسياسية، والتي تؤدي في النهاية إلى قيادات سعودية بما فيها بعض الأفراد من العائلة المالكة.

ويتحدث المقطع عما وصفه بخطط ومؤامرات يجري الترتيب لها ضد العراق، إلى جانب المعسكرات التدريبية للجهاديين داخل المملكة، قبل نشرهم داخل كل من العراق أو سوريا.

Image caption يرى زعيم جماعة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي أن العراق "جزء من حرب تدور بين محورين"

وبغض النظر عن إمكانية إثبات تلك الادعاءات، إلا أنها تظهر مدى عمق المشاعر الطائفية التي تسيطر على المجتمع العراقي.

فقبل بدء الحملات الانتخابية بقليل، قال لي أحد الضباط الكبار في الجيش العراقي، وهو ضابط شيعي: "أعلم أنه من الخطأ التفكير بهذه الطريقة، إلا أنني لا أعتقد أن بإمكاني الإدلاء بصوتي لمرشح سني حتى الآن، إنها مسألة ثقة."

"تهديد التعايش"

وكان الشيخ قيس الخزعلي، زعيم جماعة عصائب أهل الحق، قد أخبرني خلال أول لقاء يجمعه بمنظمة إعلامية دولية كالبي بي سي: "سواء أردنا ذلك أم لم نرد، نحن نعتبر الآن جزءا من حرب تدور بين محورين: إيران والعراق وسوريا من جهة، والولايات المتحدة وتركيا والسعودية من جهة أخرى."

وعلى الرغم من أن جماعة عصائب أهل الحق تعتبر جديدة إذا ما قورنت بكتائب حزب الله، إلا أن شهرتها تُعزى إلى الصفقة التي أبرمتها مع الحكومة العراقية عام 2010، والتي جرى فيها الإفراج عن الرهينة البريطاني بيتر مور مقابل إلحاق الآلاف من أعضاء الجماعة في الجيش العراقي.

هؤلاء، يشكل غالبيتهم قوات الصفوة التي يطلق عليها اسم "الكتيبة الذهبية"، التي ترتبط بشكل مباشر بمكتب رئيس الوزراء العراقي، والتي أصبحت واحدة من أكثر الوحدات العسكرية التي يحسب لها حساب في العراق.

وأصبحت القنوات الإذاعية والتلفزيونية التي تتبع كلا من طرفي الصراع الطائفي تستخدم كوسائل في هذه الحرب، وسعى الفيلم الوثائقي لبي بي سي "أثير الكراهية"، والذي صدر باللغتين العربية والإنجليزية، إلى استكشاف هذه الحرب الكلامية بشيء من العمق.

أما آية الله على السيستاني، وهو أكبر مرجعية دينية للشيعة في العراق، فأعلن رفضه لأسلوب وسائل الإعلام، ووصفها بأنها تمثل تهديدا للتعايش السلمي في العراق، وأعلن بشكل واضح في خطاب أرسله إلى بي بي سي أنه يحمل المسؤولية للقادة والسلطات لمنع هذه الوسائل من إحداث أضرار أخرى في المستقبل.

كما كتب الزعيم الروحي السني عبد الملك السعدي لبي بي سي أيضا خطابا يستنكر فيه ما تقوم به تلك القنوات "كونها أدوات للاحتلال تهدف في الأساس إلى بث سمومها من خلال سب الصحابة وأهل البيت على السواء."

المزيد حول هذه القصة