البطولة في الحياة اليومية بالعراق

سوق الكتب في بغداد مصدر الصورة Getty
Image caption يُدرك العراقيون سهولة قطع رباطهم بالحياة في أي وقت، في ظل الأوضاع الأمنية المتردية

قُتل أكثر من ألف شخص في العراق خلال شهر أبريل/نيسان، ليكون أحد أكثر الشهور دموية منذ سنوات.

ورغم ذلك، توافد العراقيون على مراكز الاقتراع في الانتخابات بأعداد كبيرة، وهو ما وصفه مراسل بي بي سي، كيفين كونوللي، بالعمل البطولي.

كما أُعجب بمن يحاولون التأكد من استمرار الحياة بصورة طبيعية.

وسوق الكتب في وسط المدينة ببغداد أحد شواهد استمرار الروح الإنسانية. ويفترش الباعة الطريق ببضاعتهم التي تشمل علوم شتى حول العالم، وتغطي الأرصفة إلى منتصف الشارع.

وتشكيلة الكتب المعروضة غريبة حيث توجد نسخ من كتب عن الإلكترونيات العملية من عصر ما قبل المذياع الصغير، وكتاب عن الهندسة المدنية يحتاج لشخصين لحمله، وكتاب عليه صورة للمصارع الفرنسي القوي مارسيل سيردان، الذي كان أحد رفقاء إديث بياف، وتوفي في حادث تحطم طائرة.

وفي أحد الأكشاك، يمكن أن تجد كميات من كتاب سيرة هتلر الذاتية، "كفاحي"، باللغة العربية. كما توجد نسختان من السيرة الذاتية لرئيس الوزراء الإسرائيلي، مناحم بيغن.

ويزيد عدد متصفحي الكتب عن عدد المشترين. وجذبني كتاب كأنه النسخة العربية من كتب التنمية الذاتية الأمريكية بعنوان "لا تحزن"، إلا أن عنوان النسخة الانجليزية كان ملهما أكثر.

وفي الطريق إلى الشارع، تمر من خلال نقطة شرطة بها أربعة أشخاص. ويتولى الضابط الأول مهمة تفتيش الناس للتأكد من عدم ارتدائهم أحزمة متفجرة، ويقوم بعملة بعناية شديدة مثيرة للإعجاب في مثل هذه الظروف.

وأصبحت التفجيرات معتادة في هذه المدينة المزدحمة والودودة، حتى أن المجتمع الدولي لا يحرك ساكنا عند حدوث أي تفجير.

مصدر الصورة Other
Image caption وقع انفجار في سوق الكتاب ببغداد عام 2007، ولا يدري رواده إن كان الحادث يمكن أن يتكرر

هاجس دائم بالموت

وأثناء وجودك في المدينة هناك دائما إحساس ما، قد لا يسيطر عليك، لكن لا تستطيع التخلص منه. وهو ليس إحساس بالخوف بقدر ما هو إدراك لسهولة قطع رباطك بالحياة في أي وقت.

لذا، دائما ما نتحرى قبل نزولنا إلى الشارع. لكن بالنسبة للعراقيين، هذا الإحساس حاضر على الدوام، لا يفارقهم ولو للحظات.

وفي العام الماضي، قُتل نحو ثمانية آلاف مدني في تفجيرات انتحارية أو هجمات دون إنذار سابق، وهي حوادث تقضى على طموح المواطنين العاديين في الحياة بصورة طبيعية.

ويُقدّر هذا الرقم بنحو ثلاثة أضعاف عدد من قتلوا في حادثة 11 سبتمبر/أيلول، وأكثر من ضعفي قتلى الصراع في أيرلندا الشمالية.

وفي الأيام الأخيرة، وقع تفجيران في العراق قتلا العشرات، وخلفا عددا آخر ممن كُسرت أنفسهم بلا أمل في إصلاحها.

لا أعلم إن كان سوق الكتب في بغداد هدفا، كذلك لا يعلم من يذهبون إليه أسبوعيا.

Image caption قدرة العراقيين على الاستمرار في حياتهم اليومية أمر بطولي مثير للإعجاب

أمل في الاستقرار

انفجرت شاحنة محملة بالمتفجرات أمام مقهى شعبي في المنطقة عام 2007، وخلفت عشرات القتلى. ولا يوجد ما يمنع تكرار هذا الحادث، وهو ما يقلق رواده.

ويصوت العراقيون في الانتخابات البرلمانية الأولى منذ انسحاب القوات الأمريكية عام 2011. لكن لا يبدو أن الانتخابات تقدم حلا للوضع الراهن في العراق، إذ تنزلق البلاد إلى هاوية عدم الاستقرار في المنطقة.

ويغادر مقاتلو الشيعة البلاد لدعم بشار الأسد في سوريا، في حين يتوافد مقاتلو السنة من كل حدب وصوب في الشرق الأوسط للمشاركة في قتال الحكومة الشيعية في محافظة الأنبار.

نظريا، تعتبر التفجيرات جزءا من هذا القتال. لكن الواضح أنها نابعة من احتقان طائفي وتستهدف الحياة اليومية نفسها في المقاهي والأسواق. وتجعل أماكن أخرى، كسوق الكتاب في بغداد، مكانا جميلا له خصوصية.

فالباعة والمشترون لا يبدو وكأنهم يفعلون شيئا خارقا. لكن نوعا من البطولة يكمن في ممارسة الأفعال اليومية العادية في ظروف غير عادية.

قد لا يكون نوعا من البطولات التي تحرز ميداليات، لكنها تتضمن قدرة هائلة على التماسك للبقاء على قيد الحياة حتى نهاية اليوم، وهي تجربة عاصرها أهالي لندن أثناء القصف الألماني في الحرب العالمية الثانية.

والعراق مكان لا يحض على التفاؤل، إلا أن قدرة أهله على الاستمرار في الحياة تعتبر سببا للأمل.

المزيد حول هذه القصة