سوريا: الحب والكهرباء على الخطوط الأمامية في حلب

سوريا: الحب والكهرباء على الخطوط الأمامية في حلب
Image caption الكهرباء لعبة تستخدمها المعارضة والحكومة السورية لتحقيق مكاسب على الأرض

في غازي عنتاب جنوبي تركيا على الحدود مع سوريا، تجمع عدد من النشطاء السوريين لساعات عديدة في إحدى الشقق هنا يتحدثون عن الوضع في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة في حلب، على بعد نحو 100 كيلو متر إلى الجنوب.

وكان من بين هؤلاء النشطاء شخص يدعى بكري، قضى أغلب فترات المساء على هاتفه الذكي متحدثا مع صديقته التي تعيش في أحد الأحياء التي تسيطر عليها الحكومة في حلب، بعد عودة التيار الكهربائي هناك.

وبالنسبة له، كان التطور الأهم في حلب، خلف خطوط العدو، هو عودة الكهرباء.

سألته بي بي سي ما الذي يتحكم بالضبط في التيار الكهربائي في حلب، فرد قائلا: "هل يمكننا الحديث عن ذلك، عندما تنقطع الكهرباء من جديد؟"، في إشارة إلى استغراقه في الحديث مع صديقته.

وفي نهاية المطاف أقتنع بكري بالجلوس معي لبضع دقائق، تحدث معي خلالها عن لعبة التيار الكهربائي بين فصائل المعارضة في حلب والحكومة السورية.

إنها بالفعل لعبة قصيرة الأمد، لكنها مثيرة في الوقت ذاته.

مساومة

في 18 أبريل/نيسان، أصدرت وزارة الكهرباء السورية بيانا قالت فيه إن مسلحين اقتحموا محطة كهرباء "الزربة" في الريف الغربي لمدينة حلب، وقطعوا التيار الكهربائي.

وقال بكري إن مروحيات حكومية أسقطت برميلا متفجرا طائشا على المحطة، وهو ما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي.

وبغض النظر عن المتسبب في انقطاع التيار، فإن حلب كانت تعيش كلها تقريبا في ظلام دامس، حتى تدخلت الحكومة وفعلت شيئا مثيرا للدهشة.

أرسلت الحكومة في غضون ثلاثة أيام قطع غيار عبر خطوط العدو، بحيث يمكن للفنيين في محطة الزربة، التي تسيطر عليها المعارضة، إصلاح المحطة.

وقال بكري: "كان هناك ضغط شعبي من المناطق التي يسيطر عليها النظام، بما في ذلك، أفرع أمنية لم يكن لديها مولدات. واعتادت المناطق المحررة على الانقطاع المتكررة للكهرباء على أية حال، نظرا لأن النظام يقصف المحطات الفرعية المحلية بالقنابل".

واعتقدت فصائل المعارضة أنها اكتشفت نقاط ضعف النظام في حلب.

وبعد بضعة أيام، هددت غرفة عمليات أهل الشام، وهي جماعة تضم فصائل المعارضة الرئيسية في حلب، بقطع الكهرباء، إن لم توافق الحكومة على قائمة طموحة ببعض المطالب.

وتشمل تلك القائمة وقف القصف بالبراميل المتفجرة، وقصف المدفعية، والهجمات بصواريخ سكود، والغارات الجوية، فضلا عن وضع حد للحصار على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في أجزاء مختلفة من البلاد.

لكن الحكومة وافقت فقط على وقف القصف بالبراميل المتفجرة.

التكلفة الاقتصادية

وبحسب رواية لأصدقاء بكري في جيش المجاهدين، وهو أحد الفصائل المشاركة في المحادثات غير المباشرة، فإن الوفد الحكومي أكد أن الغارات الجوية والقصف بالمدفعية وصواريخ سكود لم يكن عشوائيا.

وقالوا "كان هذا اعترافا ضمنيا من جانبهم بأن البراميل المتفجرة في الواقع عشوائية".

ورفضت الحكومة أن يكون الاتفاق كتابيا، مما دفع جبهة النصرة، التابعة لتنظيم القاعدة وأحد المفاوضين الرئيسيين، إلى رفض الاتفاق وقطع التيار الكهربائي.

وكان لهذا التحرك تأثير مباشر على أسعار المنتجات النفطية – وعلى قصة حب بكري أيضا.

مصدر الصورة Reuters
Image caption تتعرض المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في حلب لقصف مستمر بالبراميل المتفجرة

وقال بكري: "قفز سعر لتر البنزين خمسة أضعاف، وأكثر من ذلك في بعض الأحيان، لأن معظم المولدات تعمل بالبنزين".

وأضاف: "بدأت أتحدث مع صديقتي عبر الهاتف بدلا من الدردشة على شبكة الإنترنت. إذ تستخدم بطارية هاتفها طاقة أقل من الكمبيوتر المحمول، ولكن ذلك الأمر يتكلف أكثر من ذلك بكثير. وبدأت أيضا التنسيق لإرسال بنزين إلى مكان إقامتها".

وفي الوقت نفسه، تعرضت جبهة النصرة لضغوط من فصائل مسلحة أخرى للموافقة على شروط الحكومة.

وأشارت هذه الفصائل إلى أنه يمكنها قطع التيار الكهربائي مرة أخرى إن لم تلتزم الحكومة ببنود الاتفاق.

وبعد 11 يوما، رضخت جبهة النصرة لتلك الضغوط وقبلت بالاتفاق، وعاد التيار الكهربائي مرة أخرى لحلب.

وقال بكري: "للأسف، لم تتوقف البراميل المتفجرة سوى أقل من 48 ساعة، ولم تلتزم الحكومة بالاتفاق. وقطعت المعارضة التيار الكهربائي مرة أخرى، لكن النظام لم يتوقف".

وعندما سألت بي بي سي بكري عن الخطوات التي ستتخذها المعارضة، التي بالغت في تقدير قدرتها على المساومة، رد قائلا: "قرروا أن يبحثوا عن طريقة أخرى للضغط على النظام. هناك العديد من الأشياء التي قد تضر الحكومة، ولكن المشكلة هي أنها تضر المدنيين أيضا. وحتى الآن لا تزال هناك اعتبارات أخلاقية".

حقائق متناقضة

ويصف النشطاء الذين يتنقلون بين شمال سوريا وجنوب تركيا حقيقتين متناقضتين في حلب، التي قسمت منذ عامين تقريبا.

أما بالنسبة إلى المناطق التي لا تخضع لسيطرة الحكومة، فتشمل في معظمها الأحياء ذات الدخل المحدود التي كانت متخلفة قبل الحرب، والتي كانت من أسرع المناطق انتفاضة ضد حكم الرئيس بشار الأسد عندما بدأت الثورة.

أما معظم المناطق الراقية فلا تزال تخضع لسيطرة الحكومة.

وتتعرض المناطق التي تسيطر عليها المعارضة لهجوم بري وجوي مكثف ومستمر، مما يؤدي إلى نزوح جماعي مستمر من حلب إلى المناطق الريفية وإلى تركيا.

ولا يصر على العبور إلى داخل سوريا سوى الناشطين الذين يتمتعون بعزيمة قوية للغاية.

وتحدث أحدهم عن مدى عمق الاختلاف في حلب، قائلا: "سنشكر الله لو تعرضنا لـ16 برميلا متفجرا فقط في اليوم، بينما على الجانب الآخر يشكون على الفيسبوك من ارتفاع أسعار الطماطم".

لقد حدث تغير كبير فيما يخص الحديث عن الجانب الأخلاقي منذ بدء الانتفاضة، حينما كان هناك استياء من أي شكل من أشكال النزعة العسكرية.

واليوم، وبالرغم من أن اعتراض العديد من النشطاء على قصف مناطق المدنيين الخاضعة لسيطرة الحكومة، فإنهم يرون أن إجراءات مثل قطع الكهرباء أو المياه، هي عقوبة متواضعة مقارنة بمعاناتهم.

وبالعودة لبكري، فلا تزال الخطوط الأمامية في حلب تفصله عن صديقته، ويقضي وقته بين جنوب تركيا والأراضي التي تسيطر عليها المعارضة في شمال سوريا، حيث ينشط في تقديم المعونات.

ويقول بكري، الذي لا يترك هاتفه أينما ذهب: "أرسلنا لبعضنا البعض أكثر من 122,000 رسالة عبر الفيسبوك، ناهيك عن المحادثات الأخرى على (تطبيق) واتس آب. أود أن أتحدث إليها في كل وقت".

المزيد حول هذه القصة