سوريا: العودة إلى الحياة في حمص

رجل عجوز يسير وسط الأنقاض مصدر الصورة BBC World Service
Image caption يتصاعد الدخان الآن في حمص، ليس بسبب المعارك والقصف، بل بسسب إلقاء المخلفات من نوافذ المباني

على مدار أشهر عديدة، كانت هذه الزاوية تجسد أحد المواقع الحالكة في واحدة من أسوأ معارك الحرب في سوريا.

فقد شهد الحي القديم في حمص معارك وحصار، وهو حي يقع في المنطقة المهجورة خلف برج الساعة التاريخي.

ورغم أن الساعة دُمرت ولم تعد تخبر بالوقت، لكنها العلامات التي تكسوها لا تزال تعكس طبيعة هذا الوقت وهي تقف شامخة وسط الخراب والدمار.

ويوما ما، كان صوت الطيور، وصوت إطلاق النار هما ما يكسر تلك الحالة من السكون.

والآن، تعلو أصوات أبواق السيارات، وأجراس الدراجات، وضجيج الدراجات البخارية والشاحنات التي تدخل وتخرج من بوابات حمص القديمة، لتعيدها إلى محل أنظار العالم.

وداخل الحي نفسه، علت أصوات الجرافات التي تحمل الأنقاض من الشوارع، وصوت الشاحنات، وجلبة الجيران الذين تجمعوا بعد نزوحهم منذ عامين بسبب القتال.

ويتصاعد الدخان في الحي، ليس بسبب المعارك والقصف، بل بسبب إلقاء المخلفات من كتل الخشب والبلاستيك من نوافذ المباني، بعد أن عادت الأُسر لتنظيف الفوضى واستعادة ممتلكاتها.

وتبقى القليل من بقايا المباني والأحياء، واندفعت المشاعر لتملأ هذا الفراغ.

وبينما ينظف رجل الممر المؤدي إلى منزل ابن عمه، قال "أنا خائف، هذا مستحيل.. مستحيل". وتنهد ثم نظر إلى طوابق المنزل الثلاثة التي أصبحت بلا شبابيك وفقدت الكثير من الجدران.

وفي كل شارع، يمكن الإحساس بشعور الناس بأنهم لا يحاولون استعادة ما تبقى من متعلقاتهم فحسب، بل يريدون استعادة حياتهم أيضا.

وقال محمد، الذي يبلغ من العمر 20 عاما، وهو يلقي بقايا سرير في شاحنة: "هنا منزلنا، وبلادنا، هنا ولدنا وكبرنا."

وأضاف وهو يبتسم ويسترجع ذكرياته في ذلك الحي "لايمكننا العيش خارج بلادنا. ولا نشعر بالراحة إلا في بيوتنا".

ويلوم البعض من حملوا السلاح في الحي، ويلوم آخرون الحكومة التي قصفت طائراتها ومدفعياتها الحي القديم ثم حاصرته لتجويع المقاتلين حتى الاستسلام. وبعد شهور من المفاوضات، غادر آخر عدد من المقاتلين الأسبوع الماضي.

وفي بعض الأوقات خلال الشهور الماضية، أفضت المحادثات إلى تدخل الأمم المتحدة للمساعدة في إجلاء المدنيين وتوزيع بعض الطعام.

وفي أوقات أخرى، بما فيها الساعات الأخيرة للاتفاق، كانت إيران، الحليف الأكبر للحكومة السورية، تلعب دورا أساسيا في التوصل لاتفاق مع الجبهة الإسلامية، أكبر الجماعات المقاتلة التي تدعمها السعودية.

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption دُمرت الساعة ولم تعد تحدد الوقت، إلا أن العلامات التي تكسوها تعكس طبيعة هذا الوقت

أول المعاناة

وقصة حمص هي قصة سوريا، فهي واحدة من أول المناطق التي شهدت خروج مظاهرات سلمية، ومن أول المناطق التي اندلع فيها القتال، ومن أول المناطق التي عانت من الهجمات الشديدة.

واليوم، تعتبر هذه الاتفاقية من أهم الاتفاقيات بين الحكومة والمقاتلين. وتعتبر الحكومة هذه "المصالحة" طريقة لإنهاء الحرب، وليس عن طريق المفاوضات السياسية الموسعة التي أدى فشلها إلى استقالة الأخضر الإبراهيمي، مبعوث الأمم المتحدة الأسبوع الماضي.

ولوح ما يقرب من ألفي مسلح، وهم الذين بقوا في حمص حتى النهاية وغادروا بسلاح شخصي وحقيبة ظهر، باستكمال القتال في مكان آخر والعودة يوما ما.

وقال مراقب خارجي في المحادثات إن المقاتلين "كانوا يعلمون أنه لم يكن لديهم خيار إلا هذه (الاتفاقية) أو الموت".

واليوم، أصبح المقاتلون جوعى ومرهقين، بينما تهتم الأسر بالحياة، وليس الموت.

وبقي عدد قليل من الأسر في حمص القديمة أثناء القتال، من بينهم 15 من كبار السن المسيحيين الذين رفضوا الرحيل. والآن، لا تستطيع معظم العائلات العودة بشكل فوري، إذا لا توجد كهرباء ولا مياه، بعد أن حل الكثير من الدمار بالمدينة.

ويقول القس سلوانوس بطرس، رئيس الكنيسة السورية الأرثوزكسية في حمص وحماة: "نسأل لماذا، لكن ليست لدينا أي إجابات. واللوم يقع علينا جميعا."

وأثناء وقوفنا داخل كنيسة سيدة الحزام المقدس، قال: "لماذا سوريا؟ ولماذا حمص؟ ولماذ حدث ذلك؟ وماذا سيحل في المستقبل؟"

وهناك ثقب كبير في مكان المذبح بالكنيسة، وقد أُحرقت متعلقات الكنيسة بالكامل.

وأثناء حديثنا، علت نغمات التراتيل، واقترب عدد من السوريين تجاه أيقونة بها ثقوب سوداء لإضاءة الشموع والصلاة. وقال القس "سنغني ونضيء الشموع حتى نعيد بناء كنيستنا".

وبسؤاله عن الوقت الذي سيستغرقه البناء، قال "وقت طويل. سيستغرق عشر سنوات. الأمر لا يتعلق بالمبنى نفسه، بل بمن يشيدونه."

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption منصور: "عدت من الولايات المتحدة إلى سوريا عام 2006 لأبدأ حياة جديدة وأتزوج وأُنجب أطفال. والآن، أحمل أطفالي وذكرياتي إلى الولايات المتحدة."

"لا يمكن الحديث عنها"

كما طال الدمار مسجد خالد بن الوليد، وكُتبت شعارات شيعية على جدران المسجد السني.

وتُنذر أشكال الدمار تلك بأن الصراعات الطائفية لا تزال حاضرة وسط هذه الحالة الهشة من الهدوء.

وفي متجر للأدوات الموسيقية، يعزف أمجد منصور أغنية حزينة على بيانو خربت نغماته، تماما كما خربت بلاده.

وتمتلئ الأرض بآلات الجيتار والكمان التي كُسرت مقدماتها.

ويقول منصور: "عدت من الولايات المتحدة إلى سوريا عام 2006 لأبدأ حياة جديدة، وأتزوج وأُنجب أطفال. والآن، أحمل أطفالي وذكرياتي إلى الولايات المتحدة."

وحذر من أن "ما حدث قد يحدث مرة أخرى. لا مستقبل لي أو لأولادي هنا".

وبسؤاله عن الأغنية التي كان يعزفها، قال إن كلماتها تقول "لا أستطيع أن أُعبر عما في قلبي". وأضاف: "ما حدث هنا قصة كبيرة، أعجز عن حكايتها الآن."

وعندما طلبت منه عزف أغنية أخرى، بدى مترددا أمام بيانو جديد لا يزال يحتفظ ببعض من لفافاته. ثم بدأت أصابعة المليئة بالتراب تتحرك على البيانو.

وامتلأت الغرفة المظلمة بالأغاني التي تعبر عن حب البلاد. وفي الخارج، بدأ خزان مياه في العمل ليوفر احتياجات من قرروا أنه لا خيار لهم إلا البقاء هنا.

المزيد حول هذه القصة