وجهة نظر: إرث الاحتلال أم مسؤولية العراقيين؟

بوش وبلير مصدر الصورة AFP
Image caption حرب العراق قضية خارجية ذات أبعاد داخلية

السؤال الرئيسي الذي يدور حوله النقاش الآن لا يتعلق، في الواقع، بالعراق كبلد، فحرب عام 2003 التي أطاحت بنظام حكم صدام حسين لا ينظر اليها، في لندن وواشنطن، بوصفها قضية سياسة خارجية بل كقضية تقع في صلب السياسات الداخلية للبلدين.

فاذا كنت تنتمي الى معسكر اليسار، ستشير الى التدخل في العراق على انه "كارثة." اما اذا كنت ترغب في تأكيد انتمائك اليميني، فستعتبره "تحريرا للعراق على يد الديمقراطيات الغربية."

فبالنسبة لليساريين والليبراليين، كلما يجري في العراق – وللعراق – حتى يوم يبعثون سببه اسقاط نظام صدام. فحرب العراق واحتلاله في عام 2003 ينظر اليهما على انهما النموذج السياسي للمفهوم المسيحي "للخطيئة الأولى."

اما بالنسبة لذوي المنحى اليميني، فكل انجاز قد يحققه العراقيون (كذلك حتى يوم يبعثون) يجير في خانة "انتصار الديمقراطية الغربية". فبالنسبة لهؤلاء، كان الغزو والاحتلال تجسيدا للمفهوم المسيحي "للبركة الالهية"

ليس العراق الضحية الوحيدة لهذه الازدواجية الغربية التي يمثل أحد وجهيها ما يطلق عليه "امبريالية الشعور بالذنب"، وهو مفهوم يقول إن كل المآسي التي عاشتها وتعيشها الدول غير الغربية مرده الغرب وسياساته الاستعمارية. بينما الوجه الثاني لهذه لازدواجية تمثله "إمبريالية التعالي"؛ المفهوم القائل إن الدول غير الغربية ليست قادرة على الإتيان بأي شيء ايجابي دون مساعدة او رعاية "الديمقراطيات الغربية".

فعلى سبيل المثال، يقول مفهوم "إمبريالية الشعور بالذنب" إن الصين لن تتمكن من ولوج "العالم المعاصر" (مهما كان معنى هذا التعبير الفضفاض) لأن البريطانيين شنوا عليها حرب الافيون في القرن التاسع عشر ولأن الدول الغربية تكالبت عليها اواخر القرن نفسه.

مصدر الصورة Getty
Image caption احتجاجات على الحرب شهدتها بريطانيا والولايات المتحدة وبلدان غربية أخرى

اما "امبريالية التعالي"، فتدعي ان الهند لم تصبح أكبر ديمقراطية في العالم الا بفضل ارشاد بريطانيا، ناهيك عن شبكة السكك الحديد التي انشأها البريطانيون في تلك القارة المترامية الاطراف.

ومن التناقضات ان هذين المفهومين المتعاكسين "للإمبريالية" متصلان – كالتوائم السيامية – من رأسيهما ان لم يكن من قلبيهما.

فالمفهومان يعترفان بأن للغرب قدرة تكاد تكون ميتافيزيقية على الخير أو الشر، وكلاهما يحيلان الشعوب غير الغربية الى مجرد اشياء في تاريخهما الغربي الإمبريالي. فهذه الشعوب اما أن تكون تسكن في فردوس ارضي يحيله التدخل الغربي الى جحيم، أو انها عبارة عن مجاميع من المشيعين في مأتم تنتظر المخلص الغربي ليمحو عنها احزانها.

وفي العراق كان اسقاط صدام حسين ونظامه حدثا كبيرا في تاريخه المعاصر. ولكن يجب اعتبار العراقيين شركاء في تحرير أنفسهم، أقله لأنهم رفضوا القتال من أجل صدام.

ومنذ 2003، حقق العراقيون ما هو إيجابي كما ارتكبوا أفعالا سلبية. وفي كلتا الحالتين، والحرب في كلتا الحالتين هي التي هيأت الفرص الملائمة لذلك. لكن في كل حالة، يجب ان يتحمل العراقيون نتائج أعمالهم، الخيّرة منها والشريرة، إذ أن حرمانهم من المسؤولية عنها يعني نزع صفة الانسانية عنهم.

ما يحدث في العراق الآن ليس حربا طائفية بقدر ما هو حرب طائفيين، وهي حرب ما لثبت مشتعلة منذ 15 قرنا قبل وقت طويل جدا من ظهور الولايات المتحدة وبريطانيا على وجه المعمورة.

لندع إذن اليسار الغربي يتطاحن حول العراق مع رديفه اليمين كشأن سياسي داخلي، ولكن تحليلا متأنيا ومتعقلا للموضوع يتطلب قدراً ادنى من الفرضيات، فزيادتها لا يؤدي الا الى التخبط والفوضى.