الصراع السوري: مقاومة شرسة داخل حي القابون في دمشق

Image caption في دمشق، يقف عالمان على مسافة قريبة للغاية، عالم ينتمي إلى الرئيس بشار الأسد ومؤيديه، وعالم آخر ينتمي إلى المعارضة

في العاصمة السورية، دمشق، لا تزال الحرب التي اندلعت منذ ثلاث سنوات دائرة بلا هوادة، فيما تتبادل القوات الحكومية إطلاق النار مع المسلحين في المناطق التي تقع على أطرافها.

وفي تقريره الحصري الثاني، استطاع محرر شؤون الشرق الأوسط في بي بي سي، جيرمي بوين، من العبور إلى حي القابون، وهو الحي الذي تسيطر عليها المعارضة، ويقع على أطراف العاصمة، لكنه لا يزال يشهد تحديا من الجانين للسيطرة عليها.

في دمشق، يقف عالمان على مسافة قريبة للغاية، عالم ينتمي إلى الرئيس بشار الأسد ومؤيديه، وعالم آخر ينتمي إلى المعارضة، حيث الشوارع الضيقة والمباني المدمرة.

وتمكن فريق بي بي سي من السفر من وسط دمشق إلى القابون، وهي الضاحية الفقيرة التي تقع على مشارف العاصمة، إذ لا يستغرق الوصول إليها أكثر من 20 دقيقة بالسيارة.

وبدأ مقاتلو المعارضة من مختلف المليشيات المحلية الظهور علنا في شوارع العاصمة في وقت مبكر من عام 2012. وتعتبر القابون واحدة من أقل النقاط التي تشهد تواجدا لقوات النظام السوري بعدما استولت المعارضة على مناطق كثير بالغوطة، وهي حزام من الضواحي والبلدات التابعة لها بمحيط المدينة.

وتشهد بعض الضواحي الآن وقفا لإطلاق النار. وكان الجيش السوري قوي بما يكفي لإيقاف المسلحين من التوغل داخل وسط دمشق، لكن لم يكن قويا بما يكفي لإجبارهم على التراجع مرة أخرى إلى المناطق التي غالبا ما تكون عبارة عن متاهة متشابكة من الأزقة وحطام المنازل المدمرة لذلك اتفق الطرفان على هدنات لوقف إطلاق النار.

وفي مناطق أخرى، أجبر الجيش مسلحي المعارضة على التراجع، وذلك غالبا ما يعود إلى أسلحة الجيش السوري التي لديها قوة نيران طاغية.

فهناك في القابون الآن هدنة هشة وغير رسمية بين الجيش السوري والمسلحين، لكن دون اتفاق رسمي حتى الآن. ويتبع المقاتلون في القابون قوات الجيش السوري الحر.

وألحقت عمليات القصف الضرر بكل المباني تقريبا، إذ دُمر مسجد الحي وتضررت قبته. وككل ضواحي العاصمة الفقيرة، توسعحي القابون لاستيعاب المهاجرين من المناطق الريفية بسرعة كبيرة.

وتبدو الأحياء الفقير ضيقة ومتشابكة كإحدى مدن القرون الوسطى في أوروبا.

وكان دليلي في الرحلة "أبو عمار"، وهو رجل ملتح في الثلاثينيات من عمره، ويضع حزاما لحمل السلاح على كتفه، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الرجال الذين قالوا إنهم يعرفون بعضهم قبل أن تبدأ "الثورة"، بحسب تعبيره.

وبينما كنت أسأل "أبو عمار" عن وضع هدنة وقف إطلاق النار، دوت سلسلة من طلقات المدافع الرشاشة في محيط زقاق يبعد بضعة شوارع عنا. ثم نظر أبو عمار نحو خط المواجهة بين الطرفين.

وأضاف: "يمكنك سماع إطلاق النار. فقد حاولوا الليلة الماضية الدخول. وكانت هناك بعض الاشتباكات لكنها لم تكن شديدة، واستطعنا إجبارهم على التراجع."

وتابع أبو عمار أن معركته كانت مع الرئيس لا مع طائفة الأسد، العلوية، التي تسيطر على النظام الحاكم في سوريا.

وقال: "زوجتي من الطائفة العلوية. نحن نريد دولة العدل، لنكون بعد ذلك مثل تركيا أو ماليزيا. فنحن نريد للحرب أن تنتهي. لا نحب القتل ولا نريد أن نتعرض للقتل."

أين نذهب؟

وقفنا في أحد الشوارع التي تعرضت للقصف على بعد نحو 500 قدما (150 مترا) من مواقع الجيش السوري. والتقينا برجل يقف خارج منزله مع ثلاثة أطفال صغار، لكنه رفض الكشف عن هويته.

وقال: "الحياة صعبة للغاية هنا، إذ نتعرض للقصف المدفعي وإطلاق النار. الحياة ليست سهلة على الإطلاق، ولكن أين نذهب؟"

وأضاف: "هذا وطننا، وليس لدينا مكان آخر. المعارضون في طريقهم لتحقيق النصر بإذن الله. النظام ظالم، والتاريخ يثبت أن الظلم لا يدوم".

ونظم حي القابون نفسه على نحو فعال، حيث تنتشر مجموعة من العيادات الجراحية في جميع أنحاء الحي، كما يوجد مطبخ كبير تحت الأرض يوفر نحو 3,000 وجبة مجانية كل يوم.

وقال أبو عمار ورجاله إنهم سيقاتلون حتى يندحر الأسد ونظامه.

قتال حتى النهاية

وبالعودة عشرين دقيقة نحو وسط دمشق، كان أنصار الرئيس يتجولون في الشوارع، وهم يلوحون بالأعلام السورية، والأغاني التي تمجد الأسد تنطلق من أجهزة الصوت التي يحملونها.

وفي منطقة أكثر هدوءا وفقرا – تماما مثل القابون قبل تعرضه لأضرار بالغة، ولكنها موالية لعائلة الأسد– وقف رجل يبلغ من العمر 50 عاما ويدعى مالك خضار، وقف مع بعض الرجال من الحي الذي يقيم به عند نقطة تفتيش.

كان جلهم في منتصف العمر، ولكن جميعهم أنصار أقوياء للأسد، ويرتدون زيا مموها ويحملون بنادق كلاشنيكوف. وكان مالك وجيرانه ينتمون لقوة الدفاع الوطنية، التي تعد أحد أشكال الحرس الوطني.

وأطلعنا مالك على صورة نجله، وسيم، الذي لقي حتفه وهو يقاتل إلى جانب الجيش السوري قبل 11 شهرا وهو في الحادية والعشرين من عمره، في إحدى ضواحي دمشق المتنازع عليها بقوة.

وقال مالك إن المسلحين حفروا نفقا تحت مبنى يقيم به 42 جنديا وفجروا قنبلة قتلتهم جميعا، بما في ذلك نجله. وأشار إلى أن الجثث لا تزال تحت الأنقاض، إذ لم يستعد الجيش سيطرته على المنطقة.

وأضاف: "الله يحمي الجيش السوري، وسوف نستمر في القتال حتى آخر قطرة من دمائنا، وحتى القضاء على أخر شخص مسلح في بلادنا. سنواصل الحرب ضدهم وسنسحقهم."

الأسد يستعيد قوته؟

بصفة عامة، لم يكن الأسد في وضع أفضل مما هو عليه الآن منذ اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات. ووصف أعداؤه فوزه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بأنها فضيحة واحتيال.

ولكن من وجهة نظر الرئيس، فهي انتصار ساحق يوحد مؤيديه من أمثال مالك خضار، ويعزز موقفه عند محاولة دبلوماسيين من القوى الكبرى وضع حد للصراع الدائر هناك.

وكانت محادثات جنيف للسلام، التي فشلت في وقت سابق من العام الجاري، تتمركز حول سبل تنحية الأسد للسماح بانتقال السلطة.

والآن، بغض النظر عما يقوله العالم الخارجي عن هذه الانتخابات، يرى مؤيدو الأسد أنها دليل على أن الأسد يوجد في سده الحكم بموافقة الشعب السوري.

المزيد حول هذه القصة