الحكومة المصرية تدرس قرارات اقتصادية صعبة لإصلاح الموازنة العامة

Image caption تواجه الميزانية المصرية إذ ترتفع فيها نسبة العجز بدرجة كبيرة.

تواجه الحكومة المصرية الحالية أزمة حقيقية، بعد رفض الرئيس عبد الفتاح السيسي اعتماد الموازنة العامة للدولة التي عرضتها عليه حكومة إبراهيم محلب، بسبب ما ذكره حول ارتفاع حجم الديون الداخلية والخارجية، وارتفاع نسبة العجز في الموازنة بصورة تهدد الاقتصاد الوطني.

وبدأ السيسي بنفسه، مستغلا حضوره حفل تخريج طلبة إحدى الكليات العسكرية، وأعلن تبرعه بنصف راتبه ونصف ثروته وممتلكاته، لصالح الاقتصاد الوطني.

ودعا المصريين إلى أن يحذو حذوه ويتحملوا ما وصفه بالإجراءات والقرارات الصعبة التي ستتخذها الحكومة لإقالة البلاد من عثرتها.

وتلقفت بعض الفضائيات المصرية الفكرة وبدأت ترويجها من خلال البرامج الحوارية الليلية التي تحظى بمشاهدة عالية، ودعت المواطنين للتبرع - كما فعل السيسي - وقدم بعضهم تبرعاته على الهواء.

اتبرع ولو بجرام ذهب

لم تتوقف حملات التبرع على وسائل الإعلام الحكومية والمستقلة فقط، ولكنها انتقلت أيضا إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث دشنت مجموعة من سيدات المجتمع حملة شعبية تحت عنوان "اتبرعي بجرام ذهب لإنقاذ مصر".

وتقول عبير بدر، وهي من مؤسسات الحملة، إنها اشترت قطعة حلي ذهبية منذ أكثر من عامين، ولم ترتدها إلا لمرات قليلة جدا، وهي ليست في حاجة إليها، وبدلا من تركها في علبتها دون استخدام يعلوها التراب فقد قررت الاستجابة لمبادرة السيسي والتبرع بها، ودعت كل صديقاتها إلى التبرع أيضا بما لا يحتجنه من الحلي الذهبية.

بل دعت الحملة الفتيات إلى التبرع بجزء من قيمة "الشبكة"، وهي الهدية التي يقدمها العريس إلى عروسه قبل الزفاف، لصالح صندوق دعم الاقتصاد الوطني.

وتلقف البنك المركزي دعوة السيسي، وفتح بالفعل حسابا خاصا لتلقي التبرعات، بنفس أرقام تاريخ إعلان خارطة الطريق التي توافقت عليها القوى السياسية بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي.

وهناك بالفعل حسابات أخرى للتبرع منذ أحداث الثلاثين من يونيو/حزيران الماضي، وأبرزها حساب 306306، الذي يقول مجلس الأمناء القائم عليه إنهم لم يستطيعوا تجاوز حاجز المليار جنيه، من خلال التبرعات التي تدفقت على الصندوق على مدى أكثر من 10 شهور.

ويقول سامر عطا الله - من المبادرة الشعبية لإسقاط ديون مصر - إن الأمر يبدو جيدا في ظاهره، وهو محاولة من الرئيس عبد الفتاح السيسي لاستثمار شعبيته السياسية، لتمرير مجموعة من القرارات الاقتصادية الصعبة التي قد تتضمن رفع الدعم عن المحروقات والطاقة.

ويمثل هذا تحديات أمام الأسعار التي تعاني أصلا من ارتفاعات كبيرة بسبب معدلات التضخم وغياب دور الدولة في الرقابة على الأسواق.

Image caption رفع الدعم عن السلع الأساسية، ومنها الخبز، سيزيد الأسعار.

أما رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، دكتور رشاد عبده، فيقول إن الدولة لا تستطيع التدخل بعنف لضبط الأسواق لأنها تنتهج مباديء الاقتصاد الحر، ولكنها تستطيع توجيه الدعم للفئات الأكثر احتياجا من خلال الدعم النقدي للأسر المسجلة بشبكة الضمان الاجتماعي وأصحاب بطاقات التموين.

وتقول الحكومة المصرية إنها تنوي رفع الدعم المقدم إلى الصناعات التي تستخدم الطاقة بكثافة، مثل صناعات الأسمنت، والسيراميك، والبتروكيماويات، والحديد والصلب، وقد يؤدي هذا إلى ارتفاعات جنونية في أسعار هذه السلع.

ويخشى أن يؤدي هذا إلى ارتفاع أسعار المساكن، أو هروب المستثمرين في هذه الصناعات إذا قررت الدولة فرض أسعار جبرية على البيع بهامش ربح محدد سلفا.

توسيع قاعدة المجتمع الضريبي

ومن أبرز الخيارات المطروحة أمام الحكومة المصرية، إلى جانب مسألة رفع الدعم عن الطاقة، قضية توسيع قاعدة المجتمع الضريبي، وإدخال فئات جديدة من دافعي الضرائب إلى خزينة الدولة.

ويقول الخبير الاقتصادي عبد الفتاح الجبالي إن النظام الضريبي في مصر تستفيد منه الفئات الأكثر غنى ويضغط على المنتظمين من الممولين الذين يحصلون على أجور ثابتة داخل الجهاز الإداري للدولة، أو العاملين بالقطاع الخاص والاستثماري، من خلال عقود موثقة لدى الدولة.

ودعا الجبالي - الذي كان يشغل منصب رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الصحفية - إلى توسيع المجتمع الضريبي من خلال إدخال فئات جديدة، مثل العمالة المؤقتة والموسمية، والباعة الجائلين، بعد تنظيمهم، وكذلك الضريبة العقارية لزيادة الحصيلة الضريبية.

وأوضح الجبالي أن فرض ضريبة على أرباح المضاربات في البورصة، هو أمر جيد ويصب في الاتجاه الصحيح، مؤكدا على ضرورة تطبيق الضريبة التصاعدية وضريبة "في حب مصر" المقدرة بـ5 في المئة من إجمالي الدخل لمن تزيد دخولهم السنوية على مليون جنيه مصري، كضريبة مؤقتة حتى عام 2017.

ويقول الخبراء إن تشوه المجتمع الضريبي يهدر أموالا طائلة على الموازنة العامة للدولة، وإن المجتمع المصري عانى طيلة العقود الماضية من شبكة "فساد متجذرة" كانت تفسد أي محاولة لإصلاح هذا النظام الضريبي من خلال تطبيق الضريبة التصاعدية على أصحاب الدخول المرتفعة، وتطبيق الضريبة العقارية على المساكن الفارهة والمنتجعات السياحية المنتشرة على طول الساحل الشمالي المطل على البحر المتوسط وشرم الشيخ على البحر الأحمر.

مؤشرات خطيرة

ويقول البنك الدولي في أحدث تقاريره إن مصر لم تطلب رسميا استئناف المباحثات لدعم الاقتصاد المصري الذي بدا بالفعل يتعافي من الأضرار الكبيرة التي لحقت به على مدى أكثر من ثلاث سنوات من بعد الثورة والمطالب الفئوية.

Image caption تشير مؤشرات إلى تحسن طفيف في الاقتصاد المصري بعد هبوط نسبة العجز.

وتشير الأرقام الرسمية إلى ارتفاع عجز الموازنة المصرية الجديدة بعد تطبيق حزمة الإصلاحات إلى 288 مليار جنيه مصري بما يبلغ 12.6 في المئة، بتحسن طفيف عن الموازنة السابقة التي تجاوز فيها العجز 14 في المئة.

كما تشير الأرقام الحكومية أيضا إلى وصول الديون الداخلية والخارجية إلى نحو تريليوني جنيه مصري، في الوقت الذي بلغت فيه نسبة التضخم إلى 10.6 في المئة، وهي نسبة مرتفعة تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وانهيار قيمة العملة المحلية وقدرتها على الشراء.

الحل في زيادة الاستثمارات

وتهدف الحكومة المصرية خلال المرحلة المقبلة إلى زيادة حجم الاستثمارات الداخلية والأجنبية من خلال طرح خريطة المواقع الاستثمارية على المستثمرين في منطقة الخليج من خلال مبادرة العاهل السعودي للدعو إلى مؤتمر المانحين المقرر عقده خلال المرحلة المقبلة.

كما بدأت الخارجية المصرية اتصالات مكثفة مع المستثمرين في أفريقيا للدخول إلى الأسواق المصرية عبر شروط وميزات تفضيلية ومشاريع مشتركة بين الجانبين المصري والأفريقي.

ويعتبر مشروع تنمية محور قناة السويس أحد أبرز المشاريع التي يعول عليها نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي لإقالة الاقتصاد المصري من عثرته، وتقليل نسبة البطالة التي تبلغ - وفقا لبيانات مركز دعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري - 13 في المئة من حجم القادرين على العمل.

المزيد حول هذه القصة