أزمة العراق تعيد ترسيم خطوط المعركة القديمة

مصدر الصورة Getty
Image caption فقدت القوات العراقية سيطرتها بالفعل على جميع المناطق في البلاد ذات الغالبية السنية

جاء الظهور المربك لتنظيم دولة الإسلام في العراق والشام "داعش" في العراق ليقلب هذه الدولة رأسا على عقب بسرعة لا يمكن تصورها، وهو ما يضع العراقيين إلى جانب القوى الإقليمية والدولية أمام تحدٍّ أحدث ارتباكا في أجزاء من النظام الإقليمي.

ومع تقدم مسلحي السنة بشكل تدريجي في المناطق الواقعة حول العاصمة العراقية بغداد، نجد هناك سباقا مثيرا ما بين الجهود الدبلوماسية البطيئة لنزع فتيل الأزمة والتطور السريع للأحداث على الأرض.

ويمكن لتطور الأحداث أن يؤدي في النهاية لأن تشهد بغداد والمناطق المحيطة بها حمامات دم طائفية، ستكون في النهاية سببا في تمزيق العراق كله.

كما أن الموقف الصارم الذي اتخذه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، والذي أكد فيه على لجوئه للخيار العسكري واستمراره لفترة رئاسية ثالثة، من شأنه أن يبطئ جهود الإنقاذ السياسي، ويصعد من حدة الصراع.

ويعكس الخبر الذي أفاد بأن مقاتلات سلاح الجو السوري قصفت أهدافا تابعة للتنظيم على الحدود الغربية العراقية كيف أن الاضطرابات تهييء لدمج الصراعات التي يشهدها البلدان، وهو ما يدفع الجميع لإعادة النظر في افتراضات قديمة.

وعلى الرغم من أن تلك الضربات كانت سابقة لأوانها، إلا أنه كان يمكن شنها بطريقة مماثلة بالمقاتلات أو الطائرات بدون طيار التابعة للقوات الأمريكية، وهو ما أفادت به الحكومة العراقية نفسها في البداية.

ومع إعادة تحديد خطوط المعركة، تجد الإدارة الأمريكية نفسها فجأة تقف في الجانب الذي يقف فيه النظام السوري، على الرغم من أنها كانت تعمل بشكل غير مباشر على إسقاطه خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

ومع إرسال الولايات المتحدة خبراءها العسكريين إلى بغداد لتقييم الوضع هناك، وقد يكون أيضا للتعرف على الأهداف لهجمات الطائرات بدون طيار أو الهجمات الجوية، فإن ذلك هو ما يقوم به أيضا خصمها القديم في المنطقة –إيران- التي تشارك وبقوة في جهود استئصال هذا المد الذي ترى فيه خطرا كبيرا يتهددها.

وفي الوقت نفسه، قال رئيس الوزراء العراقي إن روسيا تبيع لحكومته بعض المقاتلات من طراز "سوخوي" لاستخدامها في ضرب المسلحين.

"تهديد مميت"

ويبدو أن تنظيم "داعش" نجح فيما فشل فيه الآخرون، بأن يدفع المجتمع الدولي للعمل في مواجهة تهديد يشعر الجميع بأنهم يتعرضون له أو سيتعرضون له في المستقبل.

وقال برهم صالح، وهو أحد كبار الساسة الأكراد "قبل الحادي عشر من سبتمبر، ظن الناس أن القاعدة منحصرة في كهوف جبال أفغانستان، أما الآن فيمكنك أن ترى ما حدث."

مصدر الصورة Getty
Image caption يؤكد المالكي على ضرورة تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في العراق عسكريا

وأضاف قائلا "أما اليوم، فهي تنتشر بشكل كبير وظاهر في العالم العربي، وأصبحت تمثل تهديدا مميتا لا يمكن لأحد تجاهله."

وإذا ما تمكن تنظيم داعش من إحكام قبضته على المناطق الكبيرة المتشابكة في كل من العراق وسوريا، بما في ذلك المدن والبلدات الكبيرة، فإن العالم حينها يمكن له أن يواجه كيانا منتصرا تكون منطقة تورا بورا (الأفغانية) أمامه مجرد معسكر كشافة صغير.

وجاء استيلاء داعش على الموصل في التاسع من يونيو/حزيران من قبل مجموعة من أفراد التنظيم لا يتعدى عددهم 500 مقاتل ليعزز من إمكانيات التنظيم بشكل كبير.

وقالت مصادر إن قائمة المعدات العسكرية التي حصل عليها التنظيم بعد أن فرت القوات العراقية من الموصل وكركوك تضمنت 4,000 سلاح آلي متوسط و1,500 سيارة عسكرية من طراز "هامفي" ومركبات عسكرية أخرى، بالإضافة إلى 50 قطعة مدفعية يجري توجيهها بنظام تحديد المواقع العالمي "جي بي اس" لإصابة أهداف يزيد بعدها على 40 كيلومترا، و50 دبابة من طراز "تي-55" ومروحيتين.

ويتردد أن قوات التنظيم استولت هناك أيضا على 427 مليون دولار أمريكي من فرع البنك المركزي العراقي بالموصل، ما من شأنه أن يصل بخزانة التنظيم إلى مستوى الاستقلالية.

تهميش السنة

ومن الواضح أن الثورة السريعة التي ظهرت نتيجة لذلك في الجنوب بطول نهر دجلة، والمكاسب التي تحققت في محافظة الأنبار غربي البلاد، لم يكن كل ذلك ممكنا إذا لم يجد التنظيم أرضا خصبة في تلك المناطق التي تغلب عليها الطائفة السنية.

وكان للطوائف السنية العراقية بما فيها ضباط الجيش العراقي السابقون، والمجموعات القبلية الانفصالية بالإضافة إلى ناشطي حزب البعث الذين يتمتعون بقدر عال من التنظيم، كل ذلك يمنح تنظيم داعش عمقا محليا بدلا من أن تكون هناك فرصة لإنهاك التنظيم أو عزله أو حتى تسهيل مواجهته.

وبغض النظر عما إذا كانت هناك أي مشاركة من العديد من خصومه السياسيين في الانهيار الذي مني به جيشه العراقي ذو الأربعين مليارا، وذلك حسب ما أكده المالكي، فإن الحقيقة تتمثل حاليا في أن موضوع داعش قد تداخل بشكل معقد مع شكاوى السنة من النظام الذي تسيطر عليه الطائفة الشيعية، والذي جعل السنة يشعرون بالتهميش وكونهم ضحية لممارسات النظام.

وتقريبا، فإن الاضطرابات التي شهدتها المناطق العراقية التي خرجت فيما بعد عن سيطرة النظام العراقي تسكنها غالبية سنية.

وحتى الآن، لم يتمكن الجيش العراقي من شن هجوم استراتيجي مضاد من شأنه أن يدحر المتمردين.

مصدر الصورة AFP
Image caption منذ يناير الماضي، تمكن المتمردون من السيطرة على مناطق من الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار

كما عززت إضافة ثلاث ميليشيات شيعية تدعمها إيران إلى قواتها على الأرض من فكرة أن ذلك الجيش هو جيش شيعي يقاتل لفرض النظام الشيعي على المناطق السنية.

إلا أن فرص النظام في استعادة قواته للمناطق التي فقد السيطرة عليها تبدو ضئيلة. وإذا ما حدث ذلك فإنه سيكون مدمرا وسيتسبب في نزوح السنة من مناطقهم المدمرة ليفرض النظام سيطرته مرة أخرى عليها.

وأصبح من المسلّمات الآن لدى الكثير من السياسيين العراقيين أن السنة قد حددوا منطقتهم، وأن الأوضاع لن تعود إلى ما كانت عليه في السابق.

وقال برهم صالح: "شهد عام 1991 خروج الجالية الكردية، كما شهد عام 2003 تأسيس السلطة العراقية الشيعية، أما عام 2014 فيشهد ميلاد المنطقة السنية."

جلسة برلمانية

أما ما وراء النشاط السياسي المكثف الذي تشهده بغداد وبعض المناطق الأخرى، ويشارك فيه الأمريكيون وأطراف عدة، فإن أمامنا عدد من الافتراضات الأساسية:

  • ليس من الممكن أن يكون هناك حل عسكري بحت للأزمة.
  • يجب أن تمثل داعش مشكلة للسنة أنفسهم، وذلك بتمكين الطائفة السنية ومنحها حصة حقيقية في المنظومة السياسية.
  • ولّت أيام السلطة المركزية في بغداد، ويجب الوصول إلى صيغة فيدرالية أكثر مرونة من الممكن أن تشهد ظهور كيان سني مماثل لكردستان العراق، وحينها سيكون من الممكن للفصائل السنية التي انضمت إلى التمرد في العراق أن تنقلب على تنظيم داعش، كما حدث في الأنبار عام 2006-2007.
  • إذا ما كان النظام العراقي يطبق السياسة بطريقة صحيحة، فإن عناصر الجيش العراقي وقوات البشمركة مدعومين بغطاء جوي أمريكي سيعملون على دعم المعتدلين من السنة لمواجهة داعش.
  • لا يمكن لنوري المالكي، الذي يلقي الكثيرون باللائمة عليه في اتباع سياسات طائفية انقسامية أدت إلى تلك الأزمة، أن يتزعم هو عملية المصالحة وإعادة هيكلة عميقة ضرورية في النظام.
مصدر الصورة Getty
Image caption يعد عادل عبد المهدي وأحمد شلبي من بين الأسماء المرشحة بقوة لخلافة المالكي لصلتهما القوية بالأكراد والسنة

أما المالكي نفسه فلا يتفق مع ذلك بالطبع، فقد رتب لجلسة برلمانية في الأول من يوليو/ تموز آملا أن يتمكن من الدفع نحو العملية الدستورية التي تتلو الانتخابات، والتي استغرقت في المرة الأخيرة ما يربو على تسعة أشهر لتشكيل الحكومة.

إلا أنه وفي حال ما لم يحدث تغيير جذري، فلن يكون هناك نصاب قانوني.

فالنواب الأكراد والسنة لن يحضروا تلك الجلسة إذا ما كان المالكي هو المرشح لمنصب رئاسة الوزراء، كما أن أغلب قادة الشيعة لا يريدونه في المنصب أيضا بمن فيهم الزعيم الشيعي مقتدى الصدر.

وعندما يتعلق الأمر بمثل هذه الشؤون الشيعية مثل اختيار رئيس وزراء العراق، فإن الكلمة الأخيرة تكون لإيران.

فهل ستكون إيران مستعدة لاستبدال المالكي المثير للانقسام في البلاد بآخر تتوافق عليه جميع الأطراف ليجذب العراق بعيدا عن حافة الهاوية؟

وترى بعض المصادر المطلعة أنها مستعدة لذلك، فإيران تحتاج إلى حل يرسي الاستقرار لدى جارتها العراق لأن مساعدة إيران في الدفاع عن الشيعة في الحرب الطائفية المفتوحة، في الوقت الذي تدعم فيه الدول العربية السنة في صراعهم مع الشيعة، أمر لا قبل لإيران به.

فرص ضئيلة

فقد تعرضت المصالح الإيرانية بالفعل لتهديدات خطيرة، حيث انقطع الممر البري إلى حليفها الاستراتيجي سوريا ومن ثم انقطع الطريق البري إلى حزب الله أيضا. كما أن الطائرات الأمريكية من طراز "اف 18" تسيطر على المجال الجوي العراقي مما يؤثر سلبًا على الروابط الإيرانية بهذين الحليفين.

لتلك الأسباب، وبحسب مصادر مطلعة، فإن أبرز الرموز الشيعية بالعراق المرشد الأعلى آية الله علي السيستاني يجري محادثات مع قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني حول ضرورة رحيل المالكي.

ويبدو أن الأسماء المرشحة لخلافة المالكي في منصبه تتضمن عادل عبد المهدي وأحمد الشلبي، الذين يُعدان من السياسيين الشيعة الأقوى صلة بالكرديين والسنة، وكلاهما أيضًا مقرب من إيران والولايات المتحدة.

ويبدو أن المالكي مصر على المضي قدمًا على نفس موقفه، إلا أن فرصه ستكون ضعيفة للغاية إذا ما قرر الإيرانيون التخلي عنه.

المزيد حول هذه القصة