الحب المحرم في مصر

تقدم طارق خطوات مترددة نحو هويدا قبل أن يصارحها بحبه. لم يكن قرارا سهلا، وإن ظلا يتبادلان نظرات الإعجاب الخجولة طيلة عام داخل ساحة حرم جامعة شمالي مصر.

الارتباط الرسمي قد يحيل الحب العذري هذه إلى قصة حزينة، وربما دامية.. فهو مسلم، وهي مسيحية.

"كنت أخشى أن ينتهي كل شيء بمجرد إعلان رغبتي في الارتباط بهويدا، فلن أتمكن حتى من مخاطبتها كزميلة إذا رفضت بحكم التقاليد. ولو فعلت سيكون معها كل الحق، لهذا ترددت كثيرا قبل اتخاذ هذه الخطوة"، كما يروي طارق.

ويضيف "الآن، وقد جاوزت الأربعين، أؤكد لك أني لم أصادف لحظة أسعد من تلك التي قبلت فيها هويدا الارتباط بي. بل وأعلنت استعدادها تحدي كل الظروف حتى يكلل حبنا بالزواج."

نحو التهلكة

جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

رغم حالة التعايش التي تغلب على علاقات المسلمين والمسيحيين في مصر، إلا أن زواج الشباب والفتيات يكاد يكون مستحيلا إذا ما كانا ينتميان لديانتين مختلفتين. وفي بعض المناطق، قد ينتهي الأمر باشتباكات دامية.

يقول طارق "استمرت علاقتنا العذرية لسنوات.. لم يكن أي منا يتوقع أن هناك قوة في الدنيا يمكنها أن تفصل بيننا. تعرفت على أسرتي وأصبح الجميع في بيتي يعاملها كما لو كانت خطيبتي. كانت تمارس شعائر الدين الإسلامي سرا استعدادا للزواج مني."

كانت أحداث قصة طارق وهويدا، تمضي جنبا إلى جنب مع عدد من الأحداث التي شغلت الرأي العام المصري وكان محورها علاقات من النوع ذاته.

يروي طارق، قائلا "كنت أتابع بتوجس ما يجري. وفي لحظة عرفت أني ربما أقود هويدا إلى التهلكة. إن الثمن الذي ستدفعه سيكون باهظا جدا جزاء الارتباط بي. حتى إذا استطعت أنا الوقوف في وجه كل الضغوط."

المتهم الطليق

Image caption عطا الله: الحب متهم بإذكاء الفتنة

ويرى الكاتب المصري أحمد عطا الله، الذي عكف على دراسة التوترات الطائفية التي مرت بها مصر خلال السنوات العشر الماضية، أن سبب العدد الأكبر من الاشتباكات هو العلاقات العاطفية بين أشخاص من ديانات مختلفة.

"الحب هو المتهم الحقيقي وراء معظم حوادث الفتنة الطائفية في مصر خلال الفترة الأخيرة. لكن المثير أن أحدا لا يذكر هذا صراحة"، حسبما قال لبي بي سي.

واستدرك قائلا "بالطبع هناك أسباب أخرى لأحداث الفتنة الطائفية، منها خلافات الجيرة العادية والنزاع على الأراضي وما إلى ذلك، لكن الحب هو السبب الذي تعزف عن ذكره محاضر التحقيقات بالرغم من أنه يشكل عاملا رئيسيا في اندلاع الكثير من حوادث الفتنة."

وفي الآونة الأخيرة، شكّلت مواقع التواصل الاجتماعي أداة سهلة لنمو هذا النوع من العلاقات. لكن التواصل السهل بين الفتيات والشباب من ذوي الديانات المختلفة اقترن في الوقت نفسه بنمو في نزعة التعصب وعدم التسامح، بحسب عطا الله.

"لم تكن غالبية المجتمع المصري في الماضي تقبل بسهولة فكرة الزواج بين مختلفي الديانات، لكن الجديد أن العنف أصبح الآن هو السبيل الأكثر شيوعا للتعبير عن هذا الرفض"، حسبما يوضح الكاتب.

لا تسامح

في نهاية العام الماضي، أثارت أنباء عن اختفاء فتاة مسلمة وجارها المسيحي حفيظة سكان قرية نزلة البدرمان جنوبي مصر. وسرعان ما تحولت المشاعر الغاضبة إلى اشتباكات أسفرت عن مقتل شخص وإصابة ستة آخرين، كما اضطرت عائلات مسيحية إلى هجر بيوتها في القرية الفقيرة حتى يهدأ الوضع.

وقال صابر عبد المجيد عمدة نزلة البدرمان إن "قريتنا لم تشهد أي أحداث فتنة في خضم الأزمات السياسية المتلاحقة التي شهدتها البلاد، وأثرت على علاقة المسيحيين بالمسلمين في قرى مجاورة."

واستطرد بالقول إن "غاضبين أشعلوا النيران في ممتلكات لأقباط بالقرية، ولكن الغالبية العظمى من السكان هبّت لإطفاء الحرائق والذّود عنهم. ولم يهدأ روع الناس إلا بعد أن عادت الفتاة وتبين لهم أنها لم يمسّها سوء."

الالتزام بالتقاليد

مصدر الصورة Reuters

ودرءا للفتن، يدعو رجال الدين ومسؤولو الأمن الشباب والفتيات إلى اختيار شريك العمر من ذات الديانة.

وقال العميد هشام نصر، مدير المباحث الجنائية في المنيا، إن "الحل الأمني لا يكفي وحده لحل هذه المشكلات"، ناصحا الشباب والفتيات بـ"الالتزام بالعادات والتقاليد وما تقتضيه التربية الدينية والابتعاد عن العلاقات من هذا النوع."

وأضاف لبي بي سي أن "كل ما يمكننا فعله في حالة وقوع الاشتباكات هو أن تفصل قواتنا بين الطرفين. العبء الأكبر يقع على رجال الدين لمنع وقوع هذه الفتن من الأساس."

ويرى الأب جورج متى، راعي كنيسة مار جرجس بقرية حنا أيوب جنوبي مصر، أنه مازال أمام المجتمع عشرات السنين حتى يكون بوسعه التعامل مع هذا الموضوع دون حساسية.

وأضاف أن "كل شاب لديه من بنات ديانته كثيرات. ارتباط الشاب المسيحي بمسلمة أو العكس غير مقبول لأن له توابع غير مرغوبة في مجتمعنا."

لكن ميلاد، الذي تقدم للزواج من فتاة مسلمة بالرغم من رفض عائلته المسيحية، يرد على هذا المنطق بقوله "لست في سوبرماركت! أنا أختار من أشعر نحوها بالتواصل الإنساني وأيضا بالاتساق في الأفكار."

ميلاد وقع في حب مسلمة في ميدان التحرير إبان ثورة 25 يناير/ كانون الثاني عام 2011. وبعد مرور عام، تطورت علاقتهما عبر موقع فيسبوك للتواصل الاجتماعي. لكن مساحة الحرية التي شعرا بها في غمرة أحداث الثورة فوجئا بها تتقلص في مواجهة حوائط التقاليد.

ويقول ميلاد إن "والد الفتاة أبدى مرونة في أول الأمر ولكن هذه المرونة سرعان ما تبددت حينما علم أني لا أنوي إشهار إسلامي."

ولا تعترف السلطات في مصر بزواج المسلمات من رجال مسيحيين. ولذلك اقترح ميلاد على والد الفتاة عقد القران خارج الحدود. لكن طلبه قوبل بالرفض.

بعيدا عن أعين المجتمع

وحتى خارج الحدود المصرية، يقول علماء دين مسلمون إن الدين الإسلامي يحرم زواج المسلمة من مسيحي.

ويؤكد الشيخ خليفة عزت، إمام المركز الثقافي الإسلامي في لندن أن المركز يعمد إلى التحقق من أن إشهار الراغبين في الزواج إسلامهم كان عن اقتناع بالدين وليس بغرض إتمام الزواج فقط.

ويعرب الشيخ عن اعتقاده بأن "العقبة التي تتفاقم يوما بعد يوم هي غياب قيمة التسامح وربما لعب الإعلام دورا كبيرا في هذا الجانب."

ويروي أنه "منذ أشهر عقدتُّ في المركز قران شاب مسلم وفتاة مسيحية. سافرا خصيصا من مصر إلى بريطانيا لإتمام زواجهما، ومعهما أسرتاهما. وبالرغم من عدم وجود عائق قانوني أمام إتمام هذا الزواج في وطنهما، إلا أن تنامي ظاهرة عدم التسامح أصبح يمنع مثل هذه الزيجات حتى مع مباركة الأهل."

وبالرغم من هذا، يعرف المجتمع المصري قصصا ناجحة لزواج رجال ونساء من أصول دينية مختلفة.

خديجة تربت في كنف والد مسلم وأم اختارت الاحتفاظ بديانتها المسيحية.

وتقول "كانت والدتي المسؤولة عن تحفيظنا القرآن الكريم. لم أشعر بأي مشكلة داخل بيتي الذي كان يسوده الوئام والتسامح بين والدي ووالدتي التي تزوجته بعد صراع مرير مع أسرتها."

وتضيف "بدأت أشعر بأن هناك مشكلة لدى المجتمع مع تقدمي في صفوف الدراسة. كان زملائي وبعض المدرسين يسألون أسئلة لم تدر في خلدي مسبقا.. لماذا لم تعتنق والدتك الإسلام؟ ألا تعلمين أن مصيرها إلى النار؟ وأدركت بعد فترة أن المشكلة تكمن في المجتمع وعدم تقبله للآخر وليست في الأديان ذاتها."

كذلك عبير ومحمد اللذين تزوجا في إحدى قرى جنوبي مصر منذ عشرين عاما.

ويقول محمد إن "زواجنا لم يسبب أي مشكلة. بل على العكس كان الناس يحتفلون بنا أينما ذهبنا".

لكن عبير تتذكر بأسى كيف باءت كل محاولات الصلح مع عائلتها بالفشل، وتقول "دبرت قريبتي لقاء مع والدي. ولكنه قال بمجرد أن رآني: ليس لي ابنة اسمها عبير. لقد ماتت ابنتي ودفنتها."

أما طارق، فقد قرر أن يعفي هويدا من تكبد هذا الثمن الباهظ.

"أنا الآن متزوج ووالد لطفلين. زوجتي آية في الأخلاق وتحرص على إسعادي كل الحرص. ولكني لم أحب يوما غير هويدا. لقد كانت تتمكن من قراءة مشاعري من عيني قبل أن أنطق بها. لهذا ما زلت أحبها ولن أكف عن تذكر لحظاتي معها حتى أموت."

المزيد حول هذه القصة