هل تسحق الميليشيات في ليبيا الديمقراطية؟

يواجه النواب الليبيبون المنتخبون مؤخرا تحديات جسام تكمن في بطء انتقال البلاد من نير الديكتاتورية التي عانت منها البلاد في ظل حكم الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي إلى مسار الديمقراطية التي يرغبون في أن تسود البلاد.

ومع غياب وجود جيش فعال يكبح تنامي نفوذ الميليشات وتناحرها، وقعت البلاد في براثن دائرة من المعارك تشكل خطرا على حياة المدنيين.

وأصبحت العاصمة طرابلس ميدانا للمعارك في الأسابيع الأخيرة ليس من أجل كسب دعم شعبي، بل من أجل السلطة بقوة السلاح.

ويسعى بعض الذين يعيشون في مناطق متضررة بالقتال في طرابلس إلى الانتقال للعيش في مناطق أكثر أمنا، فيما حوصر آخرون في منازلهم يتبادلون عادة صورا على مواقع التواصل الاجتماعية تبين أبنية تعرضت للقصف الصاروخي أو آثارا لشظايا وطلقات الرصاص.

وأصبح المطار الرئيسي في طرابلس، الذي بات مركزا للصراع مؤخرا، أشبه بساحة للخردة.

كما أسفر الصراع في المدينة عن إغلاق معظم محطات تزويد الوقود لدواعي أمنية أو اصطفاف طوابير لا نهاية لها أمام العاملة منها.

كما عانت البنوك على مدار الشهرين الماضيين من مشكلات في السيولة النقدية نظرا لتكرار عمليات السطو المسلح عليها، وأصبح البنك المركزي عاجزا عن تأمين سيارات نقل الأموال. وأغلقت معظم البنوك أبوابها بالفعل خلال الأسبوع الماضي.

Image caption الكثير من محطات تزويد الوقود في طرابلس أغلقت نشاطها لدواعي أمنية
Image caption أغلقت البنوك في المدينة لقلة السيولة النقدية على مدار أسابيع

ويمثل زيادة تصدير خام النفط تدريجيا البشرى الوحيدة للنواب الجدد بعد عام تقريبا من تعطيل الميليشيات للموانئ البترولية لتضخ نحو 500 ألف برميل يوميا من نضوبها قبل شهرين.

غير أن انعدام الثقة وغياب المساءلة تعني صعوبة احتواء الميليشيات التي تلعب الطموحات الشخصية والتناحر الإقليمي دورا في الصراع.

ميليشيات على جداول الرواتب

زار وزير العدل الليبي صلاح الميرغني لاهاي يوم السبت الماضي بغية البحث عن سبل لتتبع الميليشيا المسؤولة عن أحداث القتال الأخيرة في ليبيا.

وكان وزير الخارجية الليبي محمد عبد العزيز يزور نيويورك، قبل ذلك بيوم، طالبا من مجلس الأمن الدولي المساعدة في تدريب فرق ليبية لحماية الموانئ النفطية والمطارات المدنية.

حتى الحكومة قالت إنها تفكر في "إمكانية طلب قوات دولية لحماية المدنيين ودرء الفوضى."

وقال عز الدين عقيل، المحلل السياسي، إن الوضع متردي للغاية.

وأضاف لبي بي سي :"الحكومة مجرد كيان بلا أساس. ليس لديها أدوات لفرض سلطتها، هذا الصراع الدائر على المطار مرحلة بالغة الخطورة."

Image caption تحطمت الكثير من الطائرات في المعارك الأخيرة

يوجد لواءان لميليشيات في مطار طرابلس، أحدهم في الأساس من الزنتان، التي حملت مسؤولية حماية المطار منذ السيطرة عليه عام 2011 ورفضت مغادرته.

وكلاهما مدرج على قوائم رواتب العاملين بوزارة الدفاع، وتعرضا لهجوم من غرفة عمليات ثوار ليبيا التي تضم إسلاميين متشددين في صفوفها.

ومن الغريب أن هذه الجماعة أيضا مدرجة على قوائم الرواتب الرسمية وشكلها البرلمان المؤقت المنقضية فترة ولاته.

ولا يلبي أي من تلك الجماعات فيما يبدو أهداف السلطة المركزية، إلا إذا اتفقت مع أهدافهم الواسعة.

كما يوجد عدد من الكتائب من مدينة مصراتة تقاتل أيضا إلى جانب غرفة عمليات ثوار ليبيا.

وتشتهر مصراتة باستقرارها وانتعاشها الاقتصادي الذي تمتعت به منذ الثورة، غير أن طموح قادتها نظرت إليه المناطق المجاورة بعين الشك والريبة.

مصدر الصورة AFP
Image caption القتال في بعض المناطق في طرابلس دفع البعض إلى الانتقال لمناطق أكثر أمنا

حرب بالوكالة؟

شجع الانقسام السياسي والصدع الأيدولوجي جميع الأطراف على مدار العامين الماضيين.

ومن أجل التغلب على ذلك، اضطر مرشحون خلال الانتخابات التي جرت الشهر الماضي على مقاعد البرلمان ال200 إلى خوض الانتخابات بشكل فردي وليس كأعضاء في حزب.

وثمة اعتقاد بأن المرشحين من ذوي الميول الإسلامية لم يبلوا بلاء حسنا، غير أن الانتماءات السياسية لمجلس النواب، الذي سيخلف المؤتمر الوطني، غير واضحة بعد.

ويعني توزيع الجماعات المسلحة في شتى أرجاء البلاد أن الأسلحة منتشرة على نحو متكافئ، وأن معظم المعارك لا تحقق شيئا سوى سلسلة من الدمار.

وتعتبر البلاد محيرة بالنسبة للقوى الغربية اللاعبة، إذ باءت الجهود التي بذلتها بعثة الأمم المتحدة في ليبيا لجمع الأطراف السياسية والمسلحة على طاولة المفاوضات بالفشل.

ويشيع اتهام الجماعات المتناحرة بعضهم بوجود صلة تربطهم بنظام القذافي.

مصدر الصورة AFP
Image caption مرشحو الانتخابات البرلمانية اضطروا إلى خوض الانتخابات بشكل فردي

وقال أنوار صوان، عضو مدينة مصراتة في مجلس الشورى، الكيان الذي يتدخل كوسيط سلام في أوقات العنف، لبي بي سي :"الحرب في طرابلس بين ثوار حقيقيين من مصراتة ومناطق أخرى مناهضة لفلول النظام السابق. فهم من يرهبون الناس."

وتقول ألوية ميليشيا الزنتان إنهم يقاتلون لمحاربة تنامي نفوذ الإسلام السياسي، أي جماعة الأخوان المسلمين عموما التي يحملونها مسؤولية تعثر البلاد.

ويوافق عز الدين عقيل على أن هناك حرب بالوكالة تدور على الأراضي الليبية.

وقال :"إنه صراع إقليمي على بقاء الأخوان المسلمين."

لكنه يعتقد أن المصلحة الخاصة هي الدافع الحقيقي.

وأضاف :"لا تفعل الميليشيات ذلك من منطلق مبدأ أو من أجل أحد، بل يفعلونه من أجل بقاءهم وتدفق الأموال."

فما الذي يمكن للمجتمع الدولي أن يفعله؟

وصف الاتحاد الأوروبي الهجمات التي استهدفت مطارات مدنية بأنها "انتهاك للقانون الدولي" لكنه قال "لا يوجد حل عسكري لمشكلات ليبيا، فالخيار الوحيد هو الحل السياسي."

مصدر الصورة AFP
Image caption الميليشيات المتناحرة عادة تتهم بعضها بوجود صلات تربطها بنظام حكم القذافي

وطرح عدد من المراقبين المحليين والأجانب خيارات قصيرة الأجل ربما تخدم في دفع الجماعات المسلحة إلى مفاوضات جادة مثل حظر سفر كبار قادة الميليشيات و إصدار أمر يقضي بإمكانية محاكمتهم أمام المحاكم الدولية.

ويقول عز الدين عقيل إن ذلك قد يدفع جميع الأطراف إلى طاولة المفاوضات.

أما بالنسبة لليبيين فإن التحرك الصادق لوقف الفوضى والاقتتال الداخلي، سواء من الخارج أو من المسؤولين المنتخبين، سيمنحهم الإيمان بالمستقبل.

وتزداد المخاطر مع تنامي العداوات والتهديد بتأجيج النيران التي يصعب السيطرة عليها.

المزيد حول هذه القصة