العملية الإسرائيلية في غزة ربما انتهت من دون منتصر من الطرفين

مصدر الصورة AFP
Image caption تجاوزت حصيلة القتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي في غزة ما سقط خلال عملية "الرصاص المصبوب" 2008

من الواضح أن حلقة من الصراع بين إسرائيل وحماس قد انتهت بفضل هدنة توصلت إليها الأطراف بشق الأنفس ربما تفضي إلى فترة هدوء طويلة وربما لا.

بيد أنها قد تكون مجرد حلقة في هذا الصراع القاسي يمكن أن تتكرر في الأشهر والسنوات المقبلة في ظل غياب أي تغيير جذري في ظروف معيشة الفلسطينيين في قطاع غزة.

وبات من الواضح بأنه ليس ثمة منتصر في الصراع. فقد أدان العالم حصيلة القتلى الذين سقطوا في صفوف الفلسطينيين ووصفوها بأنها غير متكافئة. وردت إسرائيل بالإصرار على أن العديد من مستودعات صواريخ وأسلحة حماس تقع في مناطق مأهولة بالسكان، مشددة على أنها بذلت جهودا كبيرة لخفض عدد الضحايا من المدنيين قدر الإمكان.

وعلى الرغم من أنه عند الأخذ بنظر الاعتبار القوة التدميرية للأسلحة التي تطلق من الجو وللمدفعية الحديثة التي تترك هامشا ضئيلا للخطأ في السعي لاستهداف أهداف بعينها في منطقة مكتظة، فأن عدد منشآت الأمم المتحدة التي ضربت بشكل مؤكد يثير أسئلة بشأن هامش الخطأ والقدرة على الرد على مصادر النار بطريقة تمييزية.

فمن الناحية العسكرية، كانت هناك دروس واضحة لكلا الطرفين. فقد تعلمت حماس، إلى جانب الجماعات الفلسطينية الأخرى، من الاشتباكات السابقة مع القوات الإسرائيلية.

فكان مقاتلوها على قدر كبير من التدريب والإعداد. في حين لم يحقق سلاحها التقليدي، إطلاق صواريخ طويلة المدى، النجاح المأمول أمام أداء نظام دفاع "القبة الحديدية" الإسرائيلي لاعتراض الصواريخ.

مصدر الصورة Reuters
Image caption ساهم نظام القبة الحديدية الإسرائيلي في تقليل عدد الضحايا

القبة الحديدية

سطر نظام القبة الحديدية مرة أخرى قصة نجاح باهرة، على الرغم من أنه ما زال ثمة انتقادات تثير أسئلة بشأن ما يبدو معدلات نجاح النظام غير العادية.

وقد تكون بعض الصواريخ التي صنعتها حماس محليا أقل تأثيرا، إذ ثمة تقارير تفيد بأن كمية المواد المتفجرة قد قللت في بعض هذه الصواريخ بغية تخفيف وزنها وزيادة طول مداها.

لقد تسبب إطلاق الصواريخ في سقوط عدد صغير من الضحايا الإسرائيليين، وإلى حد ما سقط أكثر نتيجة اطلاق قذائف الهاون ذات المدى الأقصر التي أطلقت على مقربة من حدود غزة.

لكن الأثر الرئيسي للصواريخ يظل دوما في تعطيل الحياة الطبيعية وجعلها مستحيلة بالنسبة لأناس يهرعون إلى الملاجئ خوفا من القصف.

لقد أدت القبة الحديدية مهمتها، ليس في اعتراض بعض الصواريخ في السماء فحسب، بل ساهمت أيضا في تقليل عدد الضحايا وإرجاء اللحظة التي شعر فيها القادة الإسرائيليون بأنهم مضطرون لشن عملية عسكرية برية.

ومع ذلك ظلت حماس قادرة على الاحتفاظ بثباتها في إرسال وابل متقطع من الصواريخ طوال مدة النزاع على الرغم من انقضاض القوات الجوية والمدفعية الإسرائيلية عليها.

فبحسب تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية، أطلقت حماس نحو 3300 صاروخ تجاه إسرائيل. ويزعم الجيش الإسرائيلي أنه دمر نحو 3000 صاروخ أخر. وتشير التقديرات إلى أنه نحو 3000 صاروخ ما زالت في غزة.

وتمثل ادامة إطلاق الصواريخ إنجازا لحماس، على الرغم من احتمال وجود بعض المشكلات في اعادة تزويد ترسانتها بالصواريخ في ضوء حالة الخصومة مع الحكومة المصرية وحقيقة أن الكثير من ورش التصنيع في قطاع غزة قد تكون دمرت.

مصدر الصورة AFP
Image caption تعرضت إسرائيل لانتقادات بسبب استهداف البنى التحتية الأساسية في غزة مثل محطات الطاقة والمستشفيات

التسلل والمواجهة

وتمثل الإبتكار الكبير لحماس خلال هذه الحملة في استخدامها للأنفاق (وفي الواقع، مع بعض الوحدات الصغيرة المنقولة بحرا) للتسلل إلى داخل إسرائيل نفسها. فقد كان اعتراض إسرائيل لمجموعة من المقاتلين الذين خرجوا من أحد الأنفاق في منتصف يوليو/تموز الماضي دافعا لشن إسرائيل لعمليتها البرية التي كانت مهمتها الأساسية تحديد مواقع أكبر عدد من الأنفاق وتدميرها.

لقد اكتشفت إسرائيل أن الأنفاق لا تستخدمها حماس فقط كوسيلة للتسلل داخل إسرائيل فحسب، بل كجزء لا يتجزأ من منظومة الدفاع عن قطاع غزة نفسه، فحماس، المطوقة بمساحات مبنية (سكنية) صغيرة أو واسعة، سعت حرفيا إلى تحقيق عمق استراتيجي من خلال حفر الأنفاق وإنشاء متاهة من الممرات تحت الأرض ذات مداخل متعددة.

كان ذلك ميدان معركة ثلاثي الأبعاد تقدمت فيه القوات البرية الإسرائيلية.

من دون شك كانت هناك أخطاء. إذ سارع محللون إسرائيليون إلى إدانة استخدام ناقلات الجنود (إم-113) القديمة نسبيا والضعيفة، لا سيما وأن إحداها قد دمرت ما أسفر عن سقوط عدد من الضحايا. بيد أن الأنفاق بدت المسبب في أكثر المشكلات بالنسبة للإسرائيليين.

لم تكن الأنفاق مفاجأة في واقع الأمر، بل سبق أن حددت الاستخبارات الإسرائيلية بالفعل بعضها على نحو جعل القوات تعرف طريقها إليها بسرعة.

مصدر الصورة Getty
Image caption تزعم إسرائيل أنها دمرت جميع أنفاق حماس لكنها تقول إن القوات ستظل متمركزة بالقرب من غزة
مصدر الصورة Getty
Image caption على الرغم من سقوط 64 جنديا إسرائيلية في العمليات، إلا أنها حظيت بدعم في المجتمع الإسرائيلي

وكانت المشكلة بالنسبة للجيش الإسرائيلي في أنها لم تستوعب الأهمية الأكبر لشبكة الأنفاق أو تتدرب بشكل كاف للتعامل معها. وكان العديد من خسائرها بسبب من القتال الشرس في مناطق سكنية يخرج منها مقاتلون فلسطينيون بسرعة ثم يختفون مرة أخرى تحت الأرض.

وربط أحد المحللين الإسرائيليين مشكلة الأنفاق بالخطر الذي مثلته الصواريخ المصرية المضادة للدبابات التي دمرت دروعا إسرائيلية في بدايات حرب 1973. لقد كانت إسرائيل تعرف عن الأسلحة، ورصدت تدريبات مكثفة للمصريين على استخدامها، لكنها لم تدرك أهميتها (العملياتية) على نطاق واسع.

لقد تعلمت حماس بوضوح من دروس التغلغل الإسرائيلي السابق الكبير في القطاع. ويبدو أن إسرائيل اعتقدت أن هذه المرة ستكون بمثابة نوعا من إعادة نجاحها السريع السابق الذي لم يكبدها سوى خسائر بشرية محدودة.

إن مقتل 64 جنديا إسرائيليا يعد بالغ الأهمية بالنسبة لثقافة الجيش الإسرائيلي، ومن دون شك ستثار أسئلة بشأن بدء الحملة العسكرية وسير عملياتها.

أهداف مختلفة

Image caption خرجت حماس مضحية بأصول عسكرية بذلت مشقة في تجميعها على مدى سنوات

كثيرا ما توصف الصراعات، مثل أزمة غزة، بأنها غير متكافئة، حيث أنها تضم خصمين غير متكافئين بالنسبة للمعدات فضلا عن اختلاف شديد بين المهارات ومستويات غير متناسبة إلى حد كبير بالنسبة لقوة النيران، ولكن ثمة عدم تكافؤ جوهري في أهداف كل طرف في هذه العملية أيضا.

كانت أهداف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تكتيكية في الأساس، لتحقيق "الهدوء من أجل الهدوء"، وتدمير الأنفاق بأكبر قدر ممكن. وقد انتقد محللون إسرائيليون نتينياهو بشأن عدم وجود رؤية استراتيجية حقيقية لديه وإرسال إشارة قوية إلى قادة حماس بأن تدميرها لم يكن نتيجة مفضلة لإسرائيل.

من جانبها خرجت حماس مضحية بأصول عسكرية بذلت مشقة في تجميعها على مدى سنوات – مثل الصواريخ والأنفاق – من أجل هدف استراتيجي آخر. لقد أرادت تغير الوضع في غزة بطريقة ما وأن ترفع ما تعده حصارا مستمرا للأراضي.

كانت حماس تعرف أن هذه الاستراتيجية ستوقع الكثير من الضحايا في صفوف المدنيين. وربما راهنت على أن الرأي العام الدولي سرعان ما سيضغط على إسرائيل لوقف هجومها. فإن كان الأمر كذلك، فهي استراتيجية عالية المخاطر، ففي هذه المرحلة بات من الواضح كليا أن مستوى القتلى والتدمير سيقود بالضرورة إلى تغيير أساسي في الظروف التي تعيشها غزة.

وتبدو قلة من الفاعلين في المنطقة راغبة في تحمل المخاطر من أجل السلام، وبالنظر إلى ما يجري في غزة وسوريا والعراق، فثمة حالة من واسعة من الانهاك في الشرق الأوسط وصفها أحد المعلقين الأمريكيين بأنها حالة أشبه بما كانت عليه أوروبا خلال حرب الثلاثين عاما.

المزيد حول هذه القصة