لماذا تزدهر المليشيات في ليبيا ؟

مصدر الصورة AP
Image caption تمتلك بعض المليشيات المسلحة اسحلة ثقيلة كالدبابات والصواريخ.

قد يتذكر الليبيون طويلا الثالث عشر من يوليو/ تموز حين انفجرت الاوضاع في طرابلس بشكل غير مسبوق ودخلت مليشيات مصراته والزنتان، اللتان تتقاسمان النفوذ في العاصمة، في صراع دموي بدد الآمال في أن يسهم انتخاب البرلمان الجديد في اعادة الاستقرار إلى البلاد.

الصراع بين رفقاء الأمس، الأعنف منذ الاطاحة بالقذافي منذ أكثر من ثلاث سنوات، أدى إلى حالة من الذعر حول مستقبل ليبيا وبدأت تطل على شفاه بعض المحللين والمعلقين عبارة " الدولة الفاشلة".

وانطوى انعقاد البرلمان في مدينة طبرق على بعد 1500 كيلو مترا شرقي طرابلس على رمزية بعيدة، حيث تدفع الدولة الرسمية إلى أطراف البلاد بينما المليشيات التي بيدها السلطة الحقيقية يلعلع رصاصها في قلب العاصمة.

في ليبيا دولتان الدولة الرسمية ودولة المليشيات.

في ليبيا كما في غيرها يسود الصراع بين الجماعات المسلحة حينما تتعارض المصالح، وفي ليبيا الجديدة بعد القذافي يوجد الكثير مما يمكن الصراع حوله: النفوذ السياسي، السلطة والهيمنة، المغانم الاقتصادية والمالية، الشرعية الثورية بل وحتى الاصالة والانتماء للهوية الليبية.

لكن لماذا لم تتمكن ليبيا من انهاء دور المليشيات بعد أن وضعت الحرب ضد القذافي اوزارها"؟ ولماذا تنتعش المليشيات في ليبيا بهذا الشكل؟

تاريخيا تتكون ليبيا من ثلاث مناطق؛ برقة في الشرق وفزان في الجنوب وطرابلس في الغرب والمكون الرئيسي لغالبية المجتمع الليبي هو القبيلة وهذا الوضع يخلق اصطفافات جهوية وقبلية كرست في بعض الحالات تمسك الجماعات بالسلاح كضمانة للحقوق والمصالح في دولة غنية بالنفط ومستقبل قيد التشكيل.

الشرق الليبي الذي تعرض تاريخيا للتهميش أبان حكم القذافي الطويل والذي تحمل أيضا العبء الأكبر في الثورة عليه لا يريد أن يسلم قياده بسهولة مرة أخرى إلى طرابلس دون ضمانات.

ضعف المؤسسات

ورثت مؤسسات الحكم الانتقالي بعد الثورة دولة ضعيفة ازدادت ضعفا على أيديها في ظل "عدم وجود قرار حاسم من الدولة الليبية" لإنهاء تحكم المليشيات كما يقول لبي بي سي الدكتور الحسين عريبي عضو المجلس المحلي لتاجوراء ومسؤول الاعلام للمجلس الوطني أثناء الثورة.

إلا أن رئيس الوزراء الليبي عبد الله الثني يرى أن قوة هذه الجماعات هي التي حالت دون تطور مؤسسات الدولة وليس العكس. يقول الثني في مقابلة مع بي بي سي إن مستوى ونوعية التسلح الذي تتمتع به تلك الجماعات من ""دبابات ومدفعية وراجمات وصواريخ " تفوق قدرات الدولة ومن ثم "استقوت بها على الدولة واصبحت تقوم مقام الدولة في حفظ الامن والسلام".

ويشاركه الرأي خالد الترجمان الناشط الحقوقي والسياسي والذي شغل سابقا منصبي أمين سر المجلس الانتقالي ومستشار رئيس المؤتمر الوطني، حيث أكد لبي بي سي أن عدم نمو مؤسسات الدولة وتحولها لـ"مؤسسات حقيقية يرجع لعدم حل المشكلة الحقيقية وهي انتشار السلاح والمليشيات المسلحة".

المليشيات تغذت على ضعف الدولة الليبية وضعف المؤسسات التي تشكلت عقب الثورة وهي المجلس الانتقالي ومن بعده المؤتمر الوطني العام اللذين شهدا انقسامات سياسية حادة القت بظلالها على استقرار الاوضاع.

وشكل حادث اختطاف رئيس الوزراء الاسبق علي زيدان في أواخر عام 2013 مثالا على ما الذي يمكن ان تؤدي اليه الاحتقانات السياسية من زعزعة الاستقرار وتعميق اجواء عدم الثقة. فقد اختطف زيدان من قبل مسلحي غرفة عمليات ثوار ليبيا ووحدة مكافحة الجرائم وهما تابعتان لوزارة الداخلية الليبية.

مصدر الصورة Reuters
Image caption فوضى السلاح ساهمت في توتر الاوضاع الأمنية.

أدت ضربات حلف شمال الاطلسي إلى انهيار القوة العسكرية للقذافي وإلى انهيار للجهاز الاداري للدولة تقريبا، لكن لم يتبع ذلك برنامج دولي لاعادة بناء ما تفكك كما لم يقدم المجتمع الدولي المساعدة في جمع الاسلحة والذخائر التي خلفها الصراع والتي يقدرها مسؤول ليبي سابق بواحد وعشرين مليون قطعة سلاح.

البيئة كانت خصبة لنمو المليشيات المسلحة في ظل غياب ترتيبات للامم المتحدة على الارض لتوفير اجواء آمنة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها كما فعلت الأمم المتحدة في صراعات مشابهة في العالم.

ووفقا لتقدير جهاز الاستخبارات البريطاني فان ليبيا عقب الاطاحة بالقذافي كان فيها مليون طن من الاسلحة أي اكثر مما لدى الجيش البريطاني.

وفي ظل الفراغ الأمني قامت المليشيات المسلحة بعمليات حفظ الأمن ومراقبة الحدود وحراسة السجون والمنشآت الحيوية بالبلاد مما اضفى على وجودها شرعية.

وأدى قانون العزل السياسي الذي اصدره المؤتمر الوطني في 2013 إلى مزيد من الاحتقان السياسي وإلى مزيد من الافقار في الكفاءات الادارية.

مناخ من عدم الثقة

الاخفاق السياسي ومناخ عدم الثقة في أجهزة الدولة خاصة الأجهزة الأمنية والتي كانت في نظر الثوار آداة القمع في ظل النظام السابق أدى إلى تجذر ثقافة المليشيات والاحتكام للسلاح، ومع المزايا المادية الكبيرة التي يتحصل عليها المنتسبون لهذه الجماعات المسلحة من الدولة أصبح من الصعب عليها التخلي عن السلاح في غياب بدائل مقنعة.

ويؤكد الثني على أن "الخطوة الأولى لتجميع السلاح ..ان تكون هناك ثقة متبادلة بين الأخوة الليبيين".

لفظ المليشيات في الحقيقة لا يلامس الحقيقة تماما في الواقع الليبي فكثير من هذه الجماعات المسلحة أو الكتائب العسكرية تتبع رسميا وزارة الدفاع أو وزارة الداخلية ويحصل اعضاؤها على رواتب من خزينة الدولة الا انها لا تتقيد بأوامرها طوال الوقت وشكلت عبئا أمنيا في بعض الأوقات.

وبينما تقدم هذه المليشيات خدمات تتعلق بحفظ الامن والنظام في مناطقها يقوم البعض الاخر بالتربح من تجارة المخدرات وتهريب البشر وبيع النفط، وعمليات الخطف بهدف الابتزاز وكثير منها يقوم بعمليات اعتقال وسجن بشكل غير قانوني، كما أوضح مسؤول ليبي سابق، رفض الكشف عن هويته، لبي بي سي.

واضاف أن "بعض المليشيات يرتبط بأجندة سياسية لدول صديقة" علاوة على "وجود مليشيات اسلامية متشددة لا تعترف بالدولة ولها فهمها الخاص للدولة".

وفي مناخ ملتبس اصبحت الشرعية والثورية محل تنافس كما اصبحت عدم الشرعية والانقلاب على الثورة محل اتهام يكال للخصوم بين جماعات متناحرة، تقارب السياسة والعسكرة معا، ويحاول كل منها التأكيد على شرعيته وانتسابه للدولة او جيشها الوطني أو الانتساب إلى أهداف ثورة 17 فبراير. وأحد اسباب الالتباس الخلاف في الرؤى حول مستقبل الدولة بين الاسلاميين والعلمانيين.