الأزمة السورية: معتقلون سابقون يروون مآسي التعذيب في السجون

مصدر الصورة AP
Image caption اعتقل آلاف السوريين منذ بدء الانتفاضة عام 2011.

في الطابق الثالث تحت الأرض في مبنى سكني من الخرسان بوسط دمشق، زجت السلطات السورية بعمر جباعي في غياهب غرفة مساحتها سبعة أمتار في أربعة أمتار.

كانت أجواء خانقة، لا توجد نوافذ أو مدخل للهواء في هذه المساحة الضيقة التي يعيش فيها 100 شخص آخر في حالة ذعر، وهي عبارة عن غرفة واحدة ضمن مجمع من الغرف في أكبر مركز اعتقال في سوريا.

يستدعي عمر، وهو مخرج مسرحي، ذكريات ثلاثة أشهر قضاها في الاعتقال بسوريا قائلا "كل واحد منا كان له مساحة أقل من عشرين سنتيمترا للجلوس أو الوقوف، وكنا مكتظين، واحدا فوق الآخر، وكنا ننام ونقضي اليوم على هذه الأوضاع ذاتها تماما".

لكن عمر كان محظوظا إلى حد ما، إذ إنه أفلت من التعذيب وأفرج عنه بعد فترة قصيرة نسبيا.

كان عمر، الذي ينتمي لأقلية الدروز، يعمل لصالح الجيش، وقال إن "آخرين، وهم ينتمون إلى السنة بشكل رئيسي، كانوا يتعرضون للتعذيب يوميا".

ما علق في ذاكرة عمر هو التعذيب المؤلم لصبي من مدينة درعا الجنوبية يبلغ من العمر 13 عاما.

وقال عمر "كانوا يعلقونه من يديه باستمرار ويعذبونه لثماني ساعات يوميا. تمنيت أن يموت ويستريح من هذا الألم، لقد اعتادوا ضرب رأسه في الباب الحديدي، واعتقدت أنه فقد الوعي، لكن هذا لم يحدث أبدا".

وأضاف "كل يوم بعد أن يلقى (الصبي) نصيبه من التعذيب، اعتاد أن يقول لزميله في الزنزانة "لا أعرف ماذا فعلت لهم ليفعلوا بي ذلك".

مساع للتكيف مع المأساة

وغادر عمر سوريا بعد الإفراج عنه، وهو يعيش حاليا في بيروت ويحاول أن يبحث عن سبل للتأقلم مع آثار المعاناة التي تعرض لها في تجربته بالسجن.

لجأ عمر لإخراج عمل مسرحي بمشاركة ممثلين هواة، وسيلةً للتغلب على آثار هذه المحنة، لكنه كان يريد أيضا أن يبعث برسالة تذكر العالم بما يحدث داخل السجون في سوريا.

يقدم هذا العمل المسرحي، بعنوان "القصة المزدوجة للدكتور بالمي" للكاتب الأسباني أنتونيو بويرو، داخل شقة تستخدم كمركز ثقافي قبالة أحد الشوارع المزدحمة في بيروت.

أريكة وكرسيان وطاولة واحدة هي ديكور العمل المسرحي.

Image caption يرى البعض أن التمثيل المسرحي للمعاناة داخل السجون السورية وسيلة للتأقلم مع تبعاتها المؤلمة.

وبالرغم من أن المسرحية تتحدث عن حياة ضابط جيش خلال الحرب الأهلية الأسبانية، فإن القصة تحاكي بشكل وثيق الأحداث الحالية في سوريا.

وضمن أحداث المسرحية، يعاني الضابط من عجز جنسي نتيجة لإقدامه على تشويه أحد المساجين، لكنه لا يريد أن يعترف لنفسه أو زوجته بأن عجزه هو نتيجة لوحشيته.

وتساءل عمر "تساءلت دائما ما هو شعور هؤلاء الذين يعذبون السجناء، كيف يعودون إلى زوجاتهم وأطفالهم في منازلهم، لا يمكنني أن أتحدث عما رأيته، إنه أمر يتجاوز طاقة ما يتحمله بشر".

رعب السجن

يحاول عمر التغلب على محنته من خلال المسرح، لكن آلافا آخرين يعيشون تحت وطأة هذه التجربة المؤلمة.

وقد وثقت منظمات حقوق الإنسان في سوريا الاعتقال التعسفي لعشرات الآلاف من الأشخاص من بينهم نساء وأطفال وشيوخ. وربما كان الموت تحت القصف، بالنسبة للعديد منهم، أفضل لهم من الأوضاع داخل السجن.

وقال لطفي وهو ناشط سلمي اعتقل ثلاث مرات خلال بدء الانتفاضة عام 2011 "في الأيام الأولى من الانتفاضة، كنا نطلب من عائلاتنا أن يدعوا لنا أن نموت بطلقة وألا نعتقل لأننا كنا نعلم ماذا ينتظرنا داخل السجن".

وغادر لطفي السجن وهو يعاني من إصابات في ظهره وقدمه وأضرار نفسية أيضا.

وقال "أحلت إلى محكمة لمكافحة الإرهاب، رغم أنه لم يكن لديهم دليل على أي شيء فعلته".

وكانت هوية لطفي - البالغ من العمر 29 عاما في أحد البنوك وهو مدافع عن الديمقراطية والعلمانية - كافية لاعتقاله من قبل السلطات السورية. وبحسب بطاقة هويته، فإنه ينتمي إلى محافظة إدلب ومن سكان دوما بريف دمشق، لكنه كان يعيش فعليا في وسط دمشق.

غادر لطفي سوريا أيضا، وهو لا يتحدث مطلقا عما حدث له خشية اعتقاله مرة أخرى، وقد أصبح يعاني من الانطواء والانسحاب ولا يرافق سوى أصدقائه المقربين، وبدأ يتناول الكحوليات بإفراط.

مصدر الصورة AP
Image caption يتحدث المعتقلون السابقون عن أوضاع مزرية داخل السجون السورية.

وقال "من الصعب وصف هذا الأمر أو الحديث عنه، فصوت قطرات المياه من الصنبور هو أمر كاف ليثير عصبيتي إذ إنه يذكرني بالتعذيب، من الأفضل أن أنسى، لكنني لست متأكدا من أنه يمكنني ذلك".

محظوظون

أصدرت الحكومة السورية العفو أكثر من أربع مرات خلال الانتفاضة المستمرة منذ ثلاث سنوات، لكن نشطاء سياسيين سلميين لا يزالون معتقلين.

ومن بين هؤلاء الناشط المعارض عبد العزيز الخير الذي ينتمي للطائفة العلوية، الذي اختفى في أوائل عام 2013، ومازن درويش - وهو صحفي وناشط مدافع عن حقوق الإنسان وينتمي للطائفة العلوية أيضا - اعتقل في عام 2012، وخليل معتوق وهو محام بارز في قضايا حقوق الإنسان، اعتقل في أوائل عام 2013.

وهذه بضعة أسماء من بين مئات المدنيين السلميين المعتقلين في السجون السورية.

لقد حالف الحظ لطفي وعمر بأن أفرج عنهما، لكن آلافا آخرين، والعديد منهم عذب حتى الموت، لم يفرج عنهم حتى الآن.

ويعاني من أفرج عنهم من صدمات نفسية شديدة ويحتاجون لعلاج، ويعتقد الكثيرون أنه حينما تنتهي الحرب، وإذا قدر لها أن تنتهي، فإن البلاد ستحتاج لوقت طويل لعلاج الآثار النفسية، ليس فقط للحرب، لكن أيضا لتجربة السجن المؤلمة.

المزيد حول هذه القصة