تبديل الادوار: رجب طيب اردوغان نموذجا

مصدر الصورة AFP
Image caption يتعين على اردوغان كسب تأييد العلويين

لم يكن رجب طيب اردوغان رئيس وزراء اعتياديا، وبالتأكيد لن يكون رئيس جمهورية اعتياديا عندما يتسلم مهام منصبه الجديد يوم الخميس.

فمنذ خمسينيات القرن الماضي، تحدد الدور الذي يضطلع به رئيس الدولة في تركيا بالمهام الرمزية والشرفية فقط. ولكن بالنسبة لاردوغان، يعتبر الانتقال من منصب رئاسة الحكومة الى رئاسة الجمهورية خطوة نحو الاعلى وليس نحو الاسفل فيما يخص السلطات التي سيتمتع لها.

وكان اردوغان قد اوضح ابان حملته الانتخابية التي سبقت الانتخابات الرئاسية المباشرة الاولى التي شهدتها تركيا في العاشر من اغسطس / آب الحالي بأنه سيلعب دورا سياسيا فعالا ومؤثرا وانه لن يقتفي اثر اسلافه.

يقول الصحفي يونس غوكسو المعروف بموالاته لحكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم "انتخب اردوغان مباشرة من قبل الشعب بعد حملة كانت مسيسة الى حد كبير، ولم ينتخب من قبل البرمان كما كان الحال في الماضي، ولذا فمن غير المعقول الا يؤدي هذا التغيير الجوهري الى تغيير في سلطاته كرئيس."

ولكن مع ذلك، ستواجه اردوغان عراقيل كثير في سعيه لتحويل النظام السياسي التركي الى نظام رئاسي، إذ سيتعين عليه اول الامر تعديل الدستور وتغيير طبيعة المنصب.

ويجب الا يغيب عن ذاكرتنا ان رؤساء طموحين سابقين مثل تورغوت اوزال (الذي تولى المنصب من عام 1989 الى عام 1993) لم يفلحوا في تغيير طبيعة المنصب.

فقد حددت سلطاتهم بفعل النفوذ غير الرسمي الذي مارسته المؤسسة العسكرية والبيروقراطية التي نفذت اربعة انقلابات منذ الستينيات.

ولكن اردوغان تمكن من تحجيم دور الجيش، وبذا نجح في ازاحة ركن مهم من هذه المؤسسة التي لعبت دورا مؤثرا في الحياة السياسية في البلاد في العقود الماضية.

كما تمكن من بسط سيطرته على جهاز المخابرات المتنفذ.

وينظر الى اردوغان الآن بوصفه اكثر زعماء تركيا نفوذا وقوة بعد مصطفى كمال اتاتورك مؤسس الجمهورية التركية الحديثة، وسيحتل الموقع الذي سبق ان احتله اتاتورك بين عامي 1923 و1938.

إحياء الماضي

كان القصر الجمهوري بانقره في حقبة اتاتورك محور الحياة السياسية في تركيا، إذ كان يسيطر مصطفى كمال على الجيش وغيره من مؤسسات الدولة سيطرة شبه تامة. وكان خلفه عصمت اينونو يتمتع بسلطات مشابهة للسلطات التي كان يتمتع بها اتاتورك.

والآن تعود مؤسسة الرئاسة الى ما كانت عليه في تلك الحقب الى حد ما، إذ سيسعى اردوغان الى احياء السلطات التي كنت حكرا لمنصب الرئيس في السابق مثل دعوة مجلس الوزراء للالتئام وترؤس اجتماعات الحكومة. ويتمتع اردوغان اصلا بنفوذ كبير على وزراء حكومته.

كما سيحاول توسيع مدى السلطات التي يتمتع بها عن طريق الاشراف المباشر على القرارات التي يتخذها رئيس الوزراء، كما سيتمتع بنفوذ قوي في اختيار الوزراء واعداد قوائم المرشحين للانتخابات النيابية المقبلة المقرر اجراؤها العام المقبل.

وفي حقيقة الامر، كان اردوغان دائم الميل لتجاوز السلطات التي يتمتع بها كرئيس للوزراء، فقد كان يتدخل في قرارات الوزراء والمسؤولين المحليين، ولذا فليس من سبب للاعتقاد بأنه لن يواصل السير في النهج ذاته عندما يتولى الرئاسة.

وستتكفل قبضته القوية على حزبه، حزب العدالة والتنمية، بضمان مساعدة خليفته في رئاسة الحكومة، وزير الخارجية السبق احمد داود اوغلو، له في تسيير الحكومة.

وباعتباره الزعيم السياسي التركي الوحيد الذي يستطيع الفوز بدعم القوميين الاتراك والاكراد في ذات الوقت، سيواصل لعب دور محوري في المفاوضات الدائرة مع متمردي حزب العمال الكردستاني.

ولكن سيتعين على اردوغان ضمان تأييد ثلثي نواب البرلمان اذا اراد تعديل الدستور.

ولا يتمتع حزبه باغلبية تضمن له ذلك في الوقت الراهن، ولذا فيعول اردوغان على تحقيق داود اوغلو فوزا كبيرا في الانتخابات المقبلة.

وكان اردوغان قد نجح في الفوز بالانتخابات الرئاسية عن طريق استغلال الاستقطاب السياسي الذي تسبب فيه حكمه لصالحه.

فالاتراك منقسمون بين مؤيد قوي لاردوغان وكاره له، ولكنه نجح في الاحتفاظ بشعبيته رغم سلسلة الازمات التي المت بحكمه.

واكتشف اردوغان ان هذا الاستقطاب يمكن ان يعمل لصالحه، خصوصا وان المعارضة ضعيفة وممزقة.

ففيما استطاع ان يعتمد على ولاء وحسن تنظيم مؤيديه، لم تتمكن المعارضة من التوحد على امر عدا معاداته.

قد تنجح هذه الاستراتيجية في الفوز بالانتخابات، ولكنها تعرض حكمه للمخاطر. وحرص اردوغان على سلوك نهج تصالحي عقب فوزه بالرئاسة يختلف تماما عن نبرة التحدي التي اتسم بها خطاب الفوز الذي القاه عقب الانتخابات البلدية في مارس / آذار.

ويتعين على اردوغان الآن ان يفوز بتأييد الاقلية العلوية التي يبلغ عدد افرادها 13 مليونا.

فالعلويون، الذين يشكلون مصدرا مهما لقوة حزب الشعب المعارض، كانوا المحرك الرئيس لاحتجاجات ميدان غيزي بالسطنبول عام 2013، ولذا تعتبر مهمة الفوز بتأييدهم تحديا كبيرا خصوصا وانهم فقدوا الثقة به كرئيس للحكومة منذ فترة طويلة.

ولكن يتعين عليه القيام بهذه المهمة اذا كان يريد ان يتمتع بحرية الحركة الضرورية في منطقة مضطربة تعصف بها رياح الطائفية بشكل متزايد.

المزيد حول هذه القصة