على جبهة كركوك.. وثائقي جديد لبي بي سي

جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو

عندما شن تنظيم "الدولة الإسلامية" هجوماً على مدينة كركوك العراقية، اتصل الجنود المرابطون على خط التماس بقائدهم، العميد سرحَد قادر، طلباً للدعم.

أمسك العميد جهاز الاتصال وخاطب رجاله في إحدى وحدات شرطة المدينة. الأمر كان واضحاً: أمسكوا أسلحتكم وقنابلكم، واستعدوا.

توجه الجميع إلى جبهة القتال، مستعدين لليل طويل. وما أن كَشف ضوء الصباح عن خط التماس، حتى أخرج مسلحو تنظيم "الدولة الإسلامية" قذائف الهاون، ووجد العميد ورجاله أنفسهم يواجهون عدواً أفضل تسليحاً منهم. جُرح ثلاثة وقُتل واحد، تحدث العميد سرحَد عنه قائلاً: ”أحببته ووثقت به كأنه أخي“.

كان القتيل مساعداً شخصياً للعميد سرحَد طوال الأعوام الأحد عشر الماضية. وبموته أُضيف واحد إلى 245 شرطياً قُتلوا من الوحدات التي يقودها العميد سرحَد قادر.

لطالما كان الموت سمة طبيعية من سمات العمل في سلك الشرطة في منطقة كركوك، حتى قبل أن يكون عدوهم تنظيماً شديدَ التسليح يقاتل تحت راية ما يطلقون عليه "الخلافة الإسلامية".

في يونيو/ حزيران الماضي، وبعد أيام فقط من السيطرة على الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، اجتاح تنظيم "الدولة الإسلامية" قرى وبلدات مجاورة لكركوك. وهي مكاسب حققها التنظيم بسرعة مذهلة، لكنها مكاسب زادت من لهيب التوترات الطائفية والعرقية القديمة في منطقة كركوك.

لطالما شعر السُنّة من عرب العراق خلال العقد الماضي بالتهميش والإبعاد ضمن دولة يسيطر على حُكمها العرب الشيعة والأكراد. لكن هذه الدولة انهارت، عملياً، مع سقوط الموصل، وكذلك مع انهيار الرمز الأكبر لهذا الحكم؛ وهو الجيش العراقي المدرب من قبل الجيش الأمريكي، والذي فر أفراده من الموصل مع دخول تنظيم "الدولة الإسلامية" إليها.

قصة مدينتين

لكن قصة العراق هذا الصيف هي قصة مدينتين من مدنه.

فبعد الموصل، غادر الجيش كركوك أيضاً، ما سمح للقوات الكردية (البيشمركة) بالسيطرة على هذه المدينة المتنوعة بالأعراق والأديان، والغنية بالنفط، والتي لطالما حلموا بضمها إلى إقليم كردستان الذي يتمتع بحكم شبه مستقل.

كركوك كنز، لكن معه أتى عبء تطمين مكوناتها العديدة، والدفاع عن جبهتها الجديدة في الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم "الدولة الإسلامية".

نتيجة الأحداث التي تجري في العراق الآن غير معروفة. لكن تطور الأمور يحدده ليس ما يحدث في الموصل فقط، بل ما تؤدي إليه المساعي الكردية للاحتفاظ بالسيطرة على كركوك. وهنا يأتي دور شخص مثل العميد سرحَد قادر، كما سنرى في وثائقي جديد لبي بي سي عربي يبدأ عرضه يوم الاثنين.

التنوع العرقي والمذهبي لكركوك مذهل، ففيها عرب وتركمان وأكراد وسنة وشيعة ومسيحيون وأعراق وعقائد أخرى عديدة. وتشكل أسواق المدينة نموذجاً مصغراً عن العراق ككل، حيث يتنقل الباعة بين اللغات المختلفة مخاطبين زبائنهم المختلفين.

مدينة كركوك هي مركز محافظة كركوك التي يُعتقد أن فيها نحو ربع احتياطي النفط العراقي الهائل. وللرغبة باستغلال الموارد الطبيعية للمنطقة دور كبير في شحذ أحلام كثيرين بالسيطرة عليها، وبالتالي إبقاء الخلافات القديمة بين مكوناتها المختلفة حية.

وترى إيما سكاي، المحاضرة في جامعة ييل الأمريكية حاليا والمسؤولة البريطانية السابقة التي تولت إدارة كركوك بعد الغزو الأمريكي-البريطاني للعراق عام 2003، أن على الأكراد، لتعزيز سيطرتهم على كركوك، أن يهدئوا مخاوف المجموعات الأخرى فيها خصوصاً العرب السنة.

وتضيف: ”أدركت كل جماعة الآن أنه من الصعب جداً السيطرة على أية منطقة في العراق دون موافقة السكان المحليين“.

العميد سرحَد قادر محارب قديم، قاتل في الماضي ضمن ميليشيات كردية مناهضة لحكم صدام حسين. عُين بعد الغزو الأمريكي مسؤولاً عن شرطة كركوك، وتعرض منذ ذلك الحين لمحاولات اغتيال عدة، يقول إن عددها يتجاوز 12 محاولة استخدمت فيها القنابل والرصاص والسم.

كما نجا من تفجير انتحاري ضخم استهدف مقر الشرطة الذي يعمل فيه وأدى إلى مقتل أكثر من 30 شخصاً. ودفعت عائلته كذلك ثمناً باهظاً عندما قتل مسلحون شقيقه عام 2005 بإطلاق الرصاص عليه معتقدين أنه سرحد.

سُمعَته بين رجاله تفيد بأنه شجاع على حدود المغامرة. وكما سنرى في الفيلم الوثائقي فإنه لا يتولى قيادة العمليات من مكتبه، بل من خط القتال. أمر يبدو متناقضا مع ما قام به ضباط الجيش العراقي في الموصل الذين فروا مرتدين ملابس مدنية عندما وصل مقاتلو تنظيم "الدولة الإسلامية".

مسؤولياته أوسع بكثير من المسؤوليات العادية لأجهزة الشرطة، لتشمل نشاطات تكون عادة، في دول غير عراق اليوم، من واجبات الجيش أو وحدات أخرى خاصة.

فتراه يطلق القنابل على مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية" قرب خطوط التماس، ويعتقل مشتبهين بالإرهاب في قرية عربية سنية، ويقوم بدور زعيم عشائري عندما يتفاوض مع شيخ قبلي يُعتبر صلة وصل مع قادة التنظيم. كما يقدم الدعم العسكري لمقاتلين يدافعون عن قرية تركمانية تعرضت للقصف بالهاون.

لكن منتقديه يرون أنه يتصرف ككردي بالدرجة الأولى. فالغالبية الساحقة من العاملين تحت إمرته من الأكراد، كما أنه يتهم برعاية مصالح الأكراد قبل غيرها من المصالح.

كلها اتهامات يرفضها العميد سرحَد الذي يصر أنه عمل ويعمل لأجل سكان كركوك كلهم، ولضمان أمنهم وسلامتهم جميعاً. لكن من المفارقة أنه شخصياً لا يستطيع أن يشعر بهذا الأمان.

وقال خلال جولة سريعة له في مركز مدينة كركوك: ”مرت ستة أشهر على آخر مرة أتيت فيها إلى هنا“. وأضاف قبل أن يقطع جولته ويغادر: ”أتمنى لو أن الوضع كان أكثر أماناً، لكنت أتيت إلى هنا أكثر“.

وبعد ساعات أمضى الليل وهو يتبادل إطلاق النار مع مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية"، على جبهة كركوك.